يدخل الصومال مرحلة جديدة في مسار حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وسط محاولات رسمية لإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتطوير الإطار التشريعي، بالتوازي مع استمرار تحديات أمنية وإنسانية وتنموية تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الحقوقية. وبينما رحبت الحكومة الصومالية بالتعاون مع الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، دعت دول ومنظمات حقوقية إلى تحويل الالتزامات والتعهدات إلى إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين وتعزيز استقلال المؤسسات ومواجهة الانتهاكات.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال مناقشة البند العاشر المتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في الصومال من خلال المساعدة التقنية وبناء القدرات، حيث عرضت الحكومة الصومالية ما وصفته بمرحلة جديدة من الانتقال في مجال حقوق الإنسان، مؤكدة استعدادها للتعاون مع مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والعمل على تعزيز المؤسسات الوطنية وتنفيذ التوصيات التي قبلتها خلال الاستعراض الدوري الشامل.
وأكدت وزيرة الأسرة والتنمية البشرية الصومالية، كايا المقصوم، أن حماية النساء والأطفال، والتعامل مع النزوح الناتج عن العنف والجفاف، وبناء مؤسسات قادرة على تقديم نتائج ملموسة، تمثل أولويات أساسية للحكومة. ورحبت بتقرير المفوضية السامية وبإنشاء المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، مشيرة إلى العمل على تعزيز استقلاليتها وقدرتها على تلقي الشكاوى والتحقيق فيها وفق مبادئ باريس.
وأوضحت أن الصومال قبل أكثر من 260 توصية خلال الاستعراض الدوري الشامل، مع التزامه بمتابعة تنفيذها بالتنسيق بين الحكومة والبرلمان ومؤسسات العدالة والمجتمع المدني. كما دعت المفوضية إلى تقديم دعم عملي لتعزيز آليات المتابعة ورفع التقارير، وحماية الأطفال، ودعم الناجين، وتحسين الوصول إلى الخدمات العامة، مؤكدة انفتاح الحكومة على المراقبة الدولية والمساءلة.
مؤسسات وطنية جديدة
وشكل إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان محوراً رئيسياً في مداخلات عدد من الدول، باعتباره خطوة يفترض أن تعزز قدرة الصومال على مراقبة أوضاع حقوق الإنسان والتعامل مع الشكاوى والانتهاكات.
ورحب الاتحاد الأوروبي بالتعاون الصومالي مع المفوضية السامية وبالتقدم المحرز، ولا سيما إنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية استقلاليتها ونزاهتها. وأثار مخاوف تتعلق بالقيود المفروضة على حرية التعبير والتهديدات التي يتعرض لها الصحفيون، إلى جانب بعض بنود مشروع القانون الجنائي والتعديلات الدستورية المرتبطة بسن الرشد، محذراً من انعكاساتها المحتملة على حماية النساء والأطفال.
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى مواءمة الإصلاحات التشريعية الصومالية مع الالتزامات الدولية، كما طرح تساؤلات بشأن كيفية استخدام الموارد المحدودة لضمان استمرار الدعم والمساعدة والرصد في المرحلة المقبلة.
وفي الاتجاه ذاته، أكدت المملكة المتحدة أهمية الانتقال من مرحلة الاستعراض الدوري الشامل إلى مرحلة التنفيذ، داعية إلى استمرار التعاون بين الصومال والمفوضية والأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية الخبير المستقل وإغلاق بعثة الأمم المتحدة الانتقالية. كما رحبت باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وحثت الحكومة على دعم استقلاليتها، وأبدت قلقاً بشأن بعض الأحكام المتعلقة بحرية التعبير والإعلام وحماية الأطفال.
أما سويسرا، فربطت بين التقدم المؤسسي واستمرار تحديات مرتبطة بالنزاع وانعدام الأمن والعنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي، داعية إلى توافق مراجعة القانون الجنائي مع الالتزامات الدولية، وضمان حقوق الأطفال في المحاكمة العادلة، وحماية حرية التعبير والإعلام، وتوفير وصول فعّال إلى العدالة لضحايا العنف الجنسي.
المساعدة الدولية.. دعم أم مسؤولية وطنية؟
اتفق عدد كبير من الوفود على أن المساعدة التقنية وبناء القدرات يمثلان محوراً أساسياً في المرحلة المقبلة، لكن مداخلات الدول أظهرت أيضاً تأكيداً متكرراً على أن تكون هذه المساعدة منسجمة مع الأولويات الوطنية وتحترم سيادة الصومال.
وأكدت قطر أن التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية التي يواجهها الصومال تتطلب دعماً دولياً للمسارات الوطنية، مشددة على أهمية الإصلاحات السياسية والتشريعية والتنفيذية ومشاركة مختلف الأطراف في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون. كما رحبت بتوقيع اتفاق المقر بين الحكومة الصومالية والمفوضية السامية لإنشاء مكتب لحقوق الإنسان في البلاد، وبخطوات تنفيذ خطة حقوق الإنسان للمرحلة الانتقالية 2025-2026 وإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان.
ورحبت المجموعة الأوروبية بالتعاون بين الصومال والمفوضية ومجلس حقوق الإنسان، داعية إلى توفير الموارد للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وآليات تنفيذ ومتابعة توصيات الاستعراض الدوري الشامل، مع استمرار التعاون في مجال بناء القدرات المؤسسية.
وفي السياق نفسه، أكدت السعودية أهمية استمرار وتوسيع الدعم التقني وبناء القدرات، بينما شددت الجزائر على أن الملكية الوطنية تمثل أساساً للتعاون بين المجلس والصومال، داعية إلى دعم المؤسسات الوطنية ومتابعة توصيات الاستعراض الدوري الشامل بما يتوافق مع الأولويات الوطنية.
وكان احترام السيادة الوطنية حاضراً كذلك في مداخلة الصين، التي رحبت بتقرير المفوضية وبمشاركة الصومال في الجولة الرابعة من الاستعراض الدوري الشامل واعتماد خطة العمل الانتقالية لحقوق الإنسان. ودعت إلى دعم بناء القدرات وفق احتياجات الصومال، مع احترام سيادته ووحدة أراضيه وعدم فرض نماذج حكومية عليه.
الأمن والنزوح يضغطان على الحقوق
لم تقتصر المناقشات على بناء المؤسسات والتشريعات، إذ شكلت الأوضاع الأمنية والإنسانية أحد أبرز التحديات التي أثيرت خلال الجلسة.
وأشار عدد من الوفود إلى أن استمرار النزاع وانعدام الأمن والنزوح والصدمات المناخية يضعف قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات وحماية الحقوق. وأكدت الحكومة الصومالية أن النزوح الناتج عن العنف والجفاف يمثل أحد الملفات الأساسية، في وقت تحتاج فيه مؤسسات الدولة إلى قدرات وموارد إضافية للاستجابة للاحتياجات الإنسانية والحقوقية.
وأشار اليمن إلى التحديات الأمنية والاقتصادية والمناخية التي تواجه الصومال، داعياً المفوضية السامية والمجتمع الدولي والجهات المانحة إلى تعزيز الدعم التقني والمالي لمواجهة الإرهاب وآثار الصدمات المناخية وتحقيق السلام والتنمية المستدامة.
كما أشارت جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أن النزوح والترحيل وتدهور الأوضاع الأمنية تمثل عوائق أمام إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية، مؤكدة ضرورة أن تقدم المساعدة بناءً على طلب الصومال وبالتشاور مع السلطات وموافقتها، وبما يستجيب للاحتياجات والأولويات الوطنية.
وقدمت منظمة Human Rights Research League صورة عن الجانب الإنساني للأزمة، مشيرة إلى أن نحو 4.8 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو مليوني طفل، وفق ما أوردته المنظمة في مداخلتها. كما أشارت إلى تعرض النساء والفتيات للعنف والاغتصاب والزواج القسري في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
النساء والأطفال في صدارة المخاوف
برزت حماية النساء والأطفال باعتبارها أحد المحاور الرئيسية في النقاش، سواء في الموقف الحكومي أو مداخلات الدول والمنظمات.
وأكدت الحكومة الصومالية أن حماية النساء والأطفال تمثل أولوية، بينما دعت منظمات حقوقية إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للتعامل مع ختان الإناث والعنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج القسري.
وركزت UN Watch على استمرار ممارسة ختان الإناث، بما في ذلك حالات تُفرض فيها هذه الممارسة على الفتيات، داعية إلى تعزيز قدرة النساء والفتيات على رفضها، وتوفير برامج توعية مستدامة، وحظر ختان الإناث بصورة كاملة.
كما أشارت منظمة Human Rights Research League إلى تعرض النساء والفتيات بصورة خاصة للعنف والاغتصاب والزواج القسري، في حين تناولت منظمات أخرى الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية للأطفال وضمان عدم المساس بالحقوق المرتبطة بسن الطفولة.
وأثار الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسويسرا بصورة منفصلة مخاوف بشأن التعديلات المرتبطة بسن الرشد أو النضج القانوني، في ظل التخوف من انعكاساتها على حماية من هم دون 18 عاماً، ولا سيما النساء والأطفال.
حرية الصحافة والحيز المدني
شكلت حرية التعبير والإعلام محوراً آخر في المداخلات الدولية والحقوقية، خصوصاً مع الحديث عن مشروع القانون الجنائي الجديد وحالات اعتقال ومضايقة صحفيين.
وأعرب الاتحاد الأوروبي عن القلق إزاء القيود المفروضة على حرية التعبير والتهديدات التي يتعرض لها الصحفيون، بينما دعت سويسرا إلى ضمان حرية التعبير والإعلام، وسألت عن الإجراءات التي يمكن اتخاذها لحماية الصحفيين ومواجهة الإفلات من العقاب عن ترهيبهم ومضايقتهم.
وقال الاتحاد الدولي للصحفيين الصوماليين إنه يشعر بالقلق من تعديلات مسودة القانون الجنائي الجديد وما قد تفرضه من قيود على حرية التنقل والحريات العامة، مشيراً إلى حالات اعتقال تعسفي لصحفيين ومقتل صحفيين اثنين، مطالباً باحترام حرية الإعلام. كما رحب بإنشاء مكتب حقوق الإنسان وانتخاب قيادته الأولى في فبراير 2026، ودعا إلى توفير التمويل اللازم وتعزيز التعاون بين المفوضية والمجتمع المدني.
من جهتها، تحدثت منظمة East and Horn of Africa Human Rights Defenders Project عن استمرار انعدام الأمن والانتهاكات التي تطال النشطاء والصحفيين من جانب جماعات مسلحة وغير حكومية، داعية إلى تعزيز اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان وإشراك المجتمع المدني بصورة أكبر.
النزوح والإخلاءات القسرية
إلى جانب النزوح الناتج عن الصراع والجفاف، أثارت منظمة العفو الدولية قضية الإخلاءات القسرية، مشيرة إلى استمرار عمليات إخلاء في الصومال، ولا سيما في مقديشو، قالت إنها تسببت في تشريد آلاف الأشخاص دون تعويض وتقليص وصولهم إلى الخدمات الأساسية.
كما تحدثت المنظمة عن استخدام القوة المفرطة والاعتقالات التعسفية خلال بعض عمليات الإخلاء، وهو ما يضع قضية الحماية القانونية للنازحين والسكان المتضررين ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة مؤسسية.
وفي ملف حماية المدنيين، أشارت منظمة Every Casualty Worldwide إلى أعمال عنف وقعت خلال المواجهات في بايدوا في 17 أغسطس، وقالت إن القتال بين القوات الفيدرالية وقوات المعارضة أدى، وفق ما أوردته، إلى مقتل 94 مدنياً وإصابة نحو 220 آخرين، مع وفاة عدد من المصابين لاحقاً. كما تحدثت عن مخاوف الشهود من الانتقام، والحاجة إلى توفير الدعم الطبي والنفسي للضحايا والناجين والشهود.
موقف مصري داعم للمؤسسات
وأكدت مصر دعمها لجهود الحكومة الصومالية في تعزيز الاستقرار وحماية المدنيين وبناء مؤسسات الدولة، مشيدة بإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان واعتماد سياسات لحماية المدنيين وقانون عدالة الأحداث.
وشددت القاهرة على أهمية تزويد المؤسسات الوطنية بالخبرات والموارد اللازمة لتنفيذ هذه الإجراءات، ومواصلة مجلس حقوق الإنسان تقديم المساعدة الفنية وبناء القدرات وفق الأولويات الوطنية وبالتعاون مع الحكومة الصومالية، مع توفير الموارد اللازمة لاستمرار هذا التعاون في ظل اقتراب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة الانتقالية.
المجتمع المدني يطالب بدور أكبر
وفي مقابل التأكيد الحكومي والدولي على بناء المؤسسات، طالبت منظمات المجتمع المدني بتوسيع مشاركتها في عملية صياغة السياسات ومتابعة تنفيذ التوصيات.
ودعت Minority Rights Group إلى توسيع مشاورات المفوضية مع المجتمع المدني لتشمل الأقليات والمدافعين عن حقوقها، مشيرة إلى ما وصفته بتاريخ طويل من تهميش بعض العشائر والأقليات، وإلى استمرار استخدام صيغة 4.5 في توزيع الفرص السياسية، معتبرة أنها تسهم في إقصاء الأقليات.
كما أكدت المنظمة الدولية للميثاق الوطني أن المساعدة التقنية يجب أن تكون أداة للتمكين وليس للتدخل الخارجي، وأن تقوم على الملكية الوطنية واحترام السيادة، مع توجيه الموارد إلى بناء القدرات وسبل العيش والعمل والخدمات العامة. واقترحت إنشاء آلية يقودها المجتمع المدني لمراجعة أثر المساعدة التقنية في إطار الحق في التنمية.
مكتب المفوضية.. خطوة تنتظر التمويل
وشكل اتفاق المقر الموقع بين الحكومة الصومالية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان نقطة اتفاق واسعة بين عدد من الدول والمنظمات، باعتباره خطوة يمكن أن تعزز حضور آليات حقوق الإنسان داخل البلاد.
ورحبت ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان بتوقيع الاتفاق في 3 مايو 2026 لإنشاء مكتب لحقوق الإنسان في الصومال، لكنها أشارت إلى عدم استكمال إنشاء المكتب بسبب نقص التمويل، داعية إلى استكمال الخطوة وتعزيز احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
وفي ختام المناقشة، أقرت المفوضية السامية بوجود تقدم في الصومال، إلى جانب استمرار تحديات متعددة، مؤكدة أن التعاون التقني لا يزال أساسياً لمعالجة هذه التحديات وتعزيز المكاسب التي تحققت. كما أكدت التزامها بدعم المجتمع المدني واللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان، بهدف تعزيز المساءلة وإصلاح التشريعات وحماية المدنيين وبناء القدرات.
وتكشف المناقشات أن المرحلة المقبلة بالنسبة للصومال لن ترتبط فقط بإنشاء المؤسسات أو قبول التوصيات الدولية، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على العمل بصورة مستقلة وفعالة، وتحويل الالتزامات إلى سياسات وإجراءات ملموسة. وبينما تؤكد الحكومة أهمية الملكية الوطنية والسيادة في تحديد أولويات المساعدة، تظل ملفات حماية المدنيين والأطفال والنساء، وحرية الإعلام، والنزوح، والعنف، واستقلال المؤسسات، وتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، في صدارة القضايا التي تتطلب دعماً فنياً ومالياً ومتابعة مستمرة.
وبذلك، يضع النقاش الصومال أمام مسار مزدوج: مواصلة بناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية الحقوق من جهة، ومعالجة الظروف الأمنية والإنسانية والاقتصادية التي تعرقل إعمال هذه الحقوق من جهة أخرى، في ظل تأكيد المفوضية السامية أن استمرار التعاون وبناء القدرات يمثلان عنصراً أساسياً للحفاظ على التقدم المحقق ومعالجة التحديات القائمة.
