منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“حقوق الإنسان” يحذر من تصاعد العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا ويدعو لحماية النساء

24 سبتمبر 2026
لقطة من جلسة حقوق الإنسان
لقطة من جلسة حقوق الإنسان

حذرت اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان من تنامي أشكال العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا، وما يترتب عليها من تهديدات مباشرة لحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء والفتيات، مؤكدة أن التطور الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج العنف والتمييز أو انتهاك الخصوصية والكرامة. وشددت اللجنة على ضرورة تطوير أطر قانونية وآليات دولية لمواجهة الجرائم الرقمية، وتعزيز قدرة الدول على حفظ الأدلة الإلكترونية وملاحقة مرتكبي الانتهاكات العابرة للحدود.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع اللجنة الاستشارية حول العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا وآثاره على حقوق الإنسان، بمشاركة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، حيث تناولت المداخلات مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بالعنف الرقمي، إلى جانب أوضاع بعض الأقليات والنزاعات وحقوق الضحايا في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.

العنف الرقمي.. انتهاكات تتجاوز الفضاء الإلكتروني

ركزت المنظمات المشاركة في الحوار على الآثار المتزايدة للعنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا، مشيرة إلى أن الاعتداءات الرقمية لا يمكن فصلها عن أشكال العنف والتمييز الموجودة في الواقع، وأن آثارها قد تمتد إلى الحقوق الأساسية والصحة والسلامة والكرامة والمشاركة في الحياة العامة.

وسلطت بعض المداخلات الضوء بصورة خاصة على النساء والفتيات، ولا سيما النساء من أصول أفريقية والمجموعات التي تواجه أشكالاً متداخلة من التهميش، موضحة أن التكنولوجيا قد تستخدم في إنتاج أو نشر مواد ذات طابع جنسي دون موافقة، أو في التحرش والابتزاز والمراقبة والتجسس والتعقب الإلكتروني.

وأشارت المنظمات إلى أن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان والعاملات في المجال العام والمنظمات غير الحكومية قد يواجهن مخاطر إضافية، مع إمكانية استخدام أدوات المراقبة الرقمية لاستهدافهن أو التضييق على عملهن.

ودعت إلى اعتماد سياسات رقمية تراعي النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان، مع ضمان مشاركة النساء والمنظمات المعنية بحقوقهن في صياغة القواعد التي تحكم استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية.

التكنولوجيا بين حماية الحقوق وإعادة إنتاج العنف

وأظهرت المناقشات أن التطور التكنولوجي يحمل إمكانات كبيرة لتعزيز الحقوق، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات جديدة تتطلب استجابة قانونية ومؤسسية تتناسب مع طبيعة الجرائم الرقمية.

وأكدت إحدى المنظمات ضرورة ألا تضطر النساء إلى الاختيار بين الاستفادة من التكنولوجيا وبين حماية كرامتهن وسلامتهن وحريتهن، داعية إلى تطوير آليات أكثر فاعلية للإبلاغ عن العنف السيبراني، وضمان سرعة الاستجابة للشكاوى، وحفظ الأدلة الرقمية بما يسمح باستخدامها في التحقيقات والمحاكمات.

كما طالبت بتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا، وتعزيز دور المنظمات التي تقودها النساء في تصميم أدوات رقمية أكثر أماناً، باعتبار أن الاستجابة للعنف الرقمي لا تقتصر على تجريم الفعل، وإنما تشمل أيضاً حماية الضحية وضمان قدرتها على الوصول إلى العدالة.

وتناولت المداخلات كذلك أهمية التعاون عبر الحدود، نظراً لأن مرتكب الاعتداء أو الخادم الذي يستضيف المحتوى أو الشركة التي تدير المنصة قد يوجد في دولة مختلفة عن الدولة التي تقيم فيها الضحية، وهو ما يجعل الأدلة الرقمية عرضة للفقد أو الحذف ويعقد إجراءات الملاحقة القضائية.

حفظ الأدلة الرقمية ومكافحة الإفلات من العقاب

وفي ختام الحوار، ركزت اللجنة الاستشارية على الحاجة إلى تطوير آليات دولية وإقليمية للتعاون في مواجهة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا.

وشددت على أهمية بناء القدرات الوطنية في مجال حفظ الأدلة الرقمية ونقلها عبر الحدود وإجراء الفحوص الجنائية الرقمية وفق المعايير الدولية، بما يساعد السلطات المختصة على التعامل مع الأدلة بطريقة تحافظ على سلامتها وقيمتها القانونية.

كما دعت إلى إجراء تقييمات لآثار التكنولوجيا على حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والرقابة المستقلة، وضمان حصول الضحايا على جبر فعال، بما في ذلك آليات التعويض والدعم وإزالة آثار الانتهاكات الرقمية حيثما كان ذلك ممكناً.

وأكدت اللجنة أن حماية الخصوصية والسلامة وحقوق الإنسان يجب أن تكون جزءاً من مختلف مراحل دورة حياة التكنولوجيا، بدءاً من تصميم المنتجات والخدمات وحتى تطويرها وتشغيلها وتحديثها.

مسؤولية الدول والشركات

وشددت اللجنة الاستشارية على أن الدول تظل صاحبة الواجب الأساسي في حماية حقوق الإنسان، حتى عندما يتم تقديم الخدمات التكنولوجية من خلال شركات خاصة.

ويعني ذلك، وفق ما طرحته اللجنة، ضرورة وجود تشريعات واضحة تحدد المسؤوليات، وآليات فعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، وضمان قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة والانتصاف.

وفي الوقت نفسه، تتحمل الشركات التكنولوجية مسؤوليات تتعلق بتصميم منصاتها بطريقة تراعي السلامة والخصوصية، والاستجابة السريعة للمحتوى الذي ينتهك حقوق الأشخاص، وإجراء تقييمات منتظمة للمخاطر الحقوقية المرتبطة بمنتجاتها وخدماتها.

كما برزت الحاجة إلى وضع معايير واضحة لاستخدام تقنيات المراقبة، بما يمنع تحول أدوات مكافحة الجرائم الرقمية إلى وسائل لانتهاك الخصوصية أو استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمنظمات المدنية.

النساء والفئات المهمشة في قلب النقاش

ركزت المنظمات المشاركة على أن العنف الرقمي لا يصيب جميع الفئات بالطريقة نفسها، وأن بعض النساء قد يتعرضن لأشكال متراكبة من التمييز والعنف بسبب الأصل أو العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي أو غيرها من العوامل.

وأكدت المداخلات ضرورة أن تراعي السياسات الرقمية هذه الأبعاد المتداخلة، وألا تقتصر الحماية على تجريم الاعتداءات بصورة عامة، بل تشمل توفير استجابات متخصصة للفئات الأكثر عرضة للخطر.

كما دعت إلى إشراك النساء ومنظمات المجتمع المدني في تصميم السياسات الرقمية، باعتبار أن الخبرات المباشرة للمتضررات يمكن أن تساعد في تحديد الثغرات الموجودة في آليات الحماية والإبلاغ والانتصاف.

ملف إيلام التاميل وحقوق الضحايا في سريلانكا

إلى جانب العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا، تناولت بعض المنظمات خلال الحوار أوضاع التاميل في سريلانكا، حيث ركزت منظمات من الشتات التاميلي على أحداث موليفايكال والمرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية في البلاد عام 2009.

وطالبت هذه المنظمات بآليات دولية مستقلة للتحقيق والمساءلة، وبالتحقيق في المقابر الجماعية، إلى جانب تعيين مقرر خاص معني بسريلانكا، وضمان حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والحصول على الجبر.

كما أثارت المنظمات مسألة تقرير المصير لإيلام التاميل، في سياق عرضها لمطالبها المتعلقة بمعالجة آثار النزاع والانتهاكات التي تقول إنها تعرض لها المدنيون خلال الحرب.

وتأتي هذه المداخلات في إطار أوسع ركز على ضرورة عدم إغلاق ملفات الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات دون توفير مسارات للضحايا للوصول إلى الحقيقة والعدالة والانتصاف.

التدابير القسرية وأوضاع المدنيين في جنوب اليمن

وشهد الحوار أيضاً مداخلة تناولت ما وصفته إحدى المنظمات بآثار سلبية للتدابير التي اتخذتها المملكة العربية السعودية في جنوب اليمن، متحدثة عن قصف طال مدنيين، من بينهم النساء والأطفال، وتدابير استهدفت شخصيات سياسية جنوبية.

وطالبت المنظمة مجلس حقوق الإنسان باتخاذ خطوات عاجلة تجاه ما وصفته بالتدابير القسرية أحادية الجانب، معتبرة أنها تؤثر في الحقوق الأساسية للسكان المدنيين.

وتندرج هذه المداخلة ضمن النقاش الأوسع الذي يشهده المجلس بشأن أثر التدابير الاقتصادية والسياسية والأمنية على التمتع بحقوق الإنسان، خصوصاً عندما تطال آثارها الفئات المدنية الأكثر هشاشة.

التنمية وحقوق الأقليات

وفي مداخلة أخرى، تناولت إحدى المنظمات تجربة تنموية في منطقة جنوب غربي الصين، مشيرة إلى تحسن الظروف الاقتصادية للمجتمعات المحلية من خلال سياسات تنمية الريف ودعم الصناعات المحلية، ولا سيما زراعة الشاي.

وقدمت المنظمة هذه التجربة باعتبارها نموذجاً لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال التنمية المحلية، وربطت بين تحسين الظروف الاقتصادية وتمكين المجتمعات المحلية من الاستفادة من فرص التنمية.

وأظهرت هذه المداخلات اتساع نطاق الحوار أمام اللجنة الاستشارية ليشمل، إلى جانب العنف الرقمي، قضايا التنمية والأقليات والنزاعات وحقوق الضحايا.

نحو استجابة دولية أكثر تنسيقاً

وخلصت اللجنة الاستشارية إلى أن مواجهة العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا تتطلب تعاوناً دولياً وإقليمياً يتجاوز الحدود الوطنية، خصوصاً في ما يتعلق بالأدلة الرقمية وملاحقة الجناة والشركات والمنصات الموجودة خارج الدولة التي وقع فيها الاعتداء.

وأكدت أهمية تعزيز التعاون بين السلطات المختصة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والقطاع التكنولوجي، إلى جانب تطوير قدرات الأجهزة المعنية بالتحقيق الرقمي والطب الشرعي الإلكتروني.

كما شددت على أن الاستجابة الفعالة يجب أن تجمع بين الوقاية والحماية والمساءلة وجبر الضرر، وألا تقتصر على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها.

وفي هذا السياق، أكدت اللجنة ضرورة إجراء تقييمات مستمرة لتأثير التكنولوجيا على حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والرقابة المستقلة، وإدماج مبادئ الخصوصية والسلامة منذ المراحل الأولى لتطوير التكنولوجيا، بما يحول دون تصميم أدوات أو منصات يمكن أن تسهم في زيادة مخاطر العنف أو التمييز.

وتبرز مناقشات الدورة أن التحول الرقمي لم يعد قضية تقنية منفصلة عن حقوق الإنسان، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالحق في الخصوصية والأمان والكرامة وحرية التعبير والمشاركة العامة والوصول إلى العدالة. ومع اتساع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة والمنصات الرقمية، تتزايد الحاجة إلى قواعد تضمن أن تظل التكنولوجيا أداة لتعزيز الحقوق، لا وسيلة جديدة للانتهاك.

وأكدت اللجنة في ختام الحوار أن الدول تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية حقوق الإنسان، وأن الاعتماد على الشركات الخاصة في تقديم الخدمات التكنولوجية لا يعفيها من هذه المسؤولية، بينما يتعين على الشركات احترام حقوق الإنسان وتوفير آليات فعالة لمعالجة الانتهاكات المرتبطة بمنتجاتها وخدماتها.

وبذلك خلص الحوار إلى أن مواجهة العنف الجنسي المرتبط بالتكنولوجيا تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية والتوعية، مروراً بالتشريعات وحماية الخصوصية وحفظ الأدلة الرقمية، وصولاً إلى المساءلة وجبر الضرر، مع ضمان أن تكون النساء والضحايا ومنظمات المجتمع المدني جزءاً أساسياً من صياغة السياسات التي تحدد مستقبل البيئة الرقمية.