حذّر الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي من استمرار الظاهرة باعتبارها انتهاكاً عالمياً لحقوق الإنسان، بعدما أحال خلال الفترة المشمولة بتقريره 1723 حالة جديدة إلى 36 دولة وهو أعلى عدد من الحالات التي أحالها خلال فترة إبلاغ سنوية في العقد الأخير، فيما تجاوز عدد الحالات النشطة التي لم تُحسم 50 ألف حالة في 99 دولة، وسط مخاوف من تأثير نقص الموارد والتأخر في الاستجابة على فرص الأسر في معرفة مصير ذويها والوصول إلى الحقيقة والعدالة.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الحوار التفاعلي مع الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، حيث عرضت رئيسة الفريق، غرازينا بارانوفسكا، التقرير السنوي للفريق والدراسة الموضوعية بشأن الاختفاء القسري وإحياء الذاكرة، إلى جانب تقرير المتابعة الخاص بأوروغواي، فيما شهدت الجلسة مداخلات من دول ومجموعات إقليمية ودولية تناولت النزاعات المسلحة، والاختفاءات المرتبطة بالأمن ومكافحة الإرهاب، والقمع العابر للحدود، وحقوق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والحصول على العدالة وجبر الضرر.
وقالت بارانوفسكا إن الاختفاء القسري لا ينتهي لحظة اقتياد الشخص من حماية القانون، وإنما يستمر أثره طالما بقي مصيره مجهولا وحُرمت أسرته من الإجابات والعدالة، مشيرة إلى أن أقارب المختفين يواصلون البحث عن أحبائهم رغم ما يتعرضون له في بعض الحالات من ترهيب ومضايقة وتجريم وأعمال انتقامية.
وأوضحت أن الفريق العامل تلقى خلال الفترة محل التقرير 1723 حالة جديدة من 36 دولة، بينما تمكن من توضيح مصير 374 حالة.. غير أن توضيح الحالة لا يعني بالضرورة عودة الشخص إلى أسرته، إذ توصل الفريق في نحو 60% من الحالات التي جرى توضيحها إلى أن الشخص المختفي قد توفي.
وتحمل هذه النتيجة، بحسب الفريق، دلالة إنسانية وقانونية شديدة الأهمية، إذ إن الوقت يمثل عاملا حاسما في قضايا الاختفاء القسري، وكلما تأخر البحث والتحقيق وتبادل المعلومات، تقلصت فرص الوصول إلى نتائج يمكن أن تمنح الأسر إجابة عن مصير ذويها.
ظاهرة تتجاوز الديكتاتوريات والنزاعات
وبعد 46 عاماً على إنشاء الفريق العامل، أكدت بارانوفسكا أن الاختفاء القسري لا يزال ظاهرة عالمية، رغم تغير السياقات التي يحدث فيها.
وأوضحت أن الفريق كان يتعامل عند تأسيسه عام 1980 بصورة رئيسية مع حالات مرتبطة بالديكتاتوريات العسكرية، بينما اتسعت اليوم السياقات لتشمل النزاعات المسلحة، وعمليات النقل غير القانوني عبر الحدود، والقمع العابر للحدود، والترحيل والإعادة التي قد تعرض الأشخاص لخطر الاختفاء القسري، فضلا عن استخدام أطر الأمن القومي ومكافحة الإرهاب لإخفاء مصير المحتجزين وأماكن وجودهم.
وأشار التقرير إلى مخاوف خاصة بشأن حالات الاختفاء في سياق الحرب في أوكرانيا، وفي غزة والسودان، إضافة إلى حالات مرتبطة بتعليق الضمانات الديمقراطية، من بينها ما أورده الفريق بشأن السلفادور ونيكاراغوا.
وأكدت رئيسة الفريق أن تغير الأساليب أو المبررات لا يغير جوهر الجريمة، والمتمثل في إخراج الإنسان من حماية القانون، وحجب الحقيقة عنه وعن أسرته، وخلق أثر رادع يهدف إلى إسكات الآخرين.

إحياء الذاكرة.. جزء من الحقيقة وليس بديلاً عن العدالة
وخصص الفريق العامل جانباً من عمله لدراسة العلاقة بين الاختفاء القسري وإحياء الذاكرة، معتبراً أن تخليد ذكرى المختفين يمثل شكلاً أساسياً من أشكال جبر الضرر وعنصراً من الحق في معرفة الحقيقة.
غير أن بارانوفسكا شددت على أن إحياء الذاكرة لا يمكن أن يحل محل التحقيق والمساءلة والعدالة، وإنما ينبغي أن يسير بالتوازي معها.
وأكدت ضرورة إشراك الضحايا وأسر المختفين والمجتمع المدني في تصميم مبادرات إحياء الذاكرة، وأن تستند هذه المبادرات إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتحافظ على كرامة الضحايا، وتواجه محاولات الإنكار أو تحريف الوقائع التاريخية.
وشددت خلال الملاحظات الختامية على أن البحث عن الأشخاص المختفين والتحقيق في مصيرهم وإحياء ذكراهم ليست مسارات متعارضة، بل عمليات متوازية؛ فإذا بدأ البحث، وجب أن يتبعه التحقيق، وإذا توصلت التحقيقات إلى نتائج، يصبح إحياء الذاكرة جزءاً من مسار الحقيقة وجبر الضرر.
كما أكدت أهمية الحفاظ على الأرشيف، ليس فقط بعد مرور عقود على وقوع الانتهاكات، وإنما منذ الأيام الأولى، مشيرة إلى أن رقمنة الأرشيف يمكن أن توفر نماذج عملية للحفاظ على الأدلة والذاكرة.
فلسطين.. آلاف المختفين ومصير مجهول
وحضر ملف الاختفاء القسري في الأرض الفلسطينية المحتلة بقوة خلال النقاش، حيث تحدثت فلسطين عن آلاف الفلسطينيين الذين قالت إنهم تعرضوا للاختفاء القسري، بينهم أطفال، مؤكدة أن الحجم الحقيقي للظاهرة لا يزال غير معروف.
وقالت فلسطين إن أسر المختفين تواجه نقصاً في المعلومات المتعلقة بأسماء المحتجزين وأماكن وجودهم ومصيرهم، مشيرة إلى حالات اقتياد أشخاص ثم إنكار احتجازهم، فضلاً عن أشخاص توفوا أثناء الاحتجاز وبقيت جثامينهم محتجزة.
كما أثارت مخاوف بشأن إزالة الأنقاض في غزة من مواقع قد تضم رفات بشرية، معتبرة أن تقييد الوصول إلى معدات الانتشال يعرض الأدلة والرفات للخطر.
ودعت فلسطين الدول إلى المطالبة بالكشف عن المعلومات، والسماح بالوصول الدولي، وحماية الأدلة والرفات، وإجراء تحقيقات مستقلة وصولاً إلى المساءلة.
وانضمت ماليزيا وتركيا وعدد من الدول إلى التعبير عن القلق بشأن حالات الاختفاء للفلسطينيين، ولا سيما الأطفال، بينما أشارت تركيا إلى ضرورة توضيح مصير جميع المختفين وإجراء تحقيقات شاملة ومحايدة ومساءلة المسؤولين.
وأكدت ماليزيا أن اختفاء الأطفال واحتجازهم لفترات طويلة دون اتهامات جنائية أو معلومات لأسرهم يمثل مصدر قلق بالغ، كما أثارت حالات اختفاء فلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الإنسانية.

أوكرانيا.. الأطفال في قلب الأزمة
وفي الجانب الآخر من النزاعات المسلحة، تناولت أوكرانيا، بالنيابة عن مجموعة من الدول، حالات اختفاء مرتبطة بالحرب، مع التركيز على أسرى الحرب والمدنيين والأطفال.
وأشارت إلى حالات احتجاز لا يتم الاعتراف بها أو يتم إخفاء المعلومات المتعلقة بها، إضافة إلى نقل أطفال أوكرانيين وترحيلهم قسراً وفصلهم عن أسرهم دون معلومات موثوقة عن مصيرهم أو أماكن وجودهم.
ودعت إلى تحديد مصير كل شخص مفقود، وخاصة الأطفال، وإعادتهم إلى أسرهم، بينما أشارت بولندا إلى أن أكثر من 7500 حالة تراكمت في سياق الغزو الروسي لأوكرانيا، مع تقارير عن اختفاء أطفال أوكرانيين بصورة واسعة ومنهجية.
وأثارت التشيك كذلك استمرار تسجيل حالات اختفاء قسري للمدنيين، بمن فيهم الأطفال، في المناطق المحتلة مؤقتاً، داعية روسيا إلى التعاون مع الفريق العامل.
أما سويسرا فأكدت أهمية حماية الأشخاص الذين يختفون في سياق النزاعات المسلحة، والحفاظ على الأرشيف، وطرحت تساؤلات حول سبل ضمان المشاركة الفعالة للضحايا وحماية مبادرات إحياء الذاكرة في فلسطين.
السودان.. أكثر من 15 ألف حالة
وحمل الموقف السوداني أمام المجلس اتهامات خطيرة بشأن حجم حالات الاختفاء القسري المرتبطة بالحرب.
وقال السودان إن عدد حالات الاختفاء القسري، وفقاً للجنة التحقيق، تجاوز 15 ألف حالة متهما الميليشيات المتمردة باستخدام الاختفاء القسري كسياسة لإذلال المجتمع وبث الرعب.
وأشار إلى استهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب النساء والفتيات، وقال إن بعضهن تعرضن للاختفاء القسري بهدف إخضاعهن للتعذيب والعنف الجنسي وغير ذلك من المعاملة اللاإنسانية.
كما تحدث السودان عن احتجاز آلاف النساء والفتيات، خاصة في الفاشر ومناطق أخرى، دون توفير ظروف ملائمة، في ظل عدم تلقي الأسر معلومات عن مصير أقاربها.
ودعا الحكومة السودانية الفريق العامل ومجلس حقوق الإنسان إلى الضغط من أجل الإفراج عن المحتجزين، واحترام الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتعاون مع الفريق.
وأكدت دولة جنوب السودان بدورها أهمية استمرار التعاون مع الفريق العامل، خاصة في ظل القيود المالية التي تواجه آليات حقوق الإنسان، داعية إلى تعزيز المساعدة التقنية وبناء القدرات لمساعدة الدول على تطوير آليات البحث عن المختفين ودعم أسرهم.
مصر.. تعاون مع الفريق وتحفظ على بعض البلاغات
وفي مداخلتها أمام المجلس، رحّبت مصر بالفريق العامل وأكدت أهمية ولايته، مشيرة إلى التزامها بالانخراط البناء والجدي معه، وتقديم ردود منتظمة على البلاغات التي يوجهها إليها.
وفي الوقت ذاته، أثارت القاهرة ما وصفته بإساءة استخدام بعض الأطراف لآليات الفريق العامل لأغراض سياسية، من خلال تقديم ادعاءات بشأن حالات قالت إنها غير موجودة.
وأوضحت أن بعض الحالات تتعلق بأشخاص لم يتم القبض عليهم، فيما يرتبط بعضها الآخر بأشخاص محتجزين في قضايا جنائية أو خاضعين لإجراءات أمام النيابة.
ودعت مصر الفريق العامل إلى التحقق من الشكاوى ومدى اتساقها مع ولايته، وإعادة النظر في الحالات التي ظلت مدرجة لفترات طويلة دون معلومات يمكن التحقق منها، مؤكدة استمرار التعاون والانخراط مع الفريق وفقا لولايته.
ويعكس الموقف المصري جانباً من النقاش الذي دار داخل المجلس بشأن طبيعة المعلومات التي تعتمد عليها الآليات الخاصة، ومدى ضرورة التحقق من مصادرها قبل إدراج الحالات أو إصدار الملاحظات.
دول تطالب بالتعاون والمساءلة
وأكدت المجموعة الإفريقية، التي تحدثت باسمها كينيا، أن الاختفاء القسري يترك آثاراً عميقة على الضحايا وأسرهم والمجتمعات، وأن جهود مواجهته يجب أن تضع الضحايا والأسر في صميمها، مع ضمان الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.
وشددت المجموعة على أهمية التعاون التقني وبناء القدرات لمساعدة الدول على تطوير التشريعات والأطر المؤسسية، مع مراعاة خصوصية كل سياق وطني.
وفي أمريكا اللاتينية، عرضت المكسيك تجربة قالت إنها أسفرت بين عامي 2023 و2026 عن تحديد هوية أكثر من 22 ألف شخص كانوا يعتبرون في السابق من المختفين، بينما تحدثت غامبيا عن 14 حالة معروضة أمام الفريق العامل، تم تحديد مصير 12 منها، فيما لا تزال حالتان قيد المراجعة.
كما أشارت أذربيجان إلى وجود نحو 4 آلاف مواطن مفقود، مع تحديد هوية 32 قبرا، مؤكدة أن البحث عن المفقودين يمثل قضية إنسانية ووسيلة لتعزيز المصالحة وبناء الثقة بين الدول.
وفي كرواتيا، لا يزال البحث جاريا عن 1725 شخصا مفقودا نتيجة الحرب في تسعينيات القرن الماضي، مع استمرار الاعتماد على التحقيقات الجنائية والطب الشرعي والحمض النووي والأرشيف.
أزمة التمويل تهدد قدرة الفريق
ولم يقتصر النقاش على حجم الحالات، إذ حذر الفريق العامل من تأثير أزمة السيولة في الأمم المتحدة على قدرته على الاستجابة.
وأوضح أن الفريق لديه أكثر من 50 ألف حالة قيد النظر النشط، إلى جانب أكثر من 8 آلاف حالة تنتظر التسجيل أو المراجعة أو المعالجة.
وأشار إلى أن الأزمة المالية أدت إلى عدم تمكنه من إجراء زيارات قطرية خلال الفترة المشمولة بالتقرير، رغم وجود دعوات من دول مختلفة، مؤكدا أن عدم تنفيذ تلك الزيارات لم يكن نتيجة غياب التعاون من الدول أو عدم رغبة الفريق، وإنما بسبب أزمة السيولة التي أثرت بصورة خاصة على منظومة الإجراءات الخاصة.
وحذّرت بارانوفسكا من أن تراكم الملفات لا يمثل مجرد أرقام أو أوراق، لأن كل ملف يرتبط بأسرة تنتظر إجابة، وفي بعض الحالات يكون الفريق العامل الآلية الدولية الوحيدة المتاحة أمامها.
وأكدت أن التأخر في التعامل مع البلاغات قد يعني ضياع فرصة للتدخل في مرحلة يكون فيها التحرك الوطني العاجل أكثر قدرة على إحداث فرق.
أربعة مسارات لدعم الفريق العامل
وفي ردها على مداخلات الدول، حددت رئيسة الفريق العامل أربعة مسارات يمكن للحكومات من خلالها دعم عمله، تبدأ بالرد على البلاغات والانخراط المباشر والاجتماع بالفريق، ثم الضغط على الدول التي لا تستجيب لطلباته، وتوفير الدعم المالي، إلى جانب معالجة الأزمة الأوسع التي تواجه منظومة الإجراءات الخاصة.
وأكدت أهمية التعاون التقني، شريطة أن يكون مصمما وفقا للاحتياجات الفعلية للدول، وأن يقود إلى تغيير ملموس في التشريعات أو المؤسسات أو الممارسات.
وأشارت إلى التعاون مع كينيا وبيرو، موضحة أن الحوار التقني يمكن أن يؤدي إلى نتائج عملية، ومن بينها مراجعة القوانين أو تغيير الإجراءات التي قد تؤثر في منع الاختفاء القسري.
كما دعت الدول إلى التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الاختفاء القسري في التشريعات الوطنية، ووضع ضمانات قوية بشأن الاحتجاز، وضمان حصول الضحايا وأسرهم على سبل الجبر وإحياء الذاكرة.
الأسر.. الإجابة التي لا تصل
وفي ختام الحوار، أعادت بارانوفسكا النقاش إلى جوهر القضية: الأسر التي تنتظر معرفة مصير أحبائها.
وقالت إن الفريق العامل يمثل قناة اتصال بين الأسر والدول، ولذلك يحتاج إلى إجابات من الدول حتى يتمكن من إعادة هذه الإجابات إلى الأسر.
وأشارت إلى تواصل الفريق مع أسر في أوكرانيا وغزة وباكستان، لافتة إلى أن هذه الأسر تعيش يوميا مع ألم الانتظار وتحاول معرفة ما حدث لأحبائها.
وبذلك، يضع الحوار أمام مجلس حقوق الإنسان معادلة واضحة: الاختفاء القسري لا يتعلق فقط بشخص غاب، وإنما بأسرة عالقة بين الأمل والخوف، وحق في الحقيقة لا يسقط بمرور الوقت، وواجب قانوني على الدول في البحث والتحقيق والمساءلة.
ومع تجاوز الحالات النشطة 50 ألفا في 99 دولة، وبقاء آلاف الملفات في انتظار التسجيل أو المراجعة، يواجه المجتمع الدولي اختبارا يتجاوز إصدار البيانات والإدانات؛ إذ يتطلب توفير الموارد الكافية للآليات الدولية، وضمان تعاون الدول، وحماية الضحايا وأسرهم من الانتقام، والحفاظ على الأدلة والأرشيف، وإبقاء الحقيقة والعدالة وجبر الضرر في قلب أي استجابة.
فالاختفاء يبدأ بإخراج إنسان من حماية القانون، لكنه لا ينتهي عند ذلك؛ إذ يترك وراءه أسرة تبحث عن اسم، ومكان، وخبر، وإجابة قد تتأخر سنوات، بينما يبقى حقها في معرفة الحقيقة قائماً.
