منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حوار تفاعلي حول الكلفة الإنسانية للعقوبات

التدابير القسرية الأحادية تحت مجهر حقوق الإنسان

09 سبتمبر 2026
من فعاليات جلسة مجلس حقوق الانسان الدورة 63
من فعاليات جلسة مجلس حقوق الانسان الدورة 63

تصاعدت خلال العقود الماضية حدة الجدل الدولي حول التدابير القسرية الأحادية، في ظل اتساع نطاق استخدامها وتزايد المخاوف من آثارها المباشرة وغير المباشرة على حقوق الإنسان، ولا سيما في الدول النامية والفئات الأكثر هشاشة.

وبينما ترى بعض الدول التي تفرض هذه التدابير أنها أدوات مشروعة للضغط السياسي، أو وسيلة للمساءلة والردع وتغيير سلوك الحكومات أو الجهات المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي، تؤكد دول أخرى أن آثارها تتجاوز في كثير من الأحيان الأهداف المعلنة لتطال السكان المدنيين والقطاعات الحيوية والاقتصادات الوطنية، بل وتمتد إلى دول ثالثة ومؤسسات وشركات لا علاقة مباشرة لها بالنزاعات السياسية التي أدت إلى فرضها.

وجاء هذا النقاش ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة حالياً في جنيف، خلال جلسة بعنوان «الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالأثر السلبي للتدابير القسرية الانفرادية في التمتع بحقوق الإنسان»، بمشاركة المقررة الخاصة الجديدة السيدة زينا جلالات، إلى جانب عدد كبير من الدول والمنظمات غير الحكومية.

وشكلت الجلسة أول حوار تفاعلي للمقررة الجديدة مع المجلس، حيث عرضت رؤيتها للولاية وأولويات عملها، كما استمعت إلى مداخلات الدول والمجتمع المدني بشأن التداعيات الإنسانية والاقتصادية والقانونية لهذه التدابير، مع تركيز لافت على الحالة الكوبية وتقرير الزيارة القطرية السابقة إلى كوبا.

وأكدت جلالات، في مستهل مداخلتها، أن جوهر الولاية التي تتولاها يتمثل في حماية «الأشخاص العاديين» الذين لا يمتلكون قوة سياسية ولا يتحملون مسؤولية القرارات السيادية لحكوماتهم، لكنهم يتحملون في نهاية المطاف الكلفة البشرية للصراعات والنزاعات بين الدول.

وأشارت إلى أن العالم شهد على مدى نحو ستة عقود تعدداً متزايداً في التدابير القسرية الأحادية، وأن آثارها لم تقتصر بالضرورة على الجهات التي استهدفتها تلك الإجراءات في الأصل، بل امتدت إلى مجتمعات بأكملها، وخاصة الفقراء والنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بأمراض مزمنة.

وقالت المقررة الخاصة إن الولاية السابقة أرست، على مدى أكثر من عقد، أساساً موضوعياً لحماية حقوق الأشخاص المتأثرين بالتدابير القسرية، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، ومن أبرزها الامتداد خارج الحدود الإقليمية للعقوبات، وظاهرة «الامتثال المفرط» من جانب المؤسسات والشركات، إضافة إلى عدم توافر سبل فعالة لجبر الضرر وتعويض المتضررين.

وشددت على أن المرحلة الحالية تمثل لحظة حاسمة بالنسبة للنظام متعدد الأطراف، في وقت تتعرض فيه القواعد القانونية التي تحكم منظومة الجزاءات الدولية لاختبارات وضغوط متزايدة.

وطرحت جلالات مقاربة قائمة على حقوق الإنسان باعتبارها الإطار الأساسي لعملها خلال المرحلة المقبلة. وأوضحت أن هذه المقاربة ستنطلق من عالمية حقوق الإنسان ومن الواقع المعيشي للسكان المتضررين، مع التركيز على سبل إنتاج الضرر، والوقاية منه، وضمان الوصول إلى العدالة والجبر الفعال والمساءلة.

كما أكدت أن حماية حقوق الإنسان لا ينبغي أن تبقى نقاشاً قانونياً مجرداً، وإنما يجب أن تنعكس على الحياة اليومية للناس، بما في ذلك الحصول على الغذاء والدواء والرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية.

وأشارت المقررة إلى أنها ستوسع نطاق بحثها ليشمل قطاعات متعددة تتأثر بالتدابير القسرية، من بينها العمل الإنساني، والصحة، والتعليم، والوصول إلى المعلومات، والتعاون العلمي، والبنية التحتية الرقمية، والتكنولوجيا، والقطاع المالي، والتنمية، والأصول السيادية، والقدرة على مواجهة تغير المناخ، والموارد الطبيعية، والاستجابة للكوارث، والهجرة القسرية، ومؤسسات القضاء، والتعاون متعدد الأطراف. كما تعهدت بالنظر في الحالات التي تؤثر فيها العقوبات على دول ثالثة أو أفراد ومجتمعات غير مستهدفة، إضافة إلى أنماط الإكراه الاقتصادي التي لا تخضع، بحسب رأيها، للتدقيق الكافي.

وكانت قضية الإعفاءات الإنسانية والامتثال المفرط من أبرز المحاور التي تناولتها جلالات. وأكدت أن العمل الإنساني ينبغي أن يستمر في الوصول إلى المحتاجين، مشيرة إلى أن الإعفاءات الموجودة «على الورق» قد تفشل عملياً خلال الأزمات، بسبب المخاوف التي تنتاب المؤسسات المالية والشركات والجهات العاملة في المجال الإنساني من التعرض للعقوبات.

ودعت إلى تعزيز التواصل بين المنظمات الإنسانية والمؤسسات المالية وسلطات الترخيص لضمان وصول المساعدات في حالات الطوارئ، معتبرة أن الإعفاءات الإنسانية الدائمة التي أقرها مجلس الأمن ينبغي أن تجد ما يماثلها في الممارسات الأحادية.

كما سلطت الضوء على الصلة بين التدابير القسرية وحق الشعوب في التنمية وتقرير المصير، موضحة أن الإجراءات طويلة الأمد يمكن أن تؤدي إلى تراكم الديون وإضعاف الاقتصاد وتقويض قدرة الدول على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولفتت إلى أن آثار هذه الإجراءات لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل قد تحد من قدرة المجتمعات على تحديد أولوياتها التنموية بصورة مستقلة.

ومن الملفات الجديدة التي أعلنت المقررة عزمها دراستها مسألة الوصول إلى التكنولوجيا المتطورة، بما في ذلك أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والاتصالات الرقمية والبنية التحتية المرتبطة بها.

وترى جلالات أن القيود المفروضة على هذه المجالات يمكن أن تؤثر في قدرة المجتمعات على الوصول إلى الأدوات الحديثة اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما قد تولد آثاراً غير مباشرة لا تخضع دائماً لتقييم كافٍ من منظور حقوق الإنسان.

واحتلت كوبا مساحة واسعة من الحوار، في ضوء تقرير الزيارة القطرية التي أجرتها المقررة السابقة ألينا دوهان إلى البلاد عام 2025.

وأوضحت جلالات أن التقرير خلص إلى أن استمرار التدابير القسرية على مدى ستة عقود، إلى جانب سياسات تقليل المخاطر والامتثال المفرط، خلف تداعيات واسعة على الشعب الكوبي، خصوصاً الفئات الأشد ضعفاً.
وشملت الآثار، وفق ما ورد في التقرير والمداخلات، الغذاء والصحة والتعليم والتعاون الدولي والمساعدة الإنسانية والخدمات العامة والبنية التحتية، بما فيها الكهرباء والمياه والإسكان والنقل.

وأثارت كوبا خلال الجلسة دعوة صريحة إلى رفع أو تعليق التدابير المفروضة عليها. واتهم مندوبها الولايات المتحدة باستخدام الحصار الاقتصادي والمالي والتجاري بما يلحق أضراراً مباشرة بحقوق الشعب الكوبي، ومنها الحق في الغذاء والصحة والتنمية والحياة.

وانتقد ما وصفه بالجزاءات الثانوية التي تطال دولاً ثالثة وشركات ومؤسسات بسبب تعاملها مع كوبا، معتبراً أن هذه الممارسات تؤدي إلى تعطيل وصول الغذاء والأدوية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

في المقابل، قدم الاتحاد الأوروبي وكندا رؤية مختلفة جزئياً، إذ أكدا أن بعض التدابير الأحادية يمكن أن تكون، من وجهة نظرهما، متوافقة مع القانون الدولي، وأنها قد تستخدم كأدوات للمساءلة والردع وحماية المدنيين.
وأشار الاتحاد الأوروبي إلى استخدام العقوبات ضد أفراد متهمين بارتكاب انتهاكات، في حين أكدت كندا أن إجراءاتها تستهدف تغيير سلوك المسؤولين وليس معاقبة الشعوب، وأنها تتضمن ضمانات إنسانية لإيصال الغذاء والدواء والمساعدات، كما يمكن رفعها أو تعديلها عند تغير الظروف.

غير أن غالبية الدول التي أخذت الكلمة خلال الحوار شددت على الجانب الإنساني والحقوقي للتدابير القسرية. فقد أكدت حركة عدم الانحياز، التي تحدثت باسمها أوغندا، رفضها لهذه التدابير، ودعت إلى إنهاء الحصار المفروض على كوبا.

وأعلنت الحركة نيتها طرح قرار لتمديد ولاية المقررة الخاصة ثلاث سنوات إضافية. وأكدت المجموعة الإفريقية، عبر كينيا، أن التدابير القسرية والامتثال المفرط يمكن أن تكون لهما آثار مدمرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى الأمن الغذائي والصحة والتعليم والتنمية.

وتوالت المواقف الإفريقية المؤيدة لهذا الطرح من دول عدة، بينها رواندا وجنوب أفريقيا وموزمبيق وأنغولا وملاوي وغانا وزيمبابوي وناميبيا وإريتريا وزامبيا. وركزت هذه المداخلات على أن آثار العقوبات لا تقع بصورة متساوية على جميع أفراد المجتمع، وإنما تصيب بدرجة أكبر الفقراء والفئات الهشة.

وشددت على تأثير القيود المالية والتجارية في قدرة الدول النامية على الوصول إلى التمويل والاستثمار والتكنولوجيا والمساعدات الدولية، وعلى ما يمكن أن تسببه من ارتفاع في أسعار الغذاء وتراجع في الخدمات الصحية وفرص التنمية.

وأبدت دول آسيوية وأمريكية لاتينية الموقف نفسه. فقد أكدت إيران أن التدابير القسرية الاقتصادية تمثل جزءاً من ضغوط أوسع تمس السيادة وحق الشعوب في تقرير المصير، بينما دعت فنزويلا إلى معالجة الخلافات بين الدول عبر الحوار والتعاون. وجددت إندونيسيا دعوتها إلى وقف الحصار على كوبا، فيما ركزت سريلانكا على تأثير العقوبات في قطاعات الطاقة والغذاء والزراعة والصحة، ولا سيما الحصول على الأدوية واللقاحات والمعدات الطبية خلال الطوارئ.

كما دعت المكسيك إلى مواصلة تقديم الدعم الإنساني للشعب الكوبي، مشيرة إلى مساعدات قالت إنها قدمتها منذ فبراير 2026، شملت الغذاء والأدوية والمعدات الطبية والكهربائية ومواد متصلة بالمياه. أما البرازيل فأكدت أن التدابير الأحادية تؤدي إلى تآكل النظام متعدد الأطراف والتعاون الدولي، ولا سيما في مجال المساعدات الإنسانية، بينما شددت أوروغواي على ضرورة ضمان أن تعمل الإعفاءات الإنسانية بصورة فعالة في الواقع وليس فقط من الناحية النظرية.

وفي السياق ذاته، تناول عدد من الوفود الآثار العابرة للحدود. فقد أشارت جنوب أفريقيا إلى تأثير التدابير التجارية والاقتصادية في علاقاتها التجارية، بينما دعت ناميبيا ورواندا وإريتريا إلى دراسة انعكاسات الامتثال المفرط وتطبيق العقوبات خارج الحدود الإقليمية على الدول الثالثة والمؤسسات المالية والشركات.

وبرزت هنا فكرة أساسية في النقاش، وهي أن العقوبة قد لا تحتاج إلى أن تستهدف دولة أو شعباً بصورة مباشرة حتى يكون لها أثر حقوقي عليهم؛ إذ قد يؤدي خوف البنوك والشركات والمؤسسات من التعرض للعقوبات إلى الامتناع عن التعامل مع الدولة المتضررة، حتى في المجالات التي يفترض أن تكون مستثناة إنسانياً.

وأثارت دولة فلسطين بدورها مسألة الحصار والقيود على المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، مطالبة بآليات تحمي الفئات الأكثر ضعفاً من الآثار السلبية للتدابير القسرية. كما أشارت مداخلات أخرى إلى ضرورة عدم استخدام القيود الاقتصادية والمالية بطريقة تزيد من معاناة المدنيين في مناطق النزاع، بما يعكس اتساع النقاش من العقوبات التقليدية إلى مجموعة أوسع من التدابير التي يمكن أن تؤثر في الحقوق الأساسية.

وفي ختام الحوار، أكدت المقررة الخاصة زينا جلالات أن المداخلات التي قدمتها الدول ومنظمات المجتمع المدني ستكون جزءاً مهماً من عملها في المرحلة المقبلة. وأعادت التأكيد على أن «الكلفة البشرية» يجب أن تكون في صميم تقييم أي تدابير قسرية، وأن الأشخاص الذين لا علاقة لهم بصنع القرارات السياسية هم الذين يتحملون غالباً النتائج الأكثر قسوة.

وشددت على أن أصوات الأفراد والمجتمعات المتضررة يجب أن تكون أساساً لعمل الولاية، وأن توثيق الأضرار الإنسانية والحقوقية يمثل أولوية.

وأوضحت جلالات أنها ستستخدم مختلف الآليات المتاحة لها، وستعتمد سياسة الباب المفتوح للتواصل مع الدول والمؤسسات والمجتمعات المتضررة، مع إيلاء اهتمام خاص للامتثال المفرط والتدابير ذات الآثار العابرة للحدود، وكذلك للآثار التراكمية وطويلة الأمد على التنمية والقدرة على تحمل الديون.

وأكدت أنها ستولي اهتماماً خاصاً للحق الجماعي في تقرير المصير ولقدرة الشعوب على اختيار مساراتها التنموية بعيداً عن الإكراه الخارجي.

ويكشف الحوار التفاعلي أن الخلاف الدولي حول التدابير القسرية الأحادية لا يزال عميقاً، خصوصاً بشأن مشروعيتها القانونية وأهدافها السياسية، إلا أن مساحة واسعة من النقاش تركزت على نقطة تكاد تحظى بإجماع إنساني: ضرورة حماية المدنيين وضمان عدم تحول العقوبات أو القيود الاقتصادية إلى وسيلة تؤدي إلى حرمان السكان من الغذاء والدواء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

وفي ظل اتساع استخدام التدابير الأحادية وتعقد الاقتصاد العالمي وتشابك النظام المالي والتجاري، تبدو قضية الامتثال المفرط والآثار العابرة للحدود من أكثر الملفات إلحاحاً أمام الولاية الجديدة.

وبذلك تضع جلالات أمام مجلس حقوق الإنسان أجندة واسعة تتجاوز مجرد الدعوة إلى رفع العقوبات، لتشمل بناء قاعدة أدلة أكثر صلابة، والاستماع إلى المجتمعات المتضررة، وتطوير آليات فعالة للإعفاءات الإنسانية، ومساءلة الجهات المتسببة في الأضرار، وضمان سبل الانتصاف والجبر.

وفي الوقت الذي تتباين فيه مواقف الدول بشأن قانونية التدابير القسرية وأهدافها، فإن مستقبل هذا الملف سيظل مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد توازن بين اعتبارات السياسة الخارجية وحماية حقوق الإنسان، وعلى ضمان ألا تتحول الخلافات بين الحكومات إلى كلفة إنسانية يدفعها أشخاص لا يملكون القدرة على التأثير في تلك القرارات.