منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الإعلان يعرف جمهوره.. حقوق المستهلك المصري في سوق رقمي شديد الاستهداف

03 سبتمبر 2026
حماية المستهلك في مصر تبدأ قبل الضغط على زر الشراء
حماية المستهلك في مصر تبدأ قبل الضغط على زر الشراء

قد لا يرى مستخدمان للمنصة نفسها الإعلان ذاته، حتى وإن فتحا هواتفهما في اللحظة نفسها، فالإعلان الرقمي لا ينتظر المستهلك في واجهة متجر، وإنما يستطيع الوصول إليه استنادا إلى بيانات واهتمامات وأنماط استخدام تساعد على اختيار الجمهور المرجح أن يتفاعل معه.

وهذه القدرة تمنح الإعلان قوة لم تكن متاحة بالصورة نفسها في الوسائل التقليدية، لكنها تجعل المعلومة المضللة أكثر خطورة أيضا، خصوصا عندما تتعلق بمنتج صحي أو خدمة مالية أو فرصة عمل وتصل مباشرة إلى فئات يرجح تأثرها بها.

98.2 مليون مستخدم للإنترنت في مصر

بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر 98.2 مليون مستخدم في أكتوبر 2025، بما يعادل 82.7% من السكان، فيما قدر عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بنحو 51.6 مليون هوية، بحسب تقرير Digital 2026 الصادر عن DataReportal.

وتشير أدوات التخطيط الإعلاني إلى قدرة المعلنين على الوصول إلى عشرات الملايين عبر المنصات الرقمية، وهو ما يمنح الإعلان الإلكتروني قدرة كبيرة على الانتشار، لكنه يوسع في المقابل نطاق الضرر المحتمل عندما تكون المعلومات المقدمة للمستهلك كاذبة أو ناقصة أو مصممة لدفعه إلى قرار لم يكن ليتخذه لو امتلك المعلومات الصحيحة.

وهنا تختلف المشكلة الرقمية عن الإعلان التقليدي.. ليس حجم الجمهور وحده هو المهم، بل القدرة على اختيار من يرى الإعلان.

الإعلان لا يصل للجميع بالطريقة نفسها

أظهرت دراسة قدمت في مؤتمر USENIX Security عام 2023، وحللت أكثر من 32 ألف إعلان على فيسبوك، أن كبار السن وبعض مجموعات الأقليات كانوا أكثر احتمالا للتعرض لفئات من الإعلانات التي صنفتها الدراسة باعتبارها إشكالية.

والأكثر أهمية أن الباحثين وجدوا أن 22% من الإعلانات الإشكالية لم تتضمن استهدافا محددا من جانب المعلن، ما دفعهم إلى الاستنتاج بأن خوارزميات توزيع الإعلانات في المنصة نفسها أدت دورا مهما في التفاوت بين الفئات التي تعرضت لها.

والدراسة ليست خاصة بمصر، لكنها تكشف جانبا من المشكلة التي تثيرها تقنيات الاستهداف الإعلاني أينما استخدمت، وهذا البعد يغير طبيعة حماية المستهلك. فالمسألة لم تعد فقط ماذا يقول الإعلان؟، وإنما أيضا كيف وصل إلى هذا الشخص تحديدا؟

القانون يصل للفضاء الرقمي

يوفر قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لسنة 2018 إطارا لحماية المستهلك من الممارسات التجارية المضللة، ولا تقف الحماية عند المتاجر التقليدية.

وقد حذر جهاز حماية المستهلك نفسه من الإعلانات الوهمية والمضللة عبر الإنترنت ومن التعامل مع الصفحات الإلكترونية المجهولة، مؤكدا ضرورة التزام التجار والموردين بأحكام قانون حماية المستهلك.

وتصبح أهمية هذه الحماية أكبر عندما يؤدي الإعلان المضلل إلى خسارة مالية أو شراء منتج غير مطابق لما أعلن عنه، أو عندما يتعلق بسلع وخدمات يمكن أن تمس صحة الإنسان وسلامته.

التضليل لا يسرق المال وحده

يقول الدكتور وائل نجم، المحامي بالنقض، إن الإعلانات المضللة عبر المنصات الرقمية تجاوزت مفهوم الخداع التجاري التقليدي، لما يمكن أن يترتب عليها من مساس بحقوق المستهلك وأمنه المالي، وفي بعض الحالات بصحته.

ويوضح نجم، في حديثه لـ«صفر»، أن حماية المستهلك ترتبط بحقه في المعرفة والحصول على معلومات صحيحة تمكّنه من اتخاذ قراره، وأن تقديم معلومات مغلوطة أو حجب بيانات جوهرية عن السلعة أو الخدمة يمكن أن يفسد الاختيار الذي بني عليه قرار الشراء.

وتكمن خطورة التضليل هنا في أن المستهلك قد يبدو وكأنه اتخذ قراره بإرادته، بينما كانت المعلومات التي بنى عليها ذلك القرار ناقصة أو غير صحيحة.

من المسؤول عن الإعلان؟

تزداد المسألة تعقيدا عندما لا يأتي الإعلان من شركة بصورة مباشرة، وإنما من مؤثر يقدمه ضمن محتوى يبدو شخصيا، أو عندما تستخدم منصة رقمية خوارزمياتها لإيصاله إلى جمهور بعينه.

ويرى نجم أن المسؤولية القانونية يمكن أن تطول المعلن، كما يمكن أن تثار مسؤولية المؤثر بحسب طبيعة المحتوى وما إذا أخفى صفته التجارية أو قدم ادعاءات مخالفة للحقيقة.

أما مسؤولية المنصات فتحتاج إلى التمييز بين الأنظمة القانونية المختلفة ولا يمكن افتراض قيامها تلقائيا لمجرد ظهور إعلان مخالف.

وتقدم التجربة الأوروبية نموذجا متقدما في هذا المجال، فقانون الخدمات الرقمية يفرض التزامات على المنصات، وتستطيع المفوضية الأوروبية في حالات عدم الامتثال فرض غرامات على المنصات الكبرى تصل إلى 6% من حجم أعمالها السنوي العالمي.

ولا يعني ذلك إمكانية نقل النموذج الأوروبي بحذافيره إلى مصر، لكنه يوضح التحول من التعامل مع المنصة باعتبارها مجرد مساحة لعرض المحتوى إلى إخضاعها لالتزامات تتناسب مع الدور الذي تؤديه في البيئة الرقمية.

صعوبة تطبيق قواعد الإعلان القديم

كان بالإمكان في الإعلان التقليدي تحديد المعلن والرسالة والجمهور بصورة أكثر وضوحا. أما الإعلان الرقمي فتتداخل في إنتاج أثره أطراف متعددة: المعلن، والمؤثر أحيانا، والمنصة، وأنظمة الاستهداف والخوارزميات التي تقرر لمن يظهر المحتوى.

ولهذا فإن إثبات وجود إعلان مضلل لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة القانونية. فقد يصبح ضروريا معرفة الجهة التي صنعت المحتوى ومن دفع ثمن الإعلان وما المعلومات التي استخدمت لاستهداف الجمهور وما إذا كانت المنصة على علم بالمخالفة وما الإجراءات التي اتخذتها بعد اكتشافها.

ومن هنا لا يكفي نقل قواعد حماية المستهلك القديمة إلى شاشة الهاتف، بل تحتاج الرقابة إلى فهم الطريق الرقمي الذي قطعه الإعلان حتى وصل إلى المستهلك.

الحماية قبل الشراء

تبدأ الحماية قبل الضغط على زر الشراء، فإظهار الطبيعة التجارية للمحتوى، ومنع الادعاءات المضللة، والتحقق بصورة أشد من إعلانات المنتجات والخدمات عالية المخاطر، وتوفير وسائل سريعة للإبلاغ وإزالة المحتوى المخالف، كلها أدوات تقلل الضرر قبل وقوعه.

لكن الإعلان الرقمي أضاف إلى معادلة حماية المستهلك طرفا لم يكن ظاهرا بالقدر نفسه سابقا: النظام الذي يقرر من سيرى الإعلان أصلا.

وهنا يصبح الاختبار الحقيقي للقانون ليس فقط قدرته على معاقبة من كذب في إعلان، بل قدرته على حماية المستهلك في سوق تعرف فيه التقنيات الكثير عن الشخص الذي ستخاطبه، بينما قد لا يعرف هو بالقدر نفسه حقيقة ما تعرضه عليه.