منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جحيم صيف تونس.. انقطاع الكهرباء يحوّل موجات الحر إلى أزمة حقوقية

03 سبتمبر 2026
تونس.. انقطاع الكهرباء يتحول إلى أزمة حقوقية
تونس.. انقطاع الكهرباء يتحول إلى أزمة حقوقية

لم يعد انقطاع الكهرباء في تونس خلال فصل الصيف مجرد مشكلة تقنية مرتبطة بقدرة الشبكة على تلبية الطلب، بل أصبح أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين، خصوصا الفئات الأكثر هشاشة التي تجد نفسها في مواجهة درجات حرارة مرتفعة من دون وسائل كافية للتبريد أو الحماية.

في الأحياء الشعبية والمناطق ذات القدرة الشرائية المحدودة، يتحول غياب التيار الكهربائي إلى تجربة قاسية تتجاوز فقدان الإنارة، إذ تتوقف المراوح وأجهزة التبريد، تتعطل وسائل حفظ الغذاء، وتصبح ساعات الليل اختبارا صعبا للأطفال وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى بيئة أكثر أمانا.

وتقول الخبيرة في السياسات البيئية والمناخية إن انقطاع الكهرباء في ذروة الصيف لم يعد مجرد عطل تقني، بل أصبح مؤشرا على تفاوت قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، موضحة أن هناك من يستطيع البحث عن بدائل مؤقتة، بينما تبقى أسر أخرى محاصرة داخل منازل تفتقر إلى التهوية والحماية من الحرارة.

قالت ريم بن خليفة، لـ”صفر” ، إن الأزمة تكشف علاقة مباشرة بين الطاقة والمناخ والعدالة الاجتماعية، فارتفاع درجات الحرارة يزيد الطلب على الكهرباء بسبب الحاجة إلى التبريد، بينما تتعرض الشبكات لضغوط أكبر، ما يخلق دائرة تزيد فيها موجات الحر من هشاشة منظومة الطاقة.

وأوضحت أن الكهرباء لم تعد خدمة رفاهية، بل أصبحت مرتبطة بحقوق أساسية تشمل الصحة، والحصول على المياه، وحفظ الغذاء، والتعليم، والعمل، والوصول إلى الخدمات الرقمية.

وأضافت أن التعامل مع الأزمة باعتبارها مشكلة تقنية فقط لا يكفي، لأن السؤال الأوسع يتعلق بقدرة الدولة على بناء منظومة طاقة قادرة على مواجهة تغير المناخ وحماية الفئات الأكثر تعرضا للخطر.

فجوة بين الطلب والقدرة

واجهت تونس خلال صيف 2026 فجوة بين الطلب المتزايد على الكهرباء والقدرات المتاحة للإنتاج، فقد بلغ الطلب على الشبكة الوطنية نحو 6000 ميغاواط، في حين لم تتجاوز القدرة الإنتاجية المتاحة فعليا 4400 ميغاواط، ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اعتماد القطع الدوري لتجنب انهيار الشبكة.

ولا تقف الأزمة عند حدود التشغيل، إذ تكشف المؤشرات الاقتصادية عن ضغط متزايد على قطاع الطاقة، حيث بلغ عجز الطاقة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 6.779 مليار دينار تونسي، بما يمثل نحو 54% من إجمالي العجز التجاري للبلاد.

لا يتوزع أثر انقطاع الكهرباء بالتساوي بين المواطنين، فالأسر القادرة ماليا تستطيع البحث عن بدائل مثل أجهزة التبريد الاحتياطية أو الانتقال المؤقت إلى أماكن أكثر ملاءمة، بينما تواجه الأسر محدودة الدخل خيارات أقل.

وتوضح بن خليفة أن الأطفال وكبار السن والمرضى هم الأكثر تأثرا، لأن الحرارة المرتفعة مع غياب التبريد قد تتحول إلى خطر صحي مباشر، خصوصا داخل المنازل الضيقة أو ضعيفة التهوية.

كما تؤثر الانقطاعات على أصحاب المهن الصغيرة الذين يعتمدون على الكهرباء في عملهم، وعلى الأسر التي تتعرض لخسائر بسبب تلف المواد الغذائية أو تعطل بعض الخدمات الأساسية.

تحديات الانتقال الطاقي

تكشف الأزمة عن تحديات هيكلية في منظومة الطاقة التونسية، إذ تعتمد البلاد بنسبة تتجاوز 91% على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء.

وتراجعت نسبة الاستقلالية الطاقية من 49% عام 2023 إلى نحو 34% في مايو 2026، في ظل بطء توسع مساهمة الطاقات المتجددة التي لم تتجاوز 9% من مزيج الإنتاج.

ويزيد استمرار الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية تعرض البلاد لتقلبات الأسعار العالمية، ويضع ضغوطا إضافية على المالية العامة والشركة التونسية للكهرباء والغاز التي تجاوزت ديونها 7356 مليون دينار.

حماية السكان تبدأ من التخطيط

تؤكد ريم بن خليفة أن مواجهة الأزمة لا يجب أن تعتمد فقط على إجراءات مؤقتة خلال موجات الحر، بل تحتاج إلى ربط سياسات الطاقة بخطط التكيف المناخي.

وتشير إلى أهمية تحديد الفئات الأكثر هشاشة مسبقا، وضمان استمرارية الكهرباء في المرافق الحيوية، وتحسين التواصل مع المواطنين بشأن الانقطاعات، إلى جانب تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة.

وتختتم بالقول إن أزمة الكهرباء في تونس أصبحت اختبارا لقدرة الدولة على حماية مواطنيها في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة وتتزايد فيه الضغوط على شبكات الطاقة، فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بوصول الكهرباء إلى المنازل، بل بقدرة الجميع على الحصول عليها بصورة عادلة وآمنة.

أزمة الطاقة كاختبار للحقوق

تعيش تونس خلال صيف 2026 واحدة من أعقد أزماتها الطاقية، حيث تحولت انقطاعات الكهرباء من أعطال فنية إلى برنامج قطع دوري مبرمج شمل مختلف أنحاء البلاد، بالتزامن مع موجات حر قياسية لامست فيها درجات الحرارة عتبة الـ50 درجة مئوية في مناطق داخلية عديدة.

هذا الوضع المأزوم لم يكن مجرد أزمة تقنية، بل كشف عن عجز بنيوي في المنظومة الطاقية؛ إذ سجل الطلب على الشبكة الوطنية ذروة استهلاكية بلغت 6000 ميغاواط، في حين لم تتجاوز قدرة الإنتاج المتاحة فعلياً 4400 ميغاواط، مما اضطر الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اعتماد “القطع الدوري” لتفادي انهيار شامل للشبكة.

اقتصادياً، كشفت بيانات المعهد الوطني للإحصاء للنصف الأول من عام 2026 أن قطاع الطاقة بات يشكل عبئاً هيكلياً؛ حيث استحوذ العجز الطاقي بمفرده على نحو 54% من إجمالي العجز التجاري للبلاد، مسجلاً عجزاً بقيمة 6.779 مليار دينار (نحو 2.2 مليار دولار) من إجمالي عجز تجاري بلغ 12.529 مليار دينار.

هذا العجز، المتفاقم نتيجة تراجع الإنتاج المحلي واتساع الفجوة بنسبة 33.5% في واردات الطاقة خلال النصف الأول من السنة، انعكس مباشرة على حقوق المواطنين في الصحة والبيئة السليمة، لا سيما في الأحياء الشعبية التي عانت من تعطل سلاسل تبريد الأدوية والمواد الغذائية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات ملحة حول التزام الدولة بتوفير المرافق الأساسية، في وقت تتقاطع فيه هذه الأزمة مع تآكل القدرة الشرائية؛ إذ أدت الانقطاعات المتكررة إلى تعطل الخدمات الحيوية، مما يضع الفئات الهشة، ككبار السن والأطفال، أمام تحديات وجودية تتطلب تدخلاً عاجلاً يعيد ترتيب أولويات التنمية والعدالة الاجتماعية.

أبعاد هيكلية لأزمة الكهرباء

تتجاوز تداعيات أزمة الطاقة في تونس الأبعاد الخدمية، لتكشف عن فجوة تنموية عميقة؛ حيث تعتمد البلاد بنسبة تفوق 91% على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، مع تراجع كبير في نسبة الاستقلالية الطاقية الوطنية التي انحدرت من 49% في 2023 إلى 34% بحلول مايو 2026.

هذا الاعتماد المفرط، مقترناً ببطء ملموس في تفعيل مشاريع الطاقات المتجددة التي لم تتجاوز مساهمتها الفعلية 9% من مزيج الإنتاج رغم الوعود الرسمية، جعل الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية وضغوط الديون التي تراكمت على “الشركة التونسية للكهرباء والغاز” لتتجاوز 7356 مليون دينار.

ويمثل غياب الطاقة استهتاراً بالحق في التنمية المستدامة؛ فتعطل مضخات المياه المرتبطة بالكهرباء فاقم أزمة العطش، بينما تحمل صغار الكادحين وأصحاب الحرف في المدن الداخلية والأحياء الشعبية التكلفة الأكبر، نتيجة تلف سلعهم وتعطل أنشطتهم دون وجود آليات تعويض أو حماية اجتماعية تذكر.

ومع إقرار الدولة لمشاريع لزمات لإنتاج 600 ميغاواط، تظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة هذه الحلول على معالجة الخلل الهيكلي؛ فالاستمرار في سياسات الدعم المباشر التي تقارب 4000 مليون دينار سنوياً دون إصلاح هيكلي عميق، لا يوفر الحل الناجز للأسر المنهكة.

فاتورة التنمية المفقودة

من جانبه، أكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير، أن المنظومة الدولية والمنظمات الأممية والهيئات والكتل والتجمعات العالمية تتحمل مسؤولية كبرى وجسيمة جراء غياب دورها الفاعل والداعم للدول الفقيرة والنامية في مواجهة الأزمات الطاقية الحادة، مشيراً إلى أن العديد من دول العالم باتت تفتقر تماماً للقدرة التقنية والمادية على إنتاج التيار الكهربائي الذي يتطلب مقدرات طاقية هائلة لا تملكها تلك البلدان.

وأشار عبد الكبير، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن الغياب التام للاستثمارات الدولية وغياب الهيئات الداعمة لتشجيع قطاع الطاقة البديلة، وخاصة الطاقة الشمسية، يعمق أزمات التنمية الشاملة، موضحاً أن الطاقة النظيفة تمثل رافداً أساسياً لا غنى عنه لإنتاج الكهرباء، وأن غيابها يلقي بظلاله المدمرة على قطاعات حيوية تشمل الصحة، والتعليم، والاستقرار، والإنتاج الفلاحي، والتجارة، والصناعة.

وقال إن الدول المتقدمة والمجتمع الدولي قد تأخروا كثيراً في تقديم يد العون والمساعدة الفعالة للدول الفقيرة لتجاوز هذه المعاناة الإنسانية المتفاقمة.

وأوضح عبد الكبير أن النسبة الأكبر من الدول الفقيرة والهشة التي تعاني من مشاكل طاقية ضخمة، والتي تصل نسبتها بين 60% و70% من تلك البلدان، تمتلك في المقابل إمكانيات طبيعية هائلة ومؤهلات كبيرة جداً في مجال استثمار الطاقة الشمسية، مبيناً أن الظروف المناخية في إفريقيا وآسيا والعديد من مناطق انقطاع الكهرباء ملائمة بشكل مثالي لتوليد الطاقة الكهربائية المتجددة، وبما يمكنها من الاستغناء التام حتى عن البترول والنفط الخام.

وأكد أن الحاجة ملحة اليوم لتطوير توظيف الطاقة الشمسية وضخ المزيد من الاستثمارات وتقديم القروض الميسرة لهذه الدول، لولا اصطدام تلك المساعي بوجود أنظمة مستبدلة وسياسات دولية خاطئة ترفض الاستثمار الحقيقي في الإنسان وبناء قدراته.

احتكار النفط والطاقات الخام

أشار عبد الكبير، إلى أن العالم لا يزال يعيش حالة من التخلف العميق نتيجة سيطرة الدول الغنية واحتكارها لمصادر الطاقة التقليدية، رغم قدرة بعض المناطق على إنتاج فائض يكفيها ودول الجوار من الطاقة الكهرومائية والشمسية وطاقة الرياح، لافتاً إلى أن غياب الاستثمار في هذه القطاعات يعود إلى هيمنة لوبي احتكار النفط والطاقات الخام، وضعف الإرادة الدولية الجادة لتشجيع البدائل النظيفة كالرياح والمياه والشمس.

وشدد رئيس المرصد على أن الطاقة المتجددة والبديلة تظل الحلول الأمثل والناجزة للأزمة، نظراً لتوفرها الدائم وارتباطها المباشر بواقع الإنسان، فضلاً عن كونها أقل تكلفة بشكل ملحوظ عند تطوير إمكانيات الاستثمار فيها بالشكل المطلوب.

وأكد أن تجاوز ظاهرة انقطاع الكهرباء وضمان حق الشعوب في التمتع بالخدمات الأساسية يتطلب توجه جاد نحو الطاقات المتجددة، لتتحول الأرقام المفزعة في القرن الحادي والعشرين إلى مؤشرات إيجابية ومفرحة في المستقبل القريب متى توفرت الإرادة الدولية الحقيقية ومنظمات العمل الإنساني.

ونبّه إلى المفارقة المؤلمة المتمثلة في تسابق دول العالم نحو التسلح وإنتاج الأسلحة المدمرة للبشرية، وتصنيع الفيروسات القاتلة، وخوض حروب الإبادة الجماعية، بدلاً من توجيه الجهود نحو دعم الإنسان والنهوض بظروف عيشه الأساسية.