لم يعد النقاش حول حقوق الإنسان يقتصر على حرية التعبير أو الحق في المحاكمة العادلة، بل امتد إلى الفضاء الرقمي الذي أصبحت تُمارس فيه نسبة متزايدة من الحقوق والحريات اليومية.
ومع توسع استخدام التكنولوجيا في إدارة الخدمات العامة، وتبادل المعلومات، وحماية الأمن، باتت الدول مطالبة بإيجاد معادلة دقيقة تضمن مكافحة الجرائم الإلكترونية والتهديدات السيبرانية دون المساس بالخصوصية أو حرية التعبير أو الحق في الوصول إلى المعلومات.
وتبرز تونس في هذا السياق بوصفها واحدة من التجارب العربية التي سعت إلى بناء إطار قانوني متقدم لتنظيم الحقوق الرقمية، مستندة إلى ضمانات دستورية وتشريعات خاصة بالنفاذ إلى المعلومات وحماية البيانات الشخصية، إلا أن التطبيق العملي لهذه المنظومة ما يزال يثير نقاشا حقوقيا متواصلا حول حدود التوازن بين الأمن والحريات.
لماذا تُعد تونس نموذجاً مهماً؟
تحظى التجربة التونسية باهتمام متزايد لأنها من أوائل الدول العربية التي أقرت تشريعات متقدمة في مجال الحق في النفاذ إلى المعلومات وحماية المعطيات الشخصية، بالتوازي مع تطوير قوانين لمواجهة الجرائم الإلكترونية وتعزيز الأمن الرقمي.
ويجعل هذا التداخل من تونس نموذجا مهما لدراسة قدرة التشريعات العربية على المواءمة بين حماية الحقوق الرقمية ومتطلبات الأمن، في ظل التحول المتسارع نحو الخدمات والتعاملات الإلكترونية.
وتمتلك تونس واحدة من أكثر المنظومات القانونية تطوراً في المنطقة العربية في ما يتعلق بالحقوق والحريات الأساسية، إذ يضمن الدستور حرية التعبير والحق في الخصوصية والنفاذ إلى المعلومات، كما أقر القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، الذي يُلزم المؤسسات العمومية بإتاحة المعلومات للمواطنين ويضع آليات للطعن في حالات الرفض.
ويستند هذا الإطار إلى التزامات تونس الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات، مع السماح بقيود محددة وضرورية لحماية الأمن القومي والنظام العام. إلا أن التحدي لا يكمن في النصوص القانونية وحدها، بل في ضمان تطبيقها بصورة تحقق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية.
الحق في الوصول للمعلومات
شكل قانون النفاذ إلى المعلومة خطوة مهمة في تعزيز الشفافية والمساءلة، واعتبرته تقارير دولية من أكثر التشريعات تقدماً في المنطقة العربية، لكن منظمات حقوقية سجلت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات على تراجع فعالية بعض المؤسسات الضامنة لهذا الحق.
وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها العالمي لعام 2026، إلى إغلاق الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة، التي أُنشئت عام 2016، معتبرة أن ذلك يثير مخاوف بشأن مستقبل الشفافية والوصول إلى المعلومات العامة.
وتعمل تونس على تطوير إطار تشريعي يواكب التحديات المرتبطة بحماية البيانات الشخصية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية العابرة للحدود.
وتناقش السلطات مشروع قانون جديد لحماية المعطيات الشخصية يتضمن أحكاماً خاصة بالقرارات الآلية والذكاء الاصطناعي ونقل البيانات عبر الحدود، بما ينسجم مع المعايير الأوروبية لحماية البيانات.
وفي المقابل، أثارت منظمات حقوقية مخاوف من اتساع صلاحيات المراقبة الرقمية. وأفاد تقرير “الحرية على الإنترنت 2025” الصادر عن منظمة فريدوم هاوس بأن بعض التشريعات الأمنية تسمح، في حالات محددة، بالوصول إلى الأجهزة الإلكترونية أو مراقبة الأنشطة الرقمية، وهو ما يعزز أهمية وجود ضمانات قانونية ورقابة قضائية مستقلة لحماية الحق في الخصوصية.
حرية التعبير في مواجهة التشريعات
يمثل تنظيم المحتوى الرقمي أحد أكثر الملفات حساسية، إذ تسعى الدولة إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية وخطابات الكراهية والمعلومات المضللة، في مقابل مطالبات حقوقية بضمان عدم تحول هذه التشريعات إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير.
وقد وثقت منظمات دولية استخدام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال في ملاحقة صحفيين ونشطاء ومعارضين سياسيين.
ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فُتحت إجراءات قضائية بحق نحو 20 صحفياً ومحامياً وناشطاً استناداً إلى هذا المرسوم، فيما أشارت منظمة فريدوم هاوس إلى توقيف أكثر من 30 صحفياً خلال عام 2023، وفق بيانات الاتحاد الدولي للصحفيين، وهو ما أبقى النقاش مفتوحاً بشأن حدود التوازن بين حماية الأمن وضمان حرية التعبير.
مرجعيات دستورية ودولية
يرى القانوني والحقوقي التونسي كمال بن عمر، أن المنظومة القانونية التونسية تستند إلى مرجعيات دستورية ودولية راسخة تكفل حماية الحقوق والحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير، وحماية الحياة الخاصة، والحق في النفاذ إلى المعلومات.
ويؤكد بن عمر في حديثه لـ”صفر”، أن دستور 2022 ألزم مؤسسات الدولة بحماية الحقوق والحريات ومنع التراجع عنها، كما أن التزام تونس بالمعاهدات الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجعل هذه الاتفاقيات جزءاً من المرجعية القانونية الوطنية.
ويشير إلى أن القانون الدولي يجيز فرض قيود على بعض الحقوق عندما تكون محددة بموجب القانون وضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة، شريطة أن تخضع دائماً لمبادئ الضرورة والتناسب والرقابة القضائية.
ويضيف أن التطور التكنولوجي أوجد تحديات حقيقية تتمثل في الجرائم الإلكترونية والإرهاب الرقمي ونشر الأخبار المضللة، وهو ما يفرض تحديث التشريعات وتعزيز حماية الفضاء السيبراني، دون المساس بجوهر الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية.
الحقوق معيار لنجاح الدولة
تكشف التجربة التونسية أن حماية الحقوق الرقمية لا تتوقف عند إصدار التشريعات، بل ترتبط بقدرة المؤسسات على تطبيقها بصورة تحقق التوازن بين الأمن والحرية، وتضمن الشفافية والرقابة القضائية واستقلال مؤسسات إنفاذ القانون.
ومع تزايد اعتماد الأفراد والدول على الفضاء الرقمي، ستغدو حماية الخصوصية وحرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات مؤشرات أساسية على احترام حقوق الإنسان، لأن بناء الدولة الرقمية لا يكتمل بتطوير التكنولوجيا وحدها، بل بقيام منظومة قانونية تجعل الحقوق والحريات جزءاً أصيلاً من هذا التطور، لا ثمناً له.

