منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأحوال الشخصية في لبنان.. نظام قانوني يعيد إنتاج التمييز والطائفية

02 سبتمبر 2026
خلصت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن لبنان لا يملك قانونًا مدنيًا موحدًا للأحوال الشخصية
خلصت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن لبنان لا يملك قانونًا مدنيًا موحدًا للأحوال الشخصية

في لبنان، لا يخضع المواطنون لقانون مدني موحد ينظم شؤون الأسرة، بل تتوزع قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث والنفقة على منظومة من قوانين الأحوال الشخصية الطائفية التي تديرها محاكم دينية، وتختلف أحكامها من طائفة إلى أخرى.

وبينما يُقدَّم هذا التعدد أحيانًا بوصفه انعكاسًا لخصوصية النظام اللبناني وتنوعه الديني، تؤكد هيومن رايتس ووتش أن منظومة الأحوال الشخصية الحالية تنتهك حقوق النساء في عدم التمييز والمساواة داخل الزواج وعند انتهائه، وتمس حقوقًا أساسية مثل السلامة الجسدية والصحة والكرامة.

كما خلصت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن لبنان لا يملك قانونًا مدنيًا موحدًا للأحوال الشخصية، بل يعتمد 15 قانونًا للأحوال الشخصية للطوائف المعترف بها، بما يخلق تباينًا واسعًا في الحقوق بين النساء والرجال، وبين النساء أنفسهن بحسب الانتماء الديني.

عدالة تختلف باختلاف الطائفة

تختلف حقوق المرأة اللبنانية في الزواج والطلاق والحضانة والنفقة باختلاف الطائفة التي تنتمي إليها، ففي بعض المحاكم الدينية، تستطيع المرأة طلب الطلاق بشروط محددة، بينما تواجه نساء أخريات قيودًا أكثر تعقيدًا، قد تجعل إنهاء الزواج شبه مستحيل من دون موافقة الرجل أو التنازل عن حقوق مالية أو حضانة الأطفال.

وتؤكد هيومن رايتس ووتش، في تقريرها “غير متساويات وغير محميات”، أن قرارات المحاكم الدينية وقوانين الأحوال الشخصية التي تستند إليها تميّز ضد النساء في الزواج والطلاق والحضانة والحقوق المالية، وتخلق تفاوتًا بين المواطنين بحسب خلفياتهم الدينية، وهذا يعني أن المرأة لا تُعامل كمواطنة متساوية أمام قانون واحد، بل كعضو في طائفة تخضع لقواعد خاصة.

وتظهر خطورة هذا التفاوت بوضوح في قضايا الحضانة، حيث تحدد بعض المحاكم أعمارًا منخفضة لاحتفاظ الأم بأطفالها بعد الطلاق، ما يدفع نساء كثيرات إلى البقاء في علاقات مؤذية أو عنيفة خوفًا من فقدان أطفالهن.

وقد أوصى مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ضمن وثائق الاستعراض الدوري الشامل، بأن يعتمد لبنان قانونًا موحدًا للأحوال الشخصية، بسبب استمرار التمييز في القوانين الدينية المتعلقة بالزواج والحقوق المالية والطلاق وحضانة الأطفال والميراث.

غياب الزواج المدني

رغم المطالبات المتكررة بإقرار قانون مدني موحد أو قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، لا يزال لبنان يفتقر إلى إطار مدني داخلي ينظم شؤون الأسرة بعيدًا عن المحاكم الدينية. لذلك يلجأ آلاف اللبنانيين إلى الزواج المدني خارج البلاد، خصوصًا في قبرص، قبل تسجيل عقودهم لاحقًا في لبنان.

وترى منظمات حقوقية، بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن غياب القانون المدني للأحوال الشخصية يكرّس تبعية الحقوق الأسرية للانتماء الديني، ويُبقي النساء أمام منظومات قضائية متعددة لا تضمن دائمًا المساواة أو الحماية الكافية.

وفي تقريرها المقدم للاستعراض الدوري الشامل لعام 2026، قالت “العفو الدولية” إن لبنان لم يقبل سابقًا توصيات تتعلق برفع تحفظاته على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، ومنها توصيات اعتماد قانون موحد للأحوال الشخصية.

الطائفية كعائق أمام الإصلاح

لا يرتبط غياب الزواج المدني بالخلافات الدينية وحدها، بل بطبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على تقاسم السلطة بين الطوائف، فالمرجعيات الدينية تحتفظ بدور مؤثر في إدارة شؤون الأسرة، وترى في أي قانون مدني موحد أو اختياري مساسًا بنفوذها الاجتماعي والقضائي.

ومن هنا، تتحول قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث إلى ملفات سياسية حساسة تتجاوز بُعدها القانوني، فإصلاح الأحوال الشخصية لا يعني فقط تعديل نصوص، بل إعادة رسم العلاقة بين الدولة والطائفة، وبين المواطن والمرجعية الدينية، وبين المساواة الدستورية والواقع القضائي اليومي.

لا يقتصر التمييز القانوني ضد النساء في لبنان على قوانين الأسرة، بل يمتد إلى قانون الجنسية، فالمرأة اللبنانية لا تستطيع نقل جنسيتها إلى زوجها الأجنبي أو أبنائها منه، بينما يحق للرجل اللبناني نقل جنسيته تلقائيًا إلى زوجته وأولاده.

وتؤكد “هيومن رايتس ووتش” أن قانون الجنسية اللبناني يميّز ضد النساء المتزوجات من أجانب وأطفالهن وأزواجهن، ويؤثر تقريبًا على كل جوانب حياتهم، بما يشمل الإقامة القانونية والعمل والتعليم والخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية، كما يترك بعض الأطفال عرضة لخطر انعدام الجنسية.

ودعت المنظمة لبنان إلى تعديل القانون بما يسمح للنساء بنقل الجنسية إلى أطفالهن وأزواجهن على قدم المساواة مع الرجال.

كما ذكرت وثائق مقدمة إلى آليات الأمم المتحدة أن حرمان اللبنانية من نقل جنسيتها لأطفالها وزوجها يمثل انتهاكًا لمبدأ عدم التمييز، ويتعارض مع التزامات لبنان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

أسر عالقة في الهشاشة القانونية

يؤثر هذا الحرمان على آلاف العائلات، خصوصًا عندما يكون الزوج من جنسية عربية أو عديم الجنسية أو من فئة لاجئة.. ففي هذه الحالات، يواجه الأبناء صعوبات متكررة في الإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية، وقد يجدون أنفسهم في وضع قانوني هش رغم ولادتهم ونشأتهم داخل لبنان.

وصادق لبنان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” عام 1997، لكنه أبقى تحفظات على مواد أساسية، خصوصًا ما يتعلق بالمساواة داخل الأسرة والجنسية.

وتواصل لجنة سيداو دعوة لبنان إلى إزالة الأحكام التمييزية واعتماد إصلاحات قانونية تضمن مساواة النساء في الأحوال الشخصية والجنسية.

وفي ملاحظاتها الختامية لعام 2022، رحّبت لجنة سيداو ببعض المبادرات، لكنها واصلت الإعراب عن القلق من استمرار التمييز القانوني والعملي ضد النساء، بما في ذلك في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية.

إصلاحات لا تمس جوهر النظام

شهد لبنان خلال السنوات الماضية حملات نسوية وحقوقية واسعة للمطالبة بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية والجنسية، كما أُقرت بعض التعديلات الجزئية، مثل تجريم التحرش الجنسي في مكان العمل وإصلاحات مرتبطة بقانون حماية النساء من العنف الأسري.

لكن “العفو الدولية” ورويترز أشارتا إلى أن هذه الإصلاحات بقيت غير كافية، إذ لا يزال الاغتصاب الزوجي غير مجرّم بشكل واضح، ولا تزال المحاكم الدينية تطبق قوانين أحوال شخصية تمييزية في مسائل مثل الطلاق والحضانة.

كما ذكرت رويترز أن تقارير العنف الأسري في لبنان تضاعفت خلال فترة الأزمة وجائحة كورونا، رغم الإصلاحات القانونية، ما كشف محدودية الحماية عندما لا تُمس جذور التمييز.

وفي ظل الانهيار الاقتصادي والأزمات السياسية المتلاحقة، تتراجع قضايا المساواة أحيانًا إلى هامش النقاش العام، رغم تأثيرها المباشر على حياة النساء والأسر، فالمرأة التي لا تستطيع الطلاق بأمان، أو تخشى فقدان حضانة أطفالها، أو لا تستطيع منح جنسيتها لأبنائها، تدفع ثمنًا مضاعفًا في بلد تتآكل فيه الخدمات العامة وفرص العمل وشبكات الحماية.

وتؤكد “العفو الدولية” في تقريرها حول تآكل حقوق الإنسان خلال الأزمات في لبنان أن الانهيار السياسي والاقتصادي عمّق هشاشة الحقوق، بينما بقيت قضايا التمييز ضد النساء في الأحوال الشخصية والجنسية دون معالجة جذرية.

خلل وتمييز قانوني

قال الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، إن “النظام السياسي في لبنان قائم بصورة واضحة على المحاصصة الطائفية، وهو ما أسهم تاريخيا في إعادة إنتاج أشكال متعددة من التمييز القانوني والاجتماعي، وليس على المستوى السياسي فحسب”.

وأضاف أبو زينب، في حديثه لـ”صفر”، أن “وصف هذا النظام بأنه يكرس التفاوت بين المواطنين في بعض الحقوق لا يُعد تجنيا، بل يمثل قراءة واقعية لبنية النظام وآليات عمله، لا سيما في الملفات المرتبطة بالأحوال الشخصية وحقوق المرأة”.

وأوضح أن هذا الأمر يتجلى بوضوح في التفاوت القائم بين النساء تبعًا لاختلاف الطوائف، إذ تخضع قوانين الأحوال الشخصية في لبنان لمرجعيات دينية متعددة، مشيرا إلى أن حقوق المرأة في الزواج والطلاق والحضانة والإرث تختلف من طائفة إلى أخرى، الأمر الذي أوجد فجوات واسعة في العدالة والمساواة بين المواطنات اللبنانيات أنفسهن، وربط الحقوق بالانتماء الطائفي بدلا من مبدأ المواطنة المتساوية.

وفي ما يتعلق بحرمان المرأة اللبنانية من منح جنسيتها لأبنائها، اعتبر أبو زينب أن هذه القضية تمثل أحد أبرز مظاهر الخلل القانوني والتمييز المستمر، مؤكدا أن تداعيات هذا الحرمان لا تقتصر على المرأة وحدها، بل تمتد إلى آلاف الأسر التي تواجه صعوبات قانونية واجتماعية واقتصادية تتعلق بالإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية.

وأضاف أبو زينب: “في وقت يُفترض فيه تعزيز مفهوم الدولة المدنية وترسيخ مبدأ المساواة، بات هذا الملف يشكل تحديا حقيقيا أمام صورة لبنان الحقوقية والإنسانية”.

وعن فرص الإصلاح القانوني، قال إن “الإصلاح ممكن من الناحية النظرية، لكنه يصطدم بعقبات سياسية وطائفية معقدة”، موضحا أن العديد من القوى السياسية تخشى أي تعديلات قد تمس التوازنات الديموغرافية والطائفية، ما يجعل قضايا حقوق المرأة والمساواة تُقارب أحيانا من منظور الحسابات السياسية، لا من زاوية الحقوق الدستورية والإنسانية.

وأشار كذلك إلى أن بعض العقليات الاجتماعية التقليدية لا تزال تشكل عائقا أمام تطوير القوانين باتجاه بناء دولة مدنية أكثر عدالة وإنصافا لجميع المواطنين.

الذهنية الطائفية

من جانبها، قالت أستاذة القانون الدولي في لبنان الدكتورة هالة حمدان، في حديثها لـ”صفر”، إن النظام الطائفي في لبنان يُعد من أخطر الأزمات البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي في البلاد، مشيرة إلى أن أبرز تجلياته تتمثل في غياب قانون موحد للأحوال الشخصية، ومنح كل طائفة صلاحية التشريع في قضايا الأحوال الشخصية وممارسة الشعائر الدينية.

وأضافت حمدان أن “وجود قوانين متعددة داخل الدولة الواحدة يشكل بحد ذاته شكلا من أشكال التمييز”، معتبرة أن الدولة تستطيع اعتماد نظام مدني موحد، من دون أن يمنع ذلك الطوائف أو الأفراد الراغبين في اللجوء إلى مؤسساتهم الدينية لتثبيت الزواج أو ممارسة الطقوس الدينية، كما هو معمول به في العديد من دول العالم”.

واستشهدت هالة بما يحدث في فرنسا، موضحة أن الزواج هناك يتم أولا أمام ممثل الدولة حتى يحظى بالاعتراف القانوني، وبعد ذلك يمكن للأفراد التوجه إلى الكنيسة أو المسجد أو الكنيس لإتمام المراسم الدينية وفق معتقداتهم، مؤكدة أن هذه الآلية تساهم في توحيد المجتمع وترسيخ مفهوم المواطنة، لأنه لا يجوز إخضاع المواطنين لقوانين مختلفة داخل الدولة نفسها.

وفي ما يتعلق بأوضاع النساء، شددت حمدان على أن “النظام الحالي يكرّس مظاهر واضحة من الظلم والتمييز بحق النساء”، موضحة أن التفاوت لا يقتصر على طائفة بعينها، بل يظهر أيضا في بعض الشرائع المسيحية، خصوصا في القضايا المتعلقة بالحضانة والطلاق والمسائل الأسرية.

وأضافت أن هناك فجوة كبيرة في القانون اللبناني تتعلق بحرمان الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأبنائها، معتبرة أن هذا الأمر يرتبط بـ”اعتبارات طائفية وديموغرافية، تهدف إلى الحد من تجنيس بعض الفئات عبر الزواج، كالفلسطينيين والسوريين وغيرهم”.

وترى حمدان أن هذا الواقع يشكل خرقا واضحا لمبدأ المساواة، موضحة أن العديد من النساء اللبنانيات تزوجن من أجانب لكنهن عشن مع أسرهن في لبنان، وأبناؤهن وُلدوا فيه وتعلموا وعملوا داخله، ما يجعل ارتباطهم الفعلي بلبنان أقوى من ارتباط بعض حاملي الجنسية المقيمين خارج البلاد منذ أجيال طويلة.

ودعت إلى ضرورة إصلاح قانون الجنسية مع ربطه بشرط الإقامة الفعلية داخل لبنان لفترة زمنية طويلة، موضحة أن ذلك يضمن أن الحصول على الجنسية لا يكون بدافع الزواج فقط، بل نتيجة ارتباط حقيقي بالبلد من خلال الإقامة والعمل والتعليم.

وأكدت حمدان أن النظام السياسي الطائفي يمثل العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على الحياة السياسية، بل تمتد إلى توزيع المناصب الرسمية والوظائف والمقاعد النيابية والوزارية، وحتى إلى الذهنية الاجتماعية السائدة.

وأضافت أن “هذا الواقع يعرقل إصلاح قوانين الأحوال الشخصية والقوانين المجحفة بحق النساء، وعلى رأسها قانون الجنسية”، كما اعتبرت أن النظام الطائفي رسّخ العقلية الطائفية في وعي المواطن اللبناني، ما جعل إقناع الناس بضرورة التغيير أكثر صعوبة.

وخلصت حمدان إلى أن العقبات أمام تحقيق المساواة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أيضا اجتماعية وثقافية، مشددة على أن “تحقيق العدالة القانونية بين اللبنانيين، وخصوصا بين الرجال والنساء، يظل رهنًا بإرادة حقيقية لتجاوز البنية الطائفية القائمة”.

 

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان