صادق خان
تحولت شوارع نوتينغ هيل خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالية مرة أخرى إلى مسرح لواحد من أعظم الاحتفالات على وجه الأرض.
رقص الأطفال في الشوارع وسط مشهد حافل بالألوان، وصنع مصممو الأزياء تحفاً فنية من الريش والترتر والأحجار الكريمة، وقدّم باعة الشوارع أطباقاً عالمية المستوى من حساء الفلفل، وروتي ترينيدادي، ودجاج الجيرك، في حين هزت أنظمة الصوت وفرق “الستيل بان” الشوارع بأصوات الكرنفال التي لا تخطئها الأذن.
أثبت مهرجان نوتينغ هيل، في ذكراه الستين، أنه أكبر وأكثر جرأة وحيوية من أي وقت مضى، وأصبح الآن ثاني أكبر مهرجان شوارع في العالم؛ إذ يجذب أشخاصاً من مختلف أنحاء العالم، ويحقق لاقتصادنا نحو 400 مليون جنيه إسترليني سنوياً.
كان المهرجان دائماً أكبر بكثير من مجرد حفلة، فهو احتفال صاخب وفخور بالثقافة الكاريبية وبالإسهام الاستثنائي الذي قدمته المجتمعات الكاريبية لعاصمتنا، وبالنسبة إليّ، فإنه يمثل لندن في أفضل صورها: أشخاص من أعمار وخلفيات وألوان ومعتقدات مختلفة يجتمعون معاً، ويتشاركون فرحة تقاليد وثقافات بعضهم البعض، ويحتفلون بالتنوع المذهل الذي أصبح سمة مميزة للمدينة التي نسميها جميعاً وطناً.

ولهذا السبب، كنت سعيداً بتقديم تمويل إضافي بقيمة 4.66 مليون جنيه إسترليني، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ الذي قدمناه العام الماضي للمساعدة في ضمان تمكّن سكان لندن والزوار مرة أخرى من الاستمتاع بهذا الحدث المذهل.
كان التمويل الذي أتحناه ضرورياً لدعم المنظمين في تنفيذ إجراءات سلامة إضافية، منها مضاعفة عدد المشرفين، والسماح بتركيب المزيد من اللافتات وكاميرات المراقبة المؤقتة.
شكلت الذكرى الستون للمهرجان لحظة فارقة بالنسبة إلى لندن، وكنت مصمماً على أن تبذل إدارة البلدية كل ما في وسعها للمساعدة؛ لأنها تذكّرنا أيضاً بالمسافة التي قطعتها المدينة.
منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، أبحر آلاف المهاجرين الكاريبيين إلى لندن ضمن جيل “ويندراش” للمساعدة في إعادة بناء أمة أنهكتها الحرب، وعلى الرغم من وصولهم بدعوة من بريطانيا، وجد كثير من الوافدين الجدد أنفسهم غير مرحب بهم في وطنهم الجديد، وأُجبروا على العيش في مساكن ضيقة ومتدنية الجودة، واستُبعدوا في كثير من الأحيان من الأماكن العامة وفرص العمل، وتعرضوا للعنصرية والإساءة على نطاق واسع، غذّتها جماعات اليمين المتطرف والجماعات الفاشية التي سعت إلى إثارة الكراهية والانقسام.
وفي عام 1958 اندلعت أعمال عنف عنصرية في شوارع نوتينغ هيل، وتعرض سكان لندن السود للاعتداء، كما تضررت منازل، وفي العام التالي، طالب سكان لندن السود في أنحاء المدينة بالعدالة بعدما أخفقت الشرطة في التحقيق على نحو مناسب في جريمة القتل العنصرية التي راح ضحيتها كيلسو كوكرين، وهو نجار شاب من أنتيغوا.
وفي مواجهة هذه العنصرية والعنف المروّعين، زُرعت بذور المهرجان، ففي البداية، قررت الناشطة والصحفية الترينيدادية كلوديا جونز تنظيم أول مهرجان كاريبي في بريطانيا بقاعة بلدية سانت بانكراس، وبثت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” المهرجان الذي استخدم قوة الموسيقى والرقص للمساعدة في تضميد جراح مجتمع كان يعاني، وإظهار ثراء الثقافة الكاريبية وفرحتها لبقية أنحاء البلاد.
وبعد سنوات قليلة، نظمت الناشطة المحلية رون لاسليت معرضاً مجتمعياً صُمم لجمع حي نوتينغ هيل المتنوع معاً، وعندها حدث شيء سحري، فعندما انتهى عرضهما، واصل روس هندرسون وفرقة “الستيل بان” التابعة له العزف أثناء سيرهم في شارع بورتوبيلو، وجذبوا الحشد معهم، وتحول احتفال في الحي إلى موكب في الشوارع، والباقي، كما يقولون، أصبح تاريخاً.

وبعد ستين عاماً، نمت البذور التي زرعتها كلوديا ورون وروس وعدد لا يحصى من الآخرين لتصبح شيئاً استثنائياً، واليوم، يكاد يكون من المستحيل تخيل لندن من دون المهرجان، فقد أصبح جزءاً محبوباً من أجندة المدينة الثقافية، وبالنسبة إلى كثير من سكان لندن، أصبح أحد أكثر عطلات نهاية الأسبوع المنتظرة خلال العام.
لكن مع نمو الحدث، نما أيضاً التحدي المتمثل في الحفاظ على سلامة رواد المهرجان، ولهذا السبب، تدخلت هذا العام مرة أخرى لتوفير التمويل اللازم لدعم إقامة مهرجان أكثر أماناً.
دعوني أكن واضحاً: طالما أنني عمدة لندن، سيظل المهرجان في المكان الذي يريده المجتمع المحلي، أي في شوارع نوتينغ هيل.
قطعت مدينتنا شوطاً طويلاً منذ تلك الاحتفالات الأولى، لكننا نعلم أن العنصرية لم تختفِ، بل إن الصعود المخيف للحركات الشعبوية القومية في السنوات الأخيرة يبرهن على أن العمل العاجل لمواجهة التحيز وبناء مدينة أكثر عدلاً لا يزال بعيداً عن الاكتمال.
لكن ما فهمه مؤسسو المهرجان هو القوة الاستثنائية للثقافة في تحدي العنصرية، وبناء التفاهم، وتحويل الغرباء إلى جيران، فقد واجهوا لحظة من الانقسام والخوف بفرح خالص، وبذلك ساعدوا في تشكيل لندن أكثر انفتاحاً وشمولاً لنا جميعاً.
ولذلك، أقول لكل من حمل المهرجان إلى الأمام على مدى السنوات الستين الماضية، من الرواد والمنظمين والمشاركين في عروض الأزياء والموسيقيين وصانعي الأزياء والمتطوعين وضباط الشرطة والمسعفين وأجيال سكان لندن الذين جعلوا المهرجان جزءاً منهم: شكراً لكم.. وإلى ستين عاماً أخرى من الاحتفال بمجتمعاتنا الرائعة وهذه المدينة الجميلة التي بنيناها معاً.
ترجمة : زينب مكي
نقلاً عن الغارديان
