منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الغلاء يعيد ترتيب احتياجات الأسرة.. أطفال مصر أمام فجوة القدرة على تحمل الحقوق

15 أغسطس 2026
مصر.. جهود متواصلة لرعاية الأطفال والأسر
مصر.. جهود متواصلة لرعاية الأطفال والأسر

للغذاء بند في ميزانية الأسرة، وللعلاج بند آخر، وكذلك التعليم والملابس والمواصلات، لكن حقوق الطفل لا تعرف هذا التقسيم عندما يصبح الدخل أقل من مجموع الاحتياجات، عندها لا تختفي النفقات، بل تبدأ الأسرة في المفاضلة بينها؛ دواء يمكن تأجيله، غذاء يمكن تقليص جودته، درس أو وسيلة تعليم يمكن الاستغناء عنها.

وفي مصر حيث يعيش أكثر من ثلث الأطفال في أسر تعاني الفقر، تجعل الضغوط المعيشية حماية الطفل مرتبطة بقدرة السياسات الاجتماعية على منع نقص دخل الأسرة من التحول إلى نقص في حقوقه.

أسر تعاني الفقر

تقول اليونيسف في نتائجها السنوية لعام 2025 إن أكثر من ثلث الأطفال في مصر يعيشون في أسر تعاني الفقر، مع ظهور تفاوتات أكبر في ريف صعيد مصر، فيما لا تزال الضغوط الاقتصادية وآثار ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة تحد من القوة الشرائية للأسر، خصوصا التي لديها أطفال.

وتتجاوز آثار الضغط المعيشي القدرة على شراء السلع، فقد أظهر مسح صحة الأسرة المصرية لعام 2021 أن 43% من الأطفال بين 6 و59 شهرا يعانون من فقر الدم بما يعادل نحو 4.8 مليون طفل.

ولا يمكن ربط فقر الدم بالغلاء وحده، إذ تتداخل في أسبابه عوامل غذائية وصحية متعددة، لكن المؤشر يكشف حجم الهشاشة التي يمكن أن تصبح أكثر خطورة عندما تضطر الأسرة إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والرعاية.

ماذا تفعل الأسرة؟

لا يتساوى أثر ارتفاع الأسعار بين الأسر، فالأسرة ذات الدخل المرتفع قد تمتص زيادة كلفة الغذاء أو العلاج بتقليص إنفاق أقل ضرورة، بينما تملك الأسرة الفقيرة مساحة أضيق للمناورة لأن معظم دخلها مخصص أصلا للاحتياجات الأساسية.

وهنا تظهر خصوصية أثر الغلاء على الأطفال، فالأسرة قد لا تتوقف عن الإنفاق عليهم، لكنها تغير نوعية ما تستطيع توفيره: غذاء أقل تنوعا، زيارة طبية مؤجلة، مستلزمات تعليمية أقل، أو مصروفات نقل يصعب تحملها.

وبذلك يمكن أن يحدث الحرمان تدريجيا ومن دون أن يظهر في صورة انقطاع كامل عن الغذاء أو المدرسة أو العلاج.

حقوق الطفل وسعر السوق

تكفل اتفاقية حقوق الطفل حق الطفل في مستوى معيشي ملائم لنموه، وتقر بمسؤولية الوالدين الأساسية عن تأمين ظروف المعيشة اللازمة لنموه في حدود إمكاناتهما المالية، لكنها تلزم الدول أيضا باتخاذ التدابير المناسبة لمساعدة الوالدين وتقديم برامج الدعم عند الحاجة.

ولا سيما في الغذاء والملبس والسكن، كما لا تعني الصعوبات المالية التي تواجه الأسرة انتقال المسؤولية كاملة إلى الدولة، لكنها تجعل الحماية الاجتماعية جزءا من منع الفقر والغلاء من إنتاج تفاوت أعمق بين الأطفال في الصحة والتعليم والتغذية وفرص النمو.

وتمثل منظومة «تكافل وكرامة» إحدى أدوات الحماية الاجتماعية الرئيسية في مصر، ووفقا لليونيسف، توسع البرنامج ليصل إلى أكثر من 5.2 مليون أسرة خلال 2025، ويكتسب برنامج «تكافل» أهمية خاصة بالنسبة إلى الأطفال لأنه يقدم تحويلات نقدية للأسر الفقيرة التي لديها أطفال، ويربط الاستفادة بشروط تتعلق بانتظام الأطفال في التعليم والمتابعة الصحية.

ويشير البنك الدولي إلى أن البرنامج صمم بحيث لا يقتصر على تحويل المال، وإنما يستخدم الدعم لتعزيز الاستثمار في صحة الأطفال وتعليمهم وكسر انتقال الفقر بين الأجيال.

الدعم ليس مساعدة فقط

يرى الباحث القانوني أحمد أبو هزيم أن السياسات العامة تؤدي دورا محوريا في الحد من الأعباء المالية التي تتحملها الأسر من خلال أشكال الدعم التي تساعدها على تأمين احتياجاتها.

ويقول أبو هزيم، في حديثه لـ«صفر»، إن أهمية الحماية الاجتماعية تظهر في منع الظروف الاقتصادية من التحول إلى سبب لحرمان الطفل من حقوقه الأساسية.

وتتجاوز المسألة بذلك مقدار التحويل النقدي نفسه إلى قدرته على الوصول إلى الأسر الأشد احتياجا ومواكبة التغير في كلفة الغذاء والعلاج والتعليم، بحيث لا تتآكل قيمته الفعلية مع ارتفاع الأسعار.

الحق الذي يدخل ميزانية الأسرة

لا يرى الطفل التضخم في نشرات الأسعار، لكنه قد يراه في وجبة تغيرت، أو علاج تأخر، أو احتياج مدرسي أصبح مؤجلا، وفي هذه التفاصيل الصغيرة تظهر الكلفة الاجتماعية للغلاء بصورة أوضح من الأرقام الاقتصادية المجردة.

ولذلك لا يقتصر اختبار شبكات الحماية على عدد الأسر التي تتلقى الدعم، بل يمتد إلى ما إذا كان هذا الدعم يحول فعليا دون اضطرارها إلى المفاضلة بين حقوق أطفالها.

وحين يصبح دخل الأسرة غير قادر على تغطية جميع الأساسيات، تكون وظيفة الحماية الاجتماعية هي ألّا يصبح الغذاء منافساً للعلاج، ولا العلاج منافساً للتعليم داخل حياة الطفل نفسه.