حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن الحرب في أوكرانيا تواصل دفع المدنيين إلى دائرة متفاقمة من الخوف والخسائر والانتهاكات، في ظل تصاعد الهجمات على المناطق السكنية والمنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية، بالتزامن مع استمرار توثيق حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والانتهاكات بحق الأسرى والمحتجزين والمدنيين في المناطق المتضررة من الحرب.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال التحديث الشفهي الذي قدمه المفوض السامي فولكر تورك بشأن حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا، تنفيذًا لقرار مجلس حقوق الإنسان 59/22، حيث عرض أحدث ما توصلت إليه المفوضية من وقائع وانتهاكات، محذرًا من أن استمرار الأعمال العدائية يفاقم التداعيات الإنسانية والحقوقية داخل أوكرانيا ويمتد أثره إلى المنطقة بأكملها.
وقال تورك إن الحرب تحوّلت إلى كارثة متفاقمة لحقوق الإنسان، مؤكدًا أن مئات المدنيين ما زالوا يسقطون قتلى أو جرحى بصورة أسبوعية، بينما تتعرض منشآت مدنية حيوية، بينها مرافق الرعاية الصحية والمستشفيات وشبكات النقل والمنشآت الخدمية، للهجمات. ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء الحرب على أساس ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، معتبرًا أن السلام لا يمكن فصله عن حماية حقوق الإنسان والمساءلة عن الانتهاكات.
أكثر من ألف حالة عنف جنسي
كان ملف العنف الجنسي المرتبط بالنزاع أحد أبرز المحاور التي تناولها التحديث الأممي، إذ أشار تورك إلى توثيق أكثر من ألف حالة مرتبطة بالحرب، نُسب 89% منها إلى القوات الروسية و11% إلى القوات الأوكرانية، وفق المعلومات التي عرضها أمام المجلس.
وأوضح أن غالبية الضحايا كانوا من الرجال، ولا سيما داخل أماكن الاحتجاز، مع تسجيل حالات طالت النساء والأطفال، خصوصًا في المناطق الأوكرانية المحتلة. وأكد أن هذه الانتهاكات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أرقامًا مجردة، بل باعتبارها اعتداءات خلفت آثارًا إنسانية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد على الضحايا.
وأشارت أوكرانيا، خلال النقاش، إلى أن المفوضية تحققت خلال الفترة المشمولة بالتقرير من 800 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع ارتكبتها سلطات روسية، وقالت إن الحالات شملت 725 رجلًا و141 امرأة وفتاة وطفلًا، مؤكدة أن هذه الأرقام تمثل ضحايا وأسرًا تضررت بصورة مباشرة من الحرب.
في المقابل، رفض الاتحاد الروسي ما ورد في التقرير من استنتاجات، معتبرًا أن بعض المعلومات لا تستند، بحسب موقفه، إلى مصادر موثوقة أو إلى أدلة كافية، ومتهمًا المفوضية باستخدام معلومات يرى أنها غير موثوقة لتحقيق أهداف تخدم الجانب الأوكراني.
المدنيون تحت القصف
وحذر المفوض السامي من استمرار تعرض المدنيين للهجمات في عدد من المناطق، مشيرًا إلى استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والقصف الجوي وأنظمة الصواريخ متعددة القواذف.
وقال إن كييف وأوديسا تعرضتا لهجمات، بينما سجلت مناطق دونيتسك وخاركيف وسومي وزابوريجيا خسائر في صفوف المدنيين. وأوضح أن مكتبه وثّق ارتفاع أعداد القتلى والجرحى المدنيين خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
كما أشار إلى وقوع قتلى وجرحى داخل روسيا، لكنه أوضح أن المفوضية لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من بعض المعلومات المتعلقة بالجانب الروسي، بسبب عدم السماح لها بالوصول إلى المناطق المعنية.
وأفادت أوكرانيا بأن المفوضية وثّقت، منذ سبتمبر/أيلول، مقتل ما لا يقل عن 200 مدني وإصابة أكثر من ألف آخرين، إلى جانب استمرار الهجمات على العاصمة والبنية التحتية المدنية، الأمر الذي يزيد من صعوبة الأوضاع الإنسانية مع اقتراب فصل الشتاء.
الطاقة والمياه والخدمات الأساسية
وحذر تورك من أن آثار الحرب لا تتوقف عند الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المدنيين.
وأشار إلى انقطاع الكهرباء والمياه والغاز في المناطق المتضررة، واضطراب إمدادات الغذاء ونقص الوقود الضروري لتشغيل المستشفيات. كما اتهم القوات الروسية بتكثيف الهجمات على منشآت الطاقة والمرافق التجارية والغذائية ومحطات ضخ المياه وشبكات النقل والسكك الحديدية والجسور ومنشآت الغاز.
وقال إن استهداف هذه المنشآت، عندما لا تكون أهدافًا عسكرية مشروعة أو عندما لا تراعى قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة، يمكن أن يشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
وأثارت أوكرانيا كذلك المخاوف المتعلقة بالأوضاع الإنسانية في المناطق الخاضعة للاحتلال الروسي، مشيرة إلى وجود نحو ألفي مدني، بينهم نحو 50 طفلًا، في ظروف قالت إنها تتسم بنقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية والطاقة.
من جانبها، حذرت اليونيسف من التداعيات المباشرة للهجمات على الأطفال والتعليم. وقالت إن أكثر من ألف إنذار من الغارات الجوية سجل منذ بداية العام الدراسي، بما يقارب ضعف العدد المسجل خلال الفترة نفسها من العام السابق، ما يؤدي إلى وقف الدراسة ونقل الأطفال إلى الملاجئ بصورة متكررة.
وأضافت المنظمة أن الهجمات على البنية التحتية للمياه والطاقة عطلت الخدمات الأساسية، كما تعرضت عمليات إنسانية للهجمات، مشيرة إلى تدمير ثلاثة مستودعات متعاقدة معها كانت تخزن إمدادات أساسية للأطفال والأسر، فضلًا عن مقتل موظف لدى أحد شركائها وإصابة آخر بجروح خطيرة في هجوم بمدينة سلوفيانسك.
مخاوف بيئية وأمنية
لم تقتصر المخاوف التي عرضها تورك على الوضع الإنساني المباشر، إذ حذر من التداعيات البيئية للحرب نتيجة استخدام المتفجرات والألغام والمواد السامة، وما يمكن أن تتركه من آثار تمتد إلى سنوات طويلة وتؤثر في الأجيال المقبلة.
كما أشار إلى محاولات روسيا تنظيم انتخابات في المناطق الأوكرانية المحتلة، معتبرًا أن ذلك يمثل انتهاكًا آخر للقانون الدولي، إلى جانب المخاوف المرتبطة بمشاركة مقاتلين أجانب في الحرب واستدراج بعض الأشخاص للانضمام إلى القوات الروسية.
وفي المقابل، أشارت أوكرانيا إلى استمرار استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية، بينما أقرت بوقوع عمليات عسكرية داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك استهداف مستودعات ومراكز لوجستية ومصافي نفط.
مواقف دولية متباينة
أبدت دول أوروبية عدة دعمها لما ورد في تحديث المفوض السامي، وربطت بين حماية المدنيين والمساءلة وتحقيق السلام.
وقالت السويد، باسم دول الشمال والبلطيق، إن التقارير الأممية توثق انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي ونقل وترحيل الأطفال، مؤكدة دعمها لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها ومواصلة الدعوة إلى المساءلة.
وأعربت سلوفينيا عن قلقها من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، ومن استخدام العنف الجنسي ضد المدنيين وأسرى الحرب. بينما شددت إسبانيا على ضرورة إعادة الأطفال الذين نُقلوا بصورة غير قانونية، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا، معتبرة أن المساءلة عنصر أساسي في أي سلام مستدام.
وأكدت بولندا وأيرلندا ورومانيا وألمانيا وليختنشتاين وسويسرا واليابان مواقف متقاربة بشأن ضرورة حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
أما مولدوفا فأشارت إلى تأثير الحرب على أمن المنطقة، وقالت إنها سجلت عشرات الحوادث المتعلقة بدخول طائرات مسيّرة المجال الجوي المولدوفي، داعية إلى وقف الحرب.
في المقابل، شككت موريتانيا في دقة بعض المعلومات الواردة في التقرير، داعية المفوضية إلى الالتزام بالموضوعية والاستقلالية وعدم الانتقائية، بينما اعتبر الاتحاد الروسي أن التقرير لم يعكس، من وجهة نظره، الصورة الكاملة للوضع، وانتقد ما وصفه بالاعتماد على معلومات غير موثقة.
أما الصين، فدعت إلى ضبط النفس واحترام القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والعاملين في المجال الإنساني، مؤكدة أن الحوار والتفاوض يمثلان، في رؤيتها، الطريق إلى حل الأزمة.
السلام والمساءلة
وفي ختام عرضه، دعا فولكر تورك إلى تحول حاسم نحو خفض التصعيد وإعادة تنشيط المفاوضات، مع اتخاذ تدابير فورية للحد من أثر الحرب على المدنيين.
واقترح تعزيز الترتيبات التي يمكن أن تحيد منشآت الطاقة والكهرباء عن العمليات العسكرية، والسماح للمدنيين بمغادرة بعض المناطق، إضافة إلى تسهيل تبادل أسرى الحرب.
وأكد أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلًا لجهود أوسع من أجل سلام يقوم على حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الجمعية العامة.
وبينما تتباين مواقف الدول بشأن المسؤوليات السياسية والعسكرية عن استمرار الحرب، بدا أن حماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات تمثلان محورًا أساسيًا في النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تأثير استمرار العمليات العسكرية على الخدمات الأساسية والأطفال والنازحين والمحتجزين.
ويبقى التحدي، وفق ما عكسه النقاش، في تحويل الدعوات إلى حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات وإعادة إطلاق المفاوضات إلى إجراءات عملية، بما يحد من الخسائر الإنسانية ويفتح الطريق أمام تسوية تحترم القانون الدولي وتضع حقوق الضحايا في صدارة أي مسار للسلام.
