دعا المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، بيدرو أروخو أغودو، إلى التعامل مع الصرف الصحي باعتباره حقاً إنسانياً أصيلاً لا يقل أهمية عن الحق في المياه، محذراً من أن غياب خدمات الصرف الصحي الملائمة يهدد حقوقاً أساسية أخرى، من بينها الحق في الصحة والغذاء والسكن اللائق والبيئة الصحية، كما شدد على ضرورة تحميل المتسببين في التلوث مسؤولية الأضرار الناجمة عن الأنشطة الصناعية والزراعية والتعدينية وغيرها.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الاجتماع العاشر للمجلس، الذي خصص للحوار مع المقرر الخاص المعني بحق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، حيث عرض أغودو تقريره الأخير، في ختام ولايته التي تنتهي نهاية أكتوبر، متناولاً التحديات العالمية التي تواجه إعمال الحق في الصرف الصحي، إلى جانب نتائج زيارته إلى مصر عام 2026، وما رصده بشأن إدارة المياه والتلوث والضغوط المتزايدة على نهر النيل ومنطقة الدلتا.
وفي كلمته أمام المجلس، استعاد المقرر الخاص السنوات الست التي قضاها في ولايته، مشيرا إلى أنه واجه خلالها وقائع وصفها بالمروعة، لكنه شهد في الوقت ذاته نماذج تبعث على الأمل، خاصة من جانب الأشخاص الذين يواجهون التهميش والظلم ويتمسكون بحقوقهم.
وقال إن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترفت عام 2010 بالحق الإنساني في مياه الشرب والصرف الصحي، قبل أن يتبلور لاحقاً الاعتراف بالصرف الصحي باعتباره حقاً إنسانياً مستقلاً.
وأوضح أن الاهتمام بالمياه غالباً ما يتقدم على الصرف الصحي، نظراً لما تحظى به قضية المياه من حضور سياسي أكبر، إلا أن العلاقة بين الحقين لا تسمح بالفصل بينهما؛ إذ إن غياب الصرف الصحي المناسب ينعكس مباشرة على جودة المياه، والصحة العامة، وسلامة الغذاء، والسكن والبيئة.
الصرف الصحي.. حق يرتبط بالكرامة
وقدّم أغودو تصوراً واسعاً لمفهوم الصرف الصحي، بحيث لا يقتصر على إنشاء شبكات أو مرافق، وإنما يشمل توفير مراحيض تضمن الخصوصية والكرامة والنظافة، وربط ومعالجة مياه الصرف المنزلية، والتعامل الآمن مع الفضلات، والنظافة المرتبطة بالدورة الشهرية، وتصريف مياه الأمطار، وإدارة النفايات الصلبة لمنع تلوث مصادر المياه.
وأكد أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند توفير البنية الأساسية، بل تمتد إلى ضمان محطات معالجة مياه الصرف، والتعامل السليم مع الحمأة الناتجة عن خزانات الصرف الصحي، خصوصاً في المناطق الريفية، مع دراسة بدائل مثل أنظمة الصرف الصحي الجاف.
وشدد على أن تحميل الأسر الفقيرة أو المجتمعات المحلية مسؤولية توفير هذه الخدمات من مواردها الخاصة، رغم عدم امتلاكها الإمكانات اللازمة، يتعارض مع كون الصرف الصحي حقا من حقوق الإنسان، داعياً الحكومات إلى وضع سياسات عامة واضحة، والتعاون مع السلطات المحلية والمجتمعات، وتوفير المواد والمرافق والخدمات اللازمة، إلى جانب حملات التوعية والتثقيف الصحي.
وتطرّق المقرر الخاص كذلك إلى التمييز المرتبط ببعض الممارسات الاجتماعية، مشيراً إلى استمرار تعرض نحو 250 مليون شخص للاستغلال في أعمال مهينة، من بينها جمع الفضلات يدوياً، وهي ممارسات تتحمل النساء جانباً كبيراً منها. وأكد أن حظر هذه الممارسات قانوناً لا يكفي، وإنما يتعين العمل على القضاء عليها فعلياً ومعالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح باستمرارها.
الدورة الشهرية جزء من الحق في الصرف الصحي
وأفرد أغودو مساحة خاصة لصحة ونظافة الدورة الشهرية، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الحق الإنساني في الصرف الصحي، داعياً الدول إلى توفير المرافق والمواد والخدمات التي تتيح للنساء والمراهقات وغيرهن ممن يحضن التعامل مع الدورة الشهرية في ظروف تحفظ الصحة والكرامة والنظافة.
وتقاطعت هذه الرؤية مع مواقف عدد من الدول خلال الحوار، إذ أعربت ألمانيا وإسبانيا عن القلق من التأثير غير المتناسب لغياب خدمات الصرف الصحي على النساء والفتيات، وما يترتب على ذلك من آثار على الصحة والنظافة والحقوق الجنسية والإنجابية.
كما أكدت دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق، التي تحدثت باسمها فنلندا، ضرورة أن تقوم سياسات الصرف الصحي على المساواة وعدم التمييز والمشاركة والمساءلة والاستدامة، مع مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمشة، مشيرة إلى أن النساء والفتيات يتحملن أعباء أكبر بسبب نقص الخدمات، بما يؤثر أيضاً في فرصهن التعليمية والاقتصادية.
التلوث.. مسؤولية من يتسبب فيه
وفي محور آخر، دعا المقرر الخاص إلى التطبيق الصارم لمبدأ «الملوث يدفع»، إلى جانب مبدأ الاستعادة، لمواجهة التلوث المتزايد للمياه بالمعادن الثقيلة والمواد الزراعية السامة والملوثات الكيميائية الناتجة عن التعدين واستغلال الوقود الأحفوري والزراعة المكثفة والأنشطة الصناعية.
وحذّر من أن تبرير هذه الأنشطة باعتبارات التنمية الاقتصادية لا ينبغي أن يكون سبباً لتجاهل آثارها الصحية والبيئية، داعياً إلى نشر البيانات المتعلقة بمستويات التلوث، خاصة أن بعض المواد السامة تتراكم تدريجياً وتترك آثاراً طويلة الأمد على مئات الملايين من الأشخاص، بينهم الأطفال والرضع.
ورأى أن منع الأنشطة شديدة التلوث، وإلزام المتسببين في الضرر بتنظيف البيئات الملوثة، يمثلان جزءاً أساسياً من التزامات الدول في حماية الحق في المياه والصرف الصحي.
الفقر لا يبرر تهميش الحقوق
وشدد أغودو على ضرورة تطبيق مبدأ الأولوية عند تخصيص الموارد العامة، مؤكداً أن محدودية الأموال لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتهميش حقوق الإنسان، حتى في الدول الفقيرة.
وأشار إلى أن المياه تمثل أولوية قصوى للأسر الأشد فقراً، وغالباً ما تتحمل النساء الجزء الأكبر من الوقت والجهد اللازمَين لتوفيرها، داعياً الحكومات إلى الاقتداء بهذه الأولوية وتوجيه الموارد العامة نحو الاستثمارات الأساسية، مع الاستعانة عند الحاجة بتمويل من أسواق رأس المال والبنوك متعددة الأطراف، بما يسمح بإنشاء آليات تمويل تستطيع البلديات والمجتمعات المحلية تحمل تكلفتها.
كما دعا إلى تعزيز النماذج التي تقودها المجتمعات المحلية في إدارة المياه والصرف الصحي، خاصة في المناطق الريفية والأطراف الحضرية والمناطق التي لا تصل إليها الخدمات بصورة كافية، مع ضمان مشاركة متساوية للنساء.
مصر.. النيل تحت ضغط السكان والتلوث والتغير المناخي
وخلال عرضه نتائج زيارته إلى مصر عام 2026، أعرب المقرر الخاص عن تقديره للحكومة المصرية لدعوته وتعاونها، وكذلك للجهات الحقوقية وخبراء إدارة المياه الذين التقاهم خلال الزيارة.
وحدد أغودو تحديين رئيسيين في الحالة المصرية، أولهما حجم الضغط الواقع على نهر النيل، الذي يمتد لنحو ألف كيلومتر داخل البلاد، فيما يتركز نحو 120 مليون شخص في نطاقه، مع كثافة الأنشطة الإنتاجية، خصوصاً في منطقة الدلتا.
وأشار إلى أن نحو 50 مليون شخص في الدلتا يواجهون تداعيات ارتفاع مستوى سطح البحر وتملح الأراضي المرتبطَين بتغير المناخ، في وقت يمثل فيه التلوث التراكمي الناجم عن التصريفات الصناعية والحضرية ومياه الري تهديداً لجودة المياه بالنسبة إلى عشرات الملايين من الأشخاص.
كما أشار إلى أن التوسع في مشروعات الري الصحراوي وتحويل مجاري المياه واستنزاف الموارد التي يمكن استخدامها لمواجهة تملح الدلتا يزيد من حجم الضغوط التي تواجه المنطقة.
ودعا إلى نشر نتائج تحاليل جودة المياه، معتبراً الشفافية في المعلومات البيئية أساساً لمعالجة مشكلات التلوث وبناء الثقة العامة، كما دعا إلى مراجعة القوانين واللوائح التي قد تؤدي إلى تجريم الإبلاغ عن مشكلات التلوث.
القاهرة.. 99% من السكان يحصلون على المياه
وفي ردها أمام المجلس، أكدت مصر أن الحق في المياه مكفول دستورياً وقانونياً، وأن خطتها الوطنية للتنمية تستند إلى ضمان هذا الحق باعتباره مرتبطاً بالحق في الحياة.
وأوضحت الدولة المعنية أنها تعمل على توفير المياه لجميع المناطق من خلال شبكاتها، مع إيلاء اهتمام خاص بالمجتمعات الأكثر احتياجاً، إلى جانب إشراك المجتمع المدني في النقاشات المرتبطة بالحصول على المياه على مستوى المجتمعات المحلية.
وأشارت إلى تنفيذ 1920 مشروعاً لمياه الشرب وتوفير المياه لنحو 99% من السكان، إلى جانب برامج متواصلة لتحسين خدمات الصرف الصحي في المناطق الحضرية والريفية.
ولفتت إلى أن مصر تواجه في الوقت ذاته تحدياً مائياً شديداً، في ظل تركز نحو 110 ملايين شخص في 6% فقط من مساحة البلاد واعتماد البلاد على نهر النيل في توفير نحو 98% من احتياجاتها المائية، فضلاً عن وجود ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء الذين يحتاجون بدورهم إلى خدمات المياه.
وأكدت القاهرة أن حجم الاستثمارات المطلوبة والتكنولوجيا اللازمة يمثلان تحدياً متزايداً، لكنها اتفقت مع المقرر الخاص على أهمية التعاون بين دول حوض النيل، خاصة أن إدارة الموارد المائية العابرة للحدود تتطلب تعاونا يضمن حقوق السكان وعدم إلحاق الضرر بأي طرف.

مياه غزة.. من الحق الإنساني إلى أداة للصراع
وحظيت الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة بحضور بارز خلال الحوار، إذ تحدثت منظمة التعاون الإسلامي، عبر باكستان، عن أزمة الوصول إلى المياه والصرف الصحي، مشيرة إلى أن نحو 2.4 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى خدمات صرف صحي تدار بأمان، فيما يفتقر 2.1 مليار شخص إلى مياه شرب تدار بأمان، و1.7 مليار إلى خدمات النظافة الأساسية.
واتهمت المنظمةُ إسرائيلَ بتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في الأرض الفلسطينية المحتلة وعرقلة عملها، مشيرة إلى انخفاض توافر المياه إلى ما يقارب خمسة لترات للفرد يومياً، ووصفت استخدام المياه في هذا السياق بأنه توظيف لها كسلاح في الحرب.
وأكدت المنظمة أن المياه لا ينبغي أن تتحول بأي حال إلى أداة للحرب أو الصراع أو الإكراه، داعية إلى الالتزام بالقانون الدولي وتوفير التمويل وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا للدول النامية.
المياه في صميم التنمية المستدامة
وتوسّعت المداخلات الدولية في ربط الحق في المياه والصرف الصحي بأهداف التنمية المستدامة، إذ أكدت الإمارات، بالنيابة عن مجموعة من الدول، أن الحصول على مياه مأمونة وصرف صحي ملائم شرط للصحة والكرامة والمشاركة الكاملة في المجتمع.
وأشارت إلى أن ندرة المياه والتلوث وتغير المناخ تزيد الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة، داعية إلى تمويل كافٍ وبناء القدرات وإدارة متكاملة ومنصفة للموارد المائية.
وفي هذا السياق، برز مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، المقرر عقده في أبوظبي خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر، باعتباره فرصة لدفع التعاون الدولي بشأن المياه والصرف الصحي وتحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية.
كما أكدت دول مجلس التعاون الخليجي أهمية إعادة استخدام مياه الصرف في الزراعة وإعادة التشجير، وتحسين مراقبة جودة المياه والحد من الفاقد، فيما شددت دول الكاريبي على أن تغير المناخ يهدد البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ويقوّض مكاسب التنمية في الدول الجزرية الصغيرة، التي تحتاج إلى تمويل أكثر مرونة ودعماً فنياً يتناسب مع ظروفها.
أما المجموعة الإفريقية، فتحدثت عن استمرار افتقار ملايين الأشخاص في المناطق الريفية والمدن سريعة النمو إلى المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي، داعية إلى إرادة سياسية وحلول مبتكرة وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة هذه الخدمات.
نحو التزام عالمي قابل للتنفيذ
وفي ختام الحوار، بدا أن النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان تجاوز مسألة إنشاء شبكات المياه والصرف الصحي إلى سؤال أوسع يتعلق بالعدالة والكرامة والمساءلة.
فالحق في الصرف الصحي، كما طرحه المقرر الخاص، لا يتحقق بمجرد وجود بنية تحتية، وإنما يتطلب خدمات مأمونة وميسورة ومتاحة للجميع، وسياسات تقضي على التمييز، وتحمي النساء والفتيات، وتمنع التلوث، وتضمن حق المجتمعات في المعرفة والمشاركة، وتحمل الملوثين مسؤولية الأضرار التي يتسببون فيها.
ومع اقتراب انتهاء ولاية أغودو، حمل تقريره الأخير رسالة واضحة إلى الدول: “المياه والصرف الصحي ليسا خدمة تكميلية يمكن تأجيلها، وإنما حقان يرتبط بهما التمتع بمجموعة واسعة من حقوق الإنسان”. ومن ثَم، فإن مواجهة ندرة المياه والتلوث وتغير المناخ لا تتطلب استثمارات تقنية فقط، بل إرادة سياسية تضع الإنسان وكرامته في قلب إدارة الموارد، وتضمن ألّا يتحول الفقر أو التنمية الاقتصادية أو الأزمات البيئية إلى مبررات لحرمان الملايين من حق أساسي في الحياة والصحة والكرامة.
