جون بيرن- موردوك*
عندما أظهرت دراسة “بيزا” التي تجريها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقياس قدرات المراهقين في القراءة والرياضيات والعلوم حول العالم تراجعاً ملحوظاً في عام 2022، كان كثيرون يأملون أن يكون ذلك مجرد ضربة قصيرة الأجل ناجمة عن اضطرابات التعلم التي خلفتها الجائحة، لكن أرقام عام 2025 التي نشرت قبل أيام، أظهرت العكس تماماً؛ إذ تسارع مسار التراجع، وبصورة إجمالية، تظهر النتائج أن الأطفال في سن الخامسة عشرة في البلدان ذات الدخل المرتفع يتأخرون اليوم بنحو عام ونصف عن نظرائهم في عام 2015، من حيث مهارات القراءة والمعرفة والاستدلال.
ينبغي لنا دائماً توخي الحذر عند المبالغة في تفسير الاتجاهات المثيرة للقلق، لكن هذه النتائج تتسق مع قياسات مستقلة لمهارات البالغين، إلى جانب الاختبارات الوطنية والاستطلاعات الممتدة على مدى سنوات، التي ترصد الصعوبات التي يواجهها الشباب في التركيز والتعلم.
وتسلط الدراسة الضوء على تأثير التشتت الرقمي داخل الفصول الدراسية وخارجها، كما تثير احتمال أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في أداء الواجبات المدرسية إلى تقويض عملية التعلم، لكن نتيجة أخرى لافتة تشير إلى أن التغييرات التي طرأت على ما يتعلمه الأطفال وكيفية تعليمهم قد تؤدي أيضاً دوراً مهماً.
خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تدفق مسؤولو التعليم إلى فنلندا التي كانت تتصدر نتائج “بيزا” في ذلك الوقت، للتعرف على ما كانت تفعله بشكل صحيح، ورأوا نظاماً يولي قيمة للمرونة والاستقلالية بالنسبة إلى الطلاب، ومناهج تركز على “المهارات القابلة للنقل”، مثل التفكير النقدي، مع إعطاء اهتمام أقل للمواد الأساسية والاختبارات الموحدة أو تصنيفات الأداء، وكتبت تقارير حافلة بالإشادة بالتجربة، ثم انتشر النموذج الفنلندي.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة؛ ففي الوقت الذي كانت هذه الزيارات تجري فيه، كانت نتائج فنلندا تتراجع بصورة مطردة، واليوم، لم تعد نتائجها أفضل كثيراً من متوسط الدول الأخرى، ويرى كثيرون أن الأداء الاستثنائي الذي حققته، والذي بلغ ذروته في نحو عام 2000، كان يعود بدرجة كبرى إلى النهج التقليدي للتعليم الشامل الذي كانت تتبعه في العقود السابقة.
بريطانيا تعكس مساراً مختلفاً
تدعم النتائج الحديثة في المملكة المتحدة هذه النظرية، فقد سلكت اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية مسارات مشابهة لمسار فنلندا خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مبتعدة عن المناهج المعتمدة ومتجهة نحو نتائج تعلم أوسع نطاقاً، كما ألغت جداول ترتيب المدارس وبعض الاختبارات الموحدة.
وفي المقابل، تمسكت إنجلترا بقوة كبرى بالمنهج المعتمد، من خلال إرشادات صارمة بشأن المحتوى الذي يتعين على المدارس تدريسه في المواد الأساسية، إلى جانب استخدام جداول ترتيب تتضمن مقاييس للأداء جعلت التلاعب بالتصنيفات أكثر صعوبة.
وبعد خمسة عشر عاماً، صمدت نتائج إنجلترا، ما دفعها إلى قائمة أفضل عشر دول على المستوى الدولي، في حين انهارت النتائج في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية.
وتتكرر القصة نفسها في الولايات المتحدة، حيث حقق الأطفال في الولايات الجنوبية الأفقر، مثل ميسيسيبي، تقدماً هائلاً، متجاوزين نظراءهم في ولايات ثرية مثل كاليفورنيا، وانتقلوا من مستويات أقل كثيراً من المتوسط الوطني إلى مستويات أعلى منه، وكان التحسن واضحاً بصورة خاصة بين الأطفال الذين حصلوا على أدنى الدرجات.
وهناك، كما هو الحال في المملكة المتحدة، تتمثل أكثر التفسيرات شيوعاً في تبني ميسيسيبي أساليب تدريس قائمة على الأدلة داخل الفصول الدراسية، منها تعليم الصوتيات في سن مبكرة، إلى جانب تركيزها على المساءلة، بدءاً من تصنيفات المدارس ووصولاً إلى اشتراط أن يكون الأطفال قادرين على القراءة قبل انتقالهم إلى المرحلة التالية.
هل يضر التركيز على الأداء بالأطفال؟
لكن الحجج المضادة الشائعة تبدو ضعيفة، فهل يضر النموذج الذي يركز على الأداء بالأطفال؟ يبدو أن الإجابة هي لا؛ إذ تشير ديزي كريستودولو، مديرة التعليم في مؤسسة “نو مور ماركينج” ومؤلفة ثلاثة كتب عن التعليم القائم على الأدلة، إلى أن تلاميذ المدارس في إنجلترا يعلنون عن المستويات نفسها من السعادة أو الضغط التي يعلن عنها نظراؤهم في اسكتلندا وويلز، كما لا توجد فروق في الصحة النفسية.
وماذا لو كانت تقييمات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تختبر فقط إتقاناً ضيقاً للمعارف وتفشل في قياس مجموعات المهارات الأوسع التي يفضل آخرون التركيز عليها؟ إذا كان هناك شيء، فهو العكس؛ فقد صممت اختبارات “بيزا” تحديداً لقياس مجموعات المهارات التي يفترض أن يطورها الأطفال، سواء كانوا في إنجلترا أو اسكتلندا أو فنلندا أو الصين.
ومن المفارقات، كما تقول كريستودولو، أن مهارات مثل التفكير النقدي والإبداع تعتمد في كثير من الأحيان بدرجة كبيرة على المعرفة، وهي المعرفة التي يميل مؤيدو هذه المهارات إلى التقليل من شأنها.
ويتمثل قلقي في أن العقد الماضي شهد، في كثير من البلدان، مزيجاً خطيراً من إضعاف المعايير وتراجع الصرامة في التعليم.
وقد حدث ذلك في الوقت نفسه الذي جعل فيه تصاعد المشتتات الرقمية والطرق المختصرة هذه المهارات أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ إذ يحتاج الشباب إلى تطوير المعارف والقدرات التي سيحتاجون إليها لمواجهة مستقبل يزداد غموضاً وعدم يقين.
* نقلا عن فايننشيال تايمز
ترجمة: زينب مكي
