التعليم ليس امتيازاً يُمنح في أوقات الاستقرار فقط، إنه حق أساسي، وشرط للكرامة، وأداة للخروج من الفقر، وبوابة لممارسة حقوق أخرى، لكن هذا الحق يجد نفسه اليوم محاصراً من أكثر من جهة: النزاعات المسلحة، التمييز ضد الفتيات، الفقر، الفجوة الرقمية، تدمير البنية التحتية، وغياب السياسات الشاملة للفئات الأضعف.
خلال مناقشات مجلس حقوق الإنسان حول تجديد ولاية المقرر الخاص المعني بالحق في التعليم، لم يُطرح التعليم كملف قطاعي ضيق، بل كقضية حقوقية مركزية، البرتغال، مقدمة مشروع القرار، شددت على أن التعليم أساس للصمود والتنمية المستدامة وتحقيق أهداف خطة 2030، وأنه مرتبط بمواجهة عدم المساواة، والمعلومات المضللة، والأزمات المناخية، وبناء المهارات الأساسية والرقمية.
هذه الرؤية مهمة لأن التعليم ليس مجرد مقعد وكتاب، المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يفكر، وكيف يشارك، وكيف يعرف حقوقه، وكيف يرى نفسه جزءاً من المجتمع، وعندما يُحرم الطفل من التعليم، فإن الخسارة لا تقف عند مستوى المعرفة، بل تمتد إلى فرص العمل، والصحة، والمشاركة السياسية، والحماية من الاستغلال.
ربط التعليم بالنزاعات
إسبانيا قدمت واحدة من أكثر المداخلات وضوحاً في ربط التعليم بالنزاعات والتمييز، فقد أشارت إلى أوضاع النساء والفتيات في أفغانستان، حيث يشكل حرمانهن من التعليم انتهاكاً خطيراً لا يمكن تطبيعه، كما تحدثت عن تدمير البنية التحتية التعليمية في غزة، مؤكدة أن تدمير المدارس يعني تدمير مستقبل الأجيال.
وأشارت أيضاً إلى الممارسات الروسية في الأراضي الأوكرانية المحتلة، هذه الأمثلة تكشف أن الحق في التعليم قد يُنتهك بأشكال مختلفة: المنع، القصف، التسييس، تغيير المناهج، أو تحويل المدرسة إلى ضحية للنزاع.
حين تُقصف مدرسة، لا يُدمر مبنى فقط، يُدمر إحساس الطفل بالأمان، وينقطع روتين الحياة، وتزداد احتمالات التسرب، والفقر، والعمل المبكر، والزواج المبكر، والعنف، وحين تُمنع فتاة من التعليم، لا يُسلب حق فردي فقط، بل تُحرم أسرة ومجتمع من طاقة كاملة، لذلك فإن تعليم الفتيات ليس قضية مساواة فقط، بل قضية تنمية وعدالة ومستقبل.
دمج حقوق الإنسان في التعليم
مصر ركزت على البعد القيمي للتعليم، معتبرة أنه يبني شخصية الإنسان، ويعزز الكرامة الإنسانية، ويرسخ قيم التفاهم والتسامح والصداقة بين الشعوب، كما أشارت إلى دمج حقوق الإنسان في التعليم ضمن الاستراتيجية الوطنية، من خلال المناهج وبناء قدرات المعلمين، هذه النقطة أساسية، لأن التعليم قد يكون أداة لتحرير التفكير، لكنه قد يكون أيضاً أداة لإعادة إنتاج التمييز إذا لم تُدمج فيه قيم الحقوق والمواطنة.
غامبيا شددت على أن التعليم يكسر دوائر الفقر والتهميش، وأن غياب الوصول إليه يعمق الفجوة الرقمية وعدم المساواة، ولفتت إلى ضرورة ضمان التعليم للفتيات، والأطفال ذوي الإعاقة، وسكان المناطق الريفية، والأشخاص المتأثرين بالفقر، هنا تظهر حقيقة مهمة: الحق في التعليم لا يتحقق بمجرد فتح المدارس، يجب أن تكون المدارس قابلة للوصول، آمنة، دامجة، جيدة، وقادرة على استقبال الأطفال المختلفين في ظروفهم واحتياجاتهم.
كوبا، من جهتها، ربطت الحق في التعليم بآثار الإجراءات الاقتصادية والحصار، معتبرة أن نقص الوقود والموارد يؤثر على النظام التعليمي، هذا يفتح زاوية إضافية: التعليم لا يتأثر فقط بالحرب أو التمييز، بل أيضاً بالاقتصاد والسياسات الدولية والقدرة المالية للدول، ومع ذلك، يبقى على الدولة واجب حماية هذا الحق وتقديمه كأولوية.
بيئة تعليمية رقمية
في العصر الرقمي، يظهر تحدٍ جديد.. المهارات الرقمية والوصول إلى التكنولوجيا، فالطفل الذي لا يملك إنترنت أو جهازاً أو بيئة تعليمية رقمية يصبح متأخراً عن غيره، حتى لو كان مسجلاً في المدرسة، الفجوة الرقمية اليوم هي شكل جديد من أشكال عدم المساواة التعليمية، وقد تتحول إلى فجوة في فرص العمل والمشاركة مستقبلاً.
لذلك فإن تجديد ولاية المقرر الخاص ليس إجراءً روتينياً، إنه تأكيد على أن التعليم يحتاج إلى رقابة دولية، وتوصيات، وتبادل خبرات، ومتابعة للفئات التي تُترك خارج الصفوف، فالحق في التعليم لا يُقاس بعدد المدارس فقط، بل بمن بقي خارجها ولماذا.
مدارس تحت النار، وفتيات خارج الصفوف، وأطفال بلا وصول رقمي، ومجتمعات فقيرة تبحث عن فرصة، هذه ليست قضايا منفصلة، بل وجه واحد لأزمة عالمية في العدالة التعليمية، وإذا كان العالم يريد مستقبلاً أكثر سلاماً ومساواة، فعليه أن يبدأ من المدرسة، لا من بيانات القلق بعد ضياع الجيل.
