تحولت وثيقة “غير المحكوم” في محافظة دير الزور السورية من إجراء إداري يفترض أن يكون سريعًا وبسيطًا إلى أزمة خدمية تضغط على الناس في لحظة معيشية شديدة الهشاشة، بعدما بات كثير من الشبان يضطرون إلى الوقوف في طوابير طويلة أمام فرع الأمن الجنائي، وأحيانًا إلى تكرار المراجعة لأيام متتالية، فقط للحصول على وثيقة أصبحت شرطًا أساسيًا للتوظيف واستكمال معاملات أخرى.
وبحسب ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، فإن الضغط الكبير في دير الزور دفع كثيرين إلى تفضيل السفر إلى دمشق، رغم الكلفة، لأن إنجاز الوثيقة هناك قد يتم في وقت أقصر مقارنة بما وصفه الأهالي بـ”جحيم الانتظار” في مراكز محافظتهم.
وتزداد حدة الأزمة لأن هذه الوثيقة لا تُطلب في ملف واحد فقط، بل ترتبط بمجموعة واسعة من المعاملات، من أبرزها التقدم إلى الوظائف العامة وبعض دورات الانتساب الأمني والإداري، إضافة إلى ملفات السفر وبعض الإجراءات الرسمية الأخرى.
في يناير الماضي، أدرجت وزارة الداخلية، عند فتح باب الانتساب لدورة “أفراد” مخصصة لمحافظات دير الزور والحسكة والرقة، وثيقة “غير محكوم” ضمن الأوراق المطلوبة رسميًا، إلى جانب إخراج القيد والهوية والصور الشخصية والبيان العائلي.
الطلب على الوثيقة ارتفع بشدة بسبب الحاجة إليها في التقديمات الجامعية وتجديد الإقامات والسفر والمعاملات الأخرى، بعد توقف الخدمة لأكثر من خمسة أشهر، وهذا يعني أن الاختناق الحالي لا يعود فقط إلى سوء التنظيم المحلي، بل أيضًا إلى تراكم طلبات مؤجلة واتساع الاستخدام الإداري للوثيقة نفسها.
استئناف منح الوثيقة
“طوابير طويلة” كانت تقف أمام إدارة المباحث الجنائية في دمشق بعد استئناف منح الوثيقة في مايو الماضي، إذ إن التوقف الطويل للخدمة سابقًا جعل الإقبال “كبيرًا جدًا”، أما بالنسبة إلى دير الزور، فالواقع كان مشابها أو أشد صعوبة، حيث يبدأ بعض المراجعين رحلتهم من ساعات الليل أو الفجر، ويضطرون أحيانًا إلى الانتظار حتى المساء من دون ضمان إنجاز المعاملة في اليوم نفسه.
وتتضاعف المشكلة في دير الزور بسبب البعد الجغرافي واتساع المحافظة وغياب مراكز خدمية كافية في المدن والبلدات الرئيسية خارج مركز المدينة.
المرصد السوري أشار إلى أن كثيرًا من الشبان القادمين من ريف دير الزور يضطرون إلى قطع مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى الفرع المختص، وهو ما يعني وقتًا مهدورًا وتكاليف نقل إضافية، فضلًا عن احتمال خسارة فرص عمل إذا تأخر استخراج الوثيقة.
كما نقل المرصد مطالبات متكررة بافتتاح مراكز بديلة في البوكمال والميادين وهجين لتخفيف العبء عن المركز الرئيسي. هذه المطالب تبدو منطقية إداريًا في محافظة واسعة جغرافيًا وتضم كتلة سكانية موزعة على مدن وأرياف متباعدة.
توسيع خدمة “غير محكوم”
اللافت أن هذا الضغط يأتي في وقت بدأت فيه الحكومة السورية الإعلان عن توسيع خدمة “غير محكوم” خارج المقرات التقليدية للأمن الجنائي، فقد ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في 4 فبراير الماضي أن وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات أنهت، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، المراحل اللازمة لاستئناف تقديم الخدمة عبر مكاتب محددة تابعة للبريد في المحافظات، في إطار خطة لتبسيط الإجراءات أمام المواطنين.
وذكرت في 29 مارس الماضي أنه تم استئناف تقديم الخدمة في الصالة المركزية بساحة الحجاز في دمشق، وفي مديرية بريد الجميلية بحلب، وفي مكاتب بريد هنانو والثورة والجامعة في إدلب، مع تأكيد أن تجهيزات باقي المحافظات ستُستكمل تباعًا.
لكن هذه التغطية الرسمية لم تذكر دير الزور ضمن المراكز التي دخلت الخدمة حتى ذلك التاريخ، وهو ما يساعد على تفسير سبب استمرار الاختناق هناك مقارنة ببعض المناطق الأخرى.
وفي دمشق تحديدًا، كانت السلطات قد تحركت قبل ذلك لتوسيع الخدمة داخل المدينة نفسها، إذ أفادت سانا في أكتوبر 2025 بتفعيل إصدار وثيقة “غير محكوم” في ستة مراكز خدمة مواطن جديدة، إضافة إلى أربعة مراكز كانت بدأت تقديم الخدمة في أواخر أغسطس من العام نفسه، في خطوة قالت محافظة دمشق إنها تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وتوسيع نطاق الخدمة.
هذه المقارنة تبرز التفاوت الواضح بين العاصمة وبعض المحافظات الطرفية.. ففي حين جرى تعزيز الوصول إلى الوثيقة في دمشق عبر تعدد المراكز، لا تزال دير الزور، بحسب ما تظهره الشهادات والمواد المحلية، تعاني من تمركز الخدمة واختناقها.
وثيقة من أجل “لقمة العيش”
لا تبدو المشكلة إدارية فقط، بل معيشية أيضًا، فحين تصبح وثيقة مطلوبة من أجل التوظيف والحصول على “لقمة العيش”، فإن تأخرها يتحول إلى تكلفة مباشرة على الأسرة، سواء عبر أجور النقل، أو خسارة أيام عمل، أو ضياع فرصة التقدم لوظيفة ضمن المهلة المحددة.
وهذا المعنى حضر بوضوح في المقتطفات المتداولة من المواد المحلية عن دير الزور، حيث جرى الربط بين المعاملة الورقية وبين قدرتهم على تأمين مصدر دخل في ظل تردي الظروف الاقتصادية.
في دمشق، وُضعت المشكلة في سياق مشابه، إذ اعتُبر التكدس نتيجة مباشرة لتوقف الخدمة الطويل ثم العودة إليها وسط حاجة المواطنين الملحة لإنجاز معاملات متراكمة وحيوية.
مشكلة إدارية متكررة
ومن زاوية خدمية أوسع، تكشف أزمة “غير المحكوم” في دير الزور عن مشكلة متكررة في الإدارة العامة السورية؛ مركزية الخدمة مقابل اتساع الحاجة إليها، فالوثيقة مطلوبة على نطاق واسع، لكن الوصول إليها لا يزال متفاوتًا بين محافظة وأخرى، وبين العاصمة والأطراف، وبين المدن الرئيسية والريف.
وبينما تتحرك الجهات الرسمية لتوسيع إصدارها عبر البريد أو مراكز خدمة المواطن في بعض المناطق، لا تزال مناطق مثل دير الزور تدفع ثمن هذا التفاوت بشكل يومي.
ولهذا، تبدو مطالب افتتاح مراكز بديلة في مدن الريف الشرقي والغربي أو توسيع منافذ إصدار الوثيقة داخل المحافظة جزءًا من معالجة إدارية ضرورية، لا مجرد مطلب محلي عابر.
