بيثاني ماندل
قيل للأمريكيين مراراً إن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سيؤدي إلى انتزاع حقوق النساء وتقويض مكانتهن، لكن المفارقة أن الحاكمة كاثي هوكول هي اليوم من تستعد لتحقيق هذا التنبؤ في ولاية نيويورك.
فالولاية تتجه بسرعة نحو واقع يشبه رواية «حكاية الجارية»، ليس بسبب المحافظين كما يُشاع، بل بسبب الديمقراطيين الذين يسيطرون على أروقة الحكم في ألباني.
فقد أقر المجلس التشريعي للولاية مشروع القانون رقم 9316، وإذا وقّعته الحاكمة ليصبح نافذاً، فإن القوانين في نيويورك ستستبدل كلمتي «الأم» و«الأب» بمصطلحات يُطلق عليها “محايدة جندرياً”.
وبموجب هذا المشروع، ستصبح الأم «الوالد الحامل»، في حين يصبح الأب “الوالد غير الحامل”.
وباسم الشمولية والاحتواء، نجح المشرّعون في نيويورك في ارتكاب خطوة أراها شديدة الرجعية؛ إذ يسعون إلى تجريد النساء من واحدة من أعمق الهويات الإنسانية وأكثرها معنى: هوية الأم.
قبل أسابيع قليلة فقط، احتفل الأمريكيون بعيد الأم، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل الإشادة بالأمهات، وبما يقدمنه من تضحيات وحب ودور لا يمكن الاستغناء عنه في حياة أبنائهن.
أرسلت المدارس بطاقات المعايدة التي صنعها الأطفال بأيديهم، وازدحمت المطاعم بالعائلات التي جاءت لتكريم النساء اللواتي أنجبن أبناءهن وربينهم.
لكن كثيراً من السياسيين الذين احتفوا بالأمهات في ذلك اليوم يدعمون الآن تشريعاً يفيد عملياً بأن كلمة «أم» لم تعد مناسبة للاستخدام.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تغيير لغوي أو اصطلاحي؛ فلهذا المشروع تبعات قانونية حقيقية، خصوصاً في محاكم الأسرة والإجراءات القانونية التي اعتادت الاعتراف بالأم والأب باعتبارهما يؤديان أدواراً متميزة في حياة الأطفال.
وعندما يتم اختزال الأمومة إلى وظيفة بيولوجية محايدة جندرياً، فإن المشرّعين لا يغيرون الكلمات فحسب، بل يعيدون تعريف واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية أساسية وعمقاً.
وما يجعل الأمر أكثر إثارة للاستياء، في رأيي، هو الطبيعة اللاإنسانية للمصطلحات الجديدة المقترحة.
فالتقدميون لا يتوقفون عن الحديث بحماسة عن تمكين المرأة والدفاع عن حقوقها الإنجابية، لكنهم هم أنفسهم من ابتكر مصطلح «الوالد الحامل»، وهو تعبير يختزل المرأة في أعضائها ووظيفتها الإنجابية فقط.
إن هذا الوصف يجرد الأمومة من بعدها الإنساني والتاريخي والعاطفي، ومن معاني التضحية والمحبة والانتماء التي ارتبطت بها عبر الأجيال، ويستبدلها بلغة جافة وباردة أقرب إلى مصطلحات الكتب الطبية أو سجلات تربية الماشية.
وبصفتي أماً لستة أطفال، أجد هذا الاختزال مهيناً وغريباً في آن واحد.
فالأمومة ليست حدثاً بيولوجياً ينتهي بمجرد الولادة.
عندما يستيقظ أطفالي مذعورين من كابوس ليلي، فإنهم لا ينادون «الوالد الحامل». وعندما يكتبون بطاقات التهنئة أو يرسمون رسائل الحب على الأوراق الملونة، فإنهم لا يكتبون: “إلى والدي الحامل المفضل”، إنهم ببساطة يكتبون: “أمي”.. الأمومة ليست حالة طبية.
ولعقود طويلة، دافعت الحركات النسوية ــ بحق ــ عن فكرة أن المرأة يجب ألا تُختزل في قدرتها على الإنجاب.
لكننا وصلنا اليوم إلى لحظة يتولى فيها مشرّعون تقدميون اختزال التجربة الأكثر أهمية في حياة كثير من النساء إلى مجرد عملية جسدية.
ومن الصعب بالنسبة لي تصور وصف أكثر تجريداً للمرأة من إنسانيتها من هذا الوصف.
فأهمية الأمومة لا تنبع من الحمل ذاته؛ فالحمل ليس سوى بداية القصة.
أما القيمة الحقيقية للأمومة فتكمن في كل ما يأتي بعد ذلك: الرعاية، والتربية، والاحتواء، والحضور اليومي الذي يستمر سنوات طويلة.
وهذا تحديداً هو ما يستهدفه ديمقراطيو نيويورك من خلال هذا التشريع.
إن نساء نيويورك لا يحتجن إلى إذن من سلطات الولاية كي يطلقن على أنفسهن اسم «أمهات». كما أنهن لا يحتجن إلى ناشطين تقدميين يختزلونهن في وظائفهن الإنجابية تحت شعار التقدم.
الأم ليست “والداً حاملاً”.
لم تكن كذلك يوماً، ولن تكون كذلك أبداً.
وكون هذا الإهانة، من وجهة نظري، تُكتب اليوم في نص قانوني رسمي، يكشف الكثير عن الحركة السياسية التي تخوض بالفعل حرباً على النساء.
*نقلاً عن نيويورك بوست
