منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

السجون شديدة الحراسة.. حين تتحول العقوبة إلى انتهاك للكرامة الإنسانية

16 أبريل 2026
السجون شديدة الحراسة مخصصة لحجز السجناء شديدي الخطورة
السجون شديدة الحراسة مخصصة لحجز السجناء شديدي الخطورة

صفر- د. منى اللواتي

لا تقاس قسوة السجون شديدة الحراسة فقط بدرجات التأمين أو طبيعة النزلاء المحتجزين فيها، بل أيضًا بمدى احترامها للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية داخل فضاء يفترض، من حيث الأصل، أن يخضع للقانون لا للانتقام، فالسجن، وفق المعايير الحقوقية الدولية، ليس أداة لتعطيل إنسانية الفرد أو تدمير سلامته النفسية والجسدية، وإنما وسيلة قانونية لتقييد الحرية في إطار العدالة والمساءلة.

ومع ذلك، تكشف أوضاع الاحتجاز في عدد من السجون المصنفة بين الأخطر عالميًا عن واقع أكثر قتامة، حيث يمتد أثر العقوبة إلى ما يتجاوز الحرمان من الحرية ليطال شروط العيش الأساسية، والصحة، والتوازن النفسي، وإمكانية التواصل الإنساني.

وفي عدد من هذه المنشآت، يتكرر نمط من الممارسات يثير قلقًا حقوقيًا متزايدًا، من بينها العزل الانفرادي المطوّل، والاحتجاز في زنازين ضيقة لفترات شبه دائمة، وضعف الرعاية الصحية، والقيود الشديدة على الزيارة والتواصل، فضلًا عن محدودية الرقابة المستقلة والمساءلة الفعالة.

ورغم اختلاف النظم السياسية والقانونية التي تنتمي إليها هذه السجون، فإنها تتقاطع في نقطة جوهرية: تحويل الحراسة المشددة من إجراء أمني استثنائي إلى بيئة احتجاز قد تفضي، في بعض الحالات، إلى الإضرار الممنهج بالكرامة الإنسانية.

عزل المصنفين أكثر خطورة

ويعرّف المكتب الفيدرالي للسجون في الولايات المتحدة هذا النوع من المنشآت بوصفه مخصصًا لعزل السجناء المصنفين الأكثر خطورة، حيث يقضي المحتجزون فترات طويلة داخل زنازين فردية مع أدنى قدر ممكن من التفاعل البشري.

لكن القراءة الحقوقية لهذا النموذج تتجاوز الوصف الإداري إلى مساءلة أثره الإنساني؛ إذ ترى منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس ووتش، أن الاعتماد على العزل شبه التام بوصفه أداة أساسية للضبط يطرح أسئلة جدية حول حدود العقوبة المشروعة، وما إذا كانت بعض هذه الممارسات تقترب من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، خصوصًا حين تطول مدتها أو تُفرض في غياب رقابة فعالة وضمانات كافية.

ومن هنا، فإن النظر إلى السجون الأشد خطورة في العالم لا ينبغي أن يقتصر على بُعدها الأمني أو على السمعة المرتبطة بخطورة من يُحتجزون فيها، بل يجب أن يشمل أيضًا الكلفة الإنسانية والحقوقية لهذا النموذج من الاحتجاز.

فاختبار عدالة أي نظام عقابي لا يظهر فقط في قدرته على فرض السيطرة، بل في مدى التزامه بعدم تحويل العقوبة إلى انتهاك إضافي، وعدم السماح بأن يصبح السجن نفسه مساحة معزولة عن القانون والمعايير الدولية التي يفترض أن تحكم معاملة جميع المحتجزين، مهما كانت التهم الموجهة إليهم أو خطورتهم المفترضة.

دوافع تتجاوز الأمن

في حين توضّح وزارة العدل الأمريكية أن هذه السجون تهدف إلى “السيطرة على السجناء الذين يشكّلون تهديدًا مستمرًا للأمن داخل المؤسسات الإصلاحية”، تكشف تجارب دولية أن هذه المنشآت لا تُستخدم دائمًا بدافع أمني خالص، بل تتحول في بعض السياقات إلى أداة للضغط السياسي.

ويظهر ذلك في نماذج مثل المعسكر 22 في كوريا الشمالية، وفق تقارير أممية، وكذلك في مراكز الاحتجاز في شينجيانغ بالصين، التي تناولتها تقارير دولية عدة، إلى جانب معتقل غوانتانامو، الذي أثار جدلا واسعًا بشأن الاحتجاز طويل الأمد خارج الأطر القضائية التقليدية.

وتواجه المنظمات الحقوقية تحديات كبيرة في توثيق الأوضاع داخل هذه السجون، حيث تتراوح القيود بين المنع الكامل والزيارات المحدودة أو الخاضعة للرقابة.

وفي بعض الحالات، يعتمد التوثيق على شهادات ناجين أو صور الأقمار الصناعية، ما يعكس صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة ويحدّ من قدرة الرقابة المستقلة.

ولا يقتصر التحدي على إدارة السجون، بل يمتد إلى ضمان أن تبقى العقوبة ضمن حدودها القانونية، دون أن تتحول إلى ممارسات تمس الكرامة الإنسانية، وهو ما يجعل الالتزام بالمعايير الحقوقية والرقابة الفعالة عاملين حاسمين في ضبط هذه الأنظمة.

من العقوبة إلى الانتهاك

في هذا السياق، تنص الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على وجوب احترام الكرامة الإنسانية لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، مع حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة.

كما حذّر المقرر الخاص السابق المعني بالتعذيب خوان مينديز من أن العزل الانفرادي المطوّل “قد يرقى إلى التعذيب”، وهو ما يعكس خطورة هذه الممارسات في حال غياب الضوابط.

وتشير التقديرات، وفق تقرير Solitary Watch لعام 2023، إلى أن أكثر من 122 ألف سجين يُحتجزون يوميًا في ظروف العزل الانفرادي في الولايات المتحدة، وهو رقم يشمل مختلف أشكال العزل داخل منظومة السجون، حيث يقضي بعضهم ما يصل إلى 23 ساعة يوميًا داخل زنازين مغلقة.

ويُقدّر عدد النزلاء في السجون شديدة الحراسة بنحو 25 ألف سجين، أي ما يقارب 2% من إجمالي السجناء، وفق بيانات وتقارير  المكتب الفيدرالي الأمريكي للسجون، ما يعكس تمييزًا بين العزل العام وأنظمة “السوبرماكس” الأكثر تشددًا.

وفي نماذج مثل سجن ADX Florence في الولايات المتحدة، يحتجز النزلاء داخل زنازين خرسانية ضيقة، مع أبواب فولاذية تُفتح إلكترونيا، وأنظمة مراقبة تعتمد على الكاميرات وأجهزة الاستشعار، وهو نمط يتكرر بصيغ مختلفة في سجون عالية الحراسة حول العالم، مثل “بلاك دولفين” في روسيا.

وتفيد بيانات حقوقية، من بينها تقرير هيومن رايتس ووتش حول سجون “السوبرماكس”، بأن نسباً مرتفعة من نزلاء هذه السجون يعانون من اضطرابات نفسية، في ظل بيئات احتجاز تفتقر في بعض الحالات إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية.

الأثر النفسي والاجتماعي

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة إخلاص أحمد، في حديثها لـ”صفر” أن العزل المطوّل قد يؤدي إلى القلق الحاد، واضطراب الإدراك، وصعوبة التركيز، إضافة إلى شعور متزايد بالوحدة.

وأشارت د. إخلاص إلى أن الحرمان الحسي قد ينعكس على إدراك الزمن وظهور أفكار سلبية، مؤكدة أن حتى فترات العزل القصيرة قد تتطور إلى اضطرابات نفسية في حال استمرارها.

ومن جانبه، أوضح الدكتور حسّان موري، لـ”صفر”، أن آثار هذه الظروف لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتد إلى تفكك الروابط الاجتماعية للسجين، حيث يفقد تدريجيا قدرته على التفاعل، ما يؤثر حتى على مهاراته اللغوية والتواصلية.

وأكد الدكتور رائد العمارين، أن بعض الممارسات داخل هذه السجون قد تمثل انتهاكًا غير مباشر لحقوق الإنسان، من خلال القسوة المتعمدة في ظروف الاحتجاز، مثل الاكتظاظ، وضعف الرعاية الصحية، واستخدام العزل الشديد.

وأشار العمارين، في حديثه لـ”صفر” إلى أن هذه الظروف قد تحوّل السجن من مؤسسة إصلاحية إلى بيئة تؤثر سلبًا على كرامة الإنسان، خاصة في الحالات التي يُستخدم فيها العزل لفترات طويلة أو كبديل غير مباشر لعقوبات أشد.