منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أفغانستان.. أستاذات جامعيات يصفن حظر التعليم والعمل بـ”الموت البطيء”

04 يونيو 2026
لم يعد الحظر في أفغانستان مقتصرا على الطالبات بل امتد إلى إقصاء الأستاذات من قاعات التدريس
لم يعد الحظر في أفغانستان مقتصرا على الطالبات بل امتد إلى إقصاء الأستاذات من قاعات التدريس

قالت أستاذات جامعيات أفغانيات، إن القيود التي فرضتها حركة طالبان على تعليم النساء وعملهن في الجامعات لم تسلبهن وظائفهن فقط، بل انتزعت منهن مكانتهن الاجتماعية وهويتهن المهنية، وحوّلت حياتهن إلى ما وصفنه بـ“الموت البطيء”.

وتكشف شهادات الأكاديميات الأفغانيات في حديث لموقع “ذا كونفرسيشن”، جانبا عميقا من آثار سياسات طالبان على النساء المتعلمات، إذ لم يعد الحظر مقتصرا على حرمان الطالبات من التعليم العالي، بل امتد إلى إقصاء الأستاذات من قاعات التدريس، وقطع صلتهن بمهنتهن وطلابهن ومجتمعهن الأكاديمي.

وقالت إحدى الأستاذات، التي تمتلك أكثر من عشرين عاما من الخبرة في التدريس، إن الحياة تحت حكم طالبان بالنسبة للمرأة تشبه “موتا تدريجيا”، مضيفة: “أشعر أنني أموت كل يوم.. لقد فقدت كل شيء، ولم يعد لعلمي أو تعليمي أي قيمة”.

خسارة العمل والهوية

تقول أستاذة أخرى أمضت ثلاثة عقود في مجال التعليم إن أسعد لحظات حياتها كانت داخل قاعات الدراسة، حيث كانت ترى في التدريس معنى لحياتها ومكانتها الاجتماعية.

وأضافت: “أرغب في الخروج من المنزل والتدريس ورؤية طلابي، ما أعيشه اليوم يشبه الموت البطيء”.

ولا تنظر الأستاذات إلى فقدان العمل بوصفه خسارة اقتصادية فقط، بل باعتباره انهيارا لهوية اجتماعية ومهنية بُنيت على سنوات طويلة من التعليم والخبرة.

وقالت إحدى الأكاديميات إن فقدان وظيفتها أفقدها أيضا مكانتها وكرامتها واعتبارها الاجتماعي، مضيفة: “خسرت عملي ومكانتي وكرامتي واعتباري وشخصيتي الاجتماعية”.

حظر تحول إلى سياسة ثابتة

رغم أن طالبان وصفت في البداية منع النساء من التعليم والتدريس بأنه إجراء مؤقت، فإن الحظر تحول مع مرور الوقت إلى سياسة ثابتة لم تتراجع عنها الحركة، رغم الضغوط الدولية المتواصلة.

ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، فرضت الحركة سلسلة من القيود الواسعة على النساء والفتيات، شملت إغلاق أبواب الجامعات أمام الطالبات في ديسمبر 2022، وحظر تعليم الفتيات بعد سن الثانية عشرة، وفرض قيود على عمل النساء وتنقلهن وحضورهن في المجال العام.

كما ألزمتهن الحركة بقيود صارمة على اللباس في الأماكن العامة، في إطار سياسة أوسع أدت إلى تراجع كبير في مشاركة النساء في الحياة التعليمية والمهنية والاجتماعية.

تراجع بعد عقدين من التقدم

خلال فترة حكم طالبان الأولى بين عامي 1996 و2001، حُرمت النساء من التعليم العالي ومن معظم فرص العمل.. وبعد سقوط نظام الحركة عام 2001، بدأت مشاركة النساء في التعليم الجامعي تنمو تدريجيا.

وارتفع عدد الطالبات في الجامعات الأفغانية من نحو خمسة آلاف طالبة عام 2001 إلى أكثر من مئة ألف طالبة عام 2021، وفي العام نفسه، شكّلت النساء نحو 28% من إجمالي طلاب الجامعات، و14% من أعضاء الهيئات التدريسية.

لكن هذا المسار شهد تراجعا حادا بعد عودة طالبان إلى الحكم، إذ أُغلقت الجامعات أمام الطالبات، وأُقصيت الأستاذات من التدريس، وتقلص حضور النساء في المجال العام إلى حد غير مسبوق.

إغلاق آخر منفذ للتعليم

لم يتوقف الحظر عند التعليم الحضوري، إذ حظرت طالبان التعليم عبر الإنترنت أيضا، وأمرت الجامعات الخاصة التي كانت تقدم برامج تعليم عن بُعد بوقفها.

وأدى هذا القرار إلى إغلاق آخر منفذ كان متاحا أمام عدد من الأستاذات لمواصلة التدريس أو الحفاظ على صِلتهن بالمجال الأكاديمي. كما حرمت الطالبات من بدائل تعليمية كانت يمكن أن تخفف من أثر الإغلاق الكامل للجامعات أمام النساء.

وقالت أكاديمية أفغانية إن هذه القيود أدت إلى تراجع حضور النساء في الحياة العامة بشكل كبير، وأضعفت علاقاتهن الاجتماعية والمهنية إلى حد غير مسبوق.

أعباء نفسية واجتماعية

تؤكد شهادات الأستاذات أن آثار الحظر لا تقتصر على الحرمان من العمل أو التعليم، بل تمتد إلى الصحة النفسية والشعور بالجدوى والانتماء، فالمرأة التي أمضت عقودا في التعليم والتدريس تجد نفسها فجأة محاصرة داخل المنزل، محرومة من طلابها، ومن دورها المهني، ومن الاعتراف الاجتماعي بقيمتها وخبرتها.

وتشير التقارير الدولية إلى أن أفغانستان تحتل حاليا المرتبة الـ181 من أصل 193 دولة على مؤشر التنمية البشرية، في مؤشر يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تعيشها البلاد.

ورغم القيود المشددة، تؤكد الأستاذات أنهن لم يستسلمن بالكامل للواقع المفروض عليهن. فبعضهن يواصلن التدريس بشكل سري، بينما تستخدم أخريات وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على صلاتهن المهنية والعلمية، في حين تعلّق بعضهن آمالا على أن تؤدي الضغوط الدولية في نهاية المطاف إلى تغيير موقف طالبان.

وتعكس هذه المحاولات رغبة النساء الأكاديميات في الحفاظ على ما تبقى من هويتهن المهنية، وعلى الصلة بالمعرفة والطلاب والمجتمع، حتى في ظل بيئة مغلقة ومعادية لوجودهن في المجال العام.

تعليم النساء كحق لا امتياز

تكشف شهادات الأستاذات الجامعيات في أفغانستان أن حظر تعليم النساء وعملهن لا يمثل مجرد قرار إداري أو سياسي، بل انتهاكا مباشرا للحق في التعليم والعمل والمشاركة العامة والكرامة الإنسانية.

فحين تُحرم النساء من الجامعات، لا تخسر الطالبات مستقبلهن وحدهن، بل تخسر البلاد أيضا عقول أستاذاتها وخبراتهن وقدرتهن على بناء أجيال جديدة.

وبين القاعات المغلقة والأحلام المؤجلة، تتحول المعرفة في أفغانستان إلى حق محاصر، وتتحول الأستاذات إلى شاهدات على تراجع أحد أهم مكاسب النساء خلال العقدين الماضيين.