أعادت الولايات المتحدة رسم ملامح سياستها الخاصة بالهجرة غير النظامية من خلال توسيع عمليات ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، في مقدمتها عدد من الدول الإفريقية، ضمن استراتيجية تعتمد على الضغوط الدبلوماسية والحوافز المالية بالتوازي، ولم يعد هدف الإدارة الأمريكية يقتصر على إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، بل امتد إلى إبرام اتفاقات مع دول توافق على استقبال أشخاص لا يحملون جنسيتها، وهو توجُّه أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والقانونية، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى توافق هذه السياسة مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وأكدت وكالة فرانس برس، استناداً إلى مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية الأمريكية ووثائق برلمانية، أن واشنطن استخدمت أدوات متعددة لإقناع دول إفريقية باستقبال مهاجرين مرحلين، شملت التلويح بتقييد منح التأشيرات، وخفض المساعدات، وفرض ضغوط تجارية، إلى جانب تقديم حوافز مالية مباشرة لبعض الحكومات.
وتأتي هذه السياسة ضمن حملة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية إلى تسريع عمليات الترحيل وتقليص أعداد المهاجرين داخل الولايات المتحدة.
تحول في سياسة الترحيل
اعتمدت الإدارات الأمريكية السابقة على إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية كلما سمحت الظروف القانونية والدبلوماسية بذلك، لكن الإدارة الحالية وسعت نطاق ما يعرف بسياسة “الدول الثالثة”، التي تقوم على نقل المهاجرين إلى دول أخرى توافق على استقبالهم عندما يتعذر إعادتهم مباشرة إلى أوطانهم.
وأوضحت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية وفقا لوكالة رويترز أن هذه الاتفاقات تهدف إلى ضمان تنفيذ قرارات الترحيل بحق الأشخاص الذين استنفدوا الإجراءات القانونية الخاصة بإقامتهم داخل الولايات المتحدة، مؤكدة أن جميع عمليات النقل تتم وفق ما تعتبره الإدارة متوافقاً مع الضمانات الدستورية والإجراءات القانونية الأمريكية. في المقابل، يواصل محامون ومنظمات حقوقية الطعن في قانونية هذه السياسة أمام المحاكم الأمريكية والدولية.
إفريقيا في قلب الاستراتيجية
أصبحت القارة الإفريقية خلال العامين الماضيين الوجهة الرئيسية لاتفاقات الترحيل الأمريكية خارج الأمريكتين، وأظهر تقرير صادر عن أعضاء ديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن عدداً كبيراً من الاتفاقات التي أبرمتها واشنطن لاستقبال مرحلين شمل دولاً إفريقية، في وقت استهدفت فيه قيود التأشيرات الأمريكية عدداً كبيراً من الدول الإفريقية ضمن مراجعة سياسات التعاون في ملف الهجرة، كما أشار التقرير إلى أن واشنطن أنفقت أكثر من 32 مليون دولار على عدد من هذه الاتفاقات حتى مطلع عام 2026.
وتشير بيانات وكالة رويترز إلى أن الولايات المتحدة وسعت خلال الأشهر الأخيرة نطاق التعاون مع دول مثل إسواتيني وسيراليون وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية، ضمن ترتيبات تختلف من دولة إلى أخرى، بينما ظلت تفاصيل كثير من هذه الاتفاقات بعيدة عن النشر الرسمي.
الدولارات مقابل الاستقبال
كشفت وثائق لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي وتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش عن تقديم الولايات المتحدة حوافز مالية مباشرة لبعض الدول المشاركة في هذه السياسة، وحصلت إسواتيني، وفق الوثائق، على 5.1 مليون دولار مقابل استقبال ما يصل إلى 160 شخصاً من المرحلين، بينما وافقت رواندا على استقبال ما يصل إلى 250 شخصاً مقابل مساعدات أمريكية بلغت 7.5 مليون دولار، وترى منظمات حقوقية أن هذه الاتفاقات حولت ملف الهجرة إلى أداة تفاوض سياسي واقتصادي بين الدول.
وفي مايو 2026، أعلن وزير خارجية سيراليون أن بلاده وافقت على استقبال مئات المرحلين من دول غرب إفريقيا ضمن اتفاق مع الولايات المتحدة، وبدأت أولى الرحلات بنقل 25 شخصاً يحملون جنسيات السنغال وغانا وغينيا ونيجيريا.
التهديد بالتأشيرات
أظهرت شهادات مسؤولين أمريكيين سابقين أن الإدارة الأمريكية لم تعتمد على الحوافز المالية وحدها، بل استخدمت أيضاً قيود التأشيرات كوسيلة ضغط لإقناع الحكومات بالتعاون، وأكد مسؤولون سابقون في وزارة الخارجية الأمريكية أن بعض الدول التي رفضت استقبال المرحلين واجهت لاحقاً قيوداً على منح التأشيرات أو ضغوطاً دبلوماسية، بينما حصلت دول أخرى على تسهيلات بعد توقيع الاتفاقات الخاصة بالترحيل.
وتعكس هذه السياسة ما يصفه خبراء الهجرة باستخدام أدوات السياسة الخارجية لخدمة أهداف الهجرة الداخلية، وهو توجه يشهد توسعاً منذ عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
شهادات تكشف الجانب الإنساني
تحمل قصص المرحلين جانباً آخر من الأزمة يتجاوز الأرقام والاتفاقات السياسية. فالكمبودي فياب روم وجد نفسه داخل سجن شديد الحراسة في إسواتيني بعد سنوات قضاها في الولايات المتحدة، رغم أنه لا يحمل أي صلة بالدولة الإفريقية، وقال في حديث لوكالة فرانس برس إنه لم يفهم سبب ترحيله إلى بلد لا يعرفه ولا يتحدث لغته.
كما روى مهاجرون آخرون أنهم تلقوا أوامر الترحيل بعد صعودهم إلى الطائرة، من دون معرفة وجهتهم النهائية، بينما ظل بعضهم يتمتع سابقاً بحماية قانونية حالت دون إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب مخاطر التعذيب أو الاضطهاد. وترى فرق الدفاع القانونية أن نقل هؤلاء إلى دول ثالثة يضعهم في أوضاع قانونية معقدة قد تنتهي بإعادتهم إلى بلدان يواجهون فيها أخطاراً حقيقية.
احتجاز في ظروف مثيرة للجدل
وثّقت وكالة رويترز استمرار احتجاز عدد من المرحلين داخل سجن ماتسافا شديد الحراسة في إسواتيني، الذي تصفه منظمات حقوقية بأنه أحد أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للانتقادات داخل البلاد، وأكد محامون يمثلون المرحلين أن بعضهم أمضى أشهراً داخل السجن رغم انتهاء عقوباته السابقة في الولايات المتحدة، بينما غادر شخصان فقط حتى الآن بعد إعادتهما إلى جامايكا وكمبوديا، في حين بقي عشرات آخرون رهن الاحتجاز.
وتقول السلطات في إسواتيني إن وجود المرحلين مؤقت، وإن الحكومة تلتزم بحماية حقوقهم وفق قوانين البلاد والتزاماتها الدولية، إلا أن منظمات المجتمع المدني داخل الدولة تواصل الطعن أمام القضاء في قانونية احتجاز أجانب داخل منشآت إصلاحية من دون توجيه اتهامات جنائية جديدة إليهم.
مواقف حقوقية وأممية
وسّعت سياسة الترحيل إلى دول ثالثة دائرة الانتقادات الدولية، بعدما اعتبرت منظمات حقوق الإنسان أن نقل المهاجرين إلى دول لا تربطهم بها أي صلة قانونية أو اجتماعية يعرضهم لخطر الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية، ويقوض الضمانات التي أرستها اتفاقية اللاجئين واتفاقية مناهضة التعذيب.
وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الاتفاقات الثنائية التي أبرمتها واشنطن مع بعض الدول الإفريقية تفتقر إلى الشفافية، ولا تتضمن ضمانات كافية لحماية المرحلين من الانتهاكات أو من إعادتهم إلى بلدان قد يواجهون فيها الاضطهاد أو التعذيب.
ودعت منظمة العفو الدولية الإدارة الأمريكية إلى وقف عمليات الترحيل إلى دول ثالثة، مؤكدة أن نقل الأشخاص إلى بلدان لا يملكون فيها أي وضع قانوني أو روابط أسرية يخلق حالة من انعدام الحماية القانونية، ويعرضهم لخطر الاحتجاز لفترات طويلة من دون أفق واضح، كما شددت المنظمة على ضرورة احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمثل أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
القانون الدولي أمام اختبار جديد
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، إلى جانب بروتوكول عام 1967، يفرضان على الدول احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع نقل أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للاضطهاد أو التعذيب أو غيرهما من ضروب المعاملة اللاإنسانية.
كما أوضحت المفوضية أن نقل طالب اللجوء أو الشخص المشمول بالحماية الدولية إلى دولة ثالثة يتطلب توافر ضمانات قانونية حقيقية، وإمكانية حصوله على الحماية والإجراءات القانونية داخل تلك الدولة.
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أيضا أن عددا من الدول التي استقبلت المرحلين لا تمتلك أنظمة لجوء متطورة، بينما لا تطبق بعض الدول إجراءات اللجوء بصورة كاملة، الأمر الذي يزيد المخاوف من تحول هؤلاء الأشخاص إلى عالقين بين عدة دول من دون أي حماية قانونية مستقرة.
المنظمة الدولية للهجرة وسط انتقادات
وجدت المنظمة الدولية للهجرة نفسها في قلب الجدل، بعدما تحدث عدد من المحامين والمهاجرين عن ضغوط مورست على بعض المرحلين داخل دول إفريقية لحثهم على توقيع وثائق العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، ونقلت وكالة فرانس برس عن مهاجرين في جمهورية الكونغو الديمقراطية قولهم إن المسؤولين أبلغوهم بأن رفض العودة سيبقيهم عالقين داخل مراكز الإيواء لفترات غير محددة.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة في بياناتها الرسمية أن برامج العودة الطوعية تعتمد على موافقة الشخص بصورة كاملة، وأن المنظمة لا تشارك في أي عمليات ترحيل قسرية، بل تقدم الدعم الإنساني والمشورة والمساعدة للراغبين في العودة إلى أوطانهم وفقا للمعايير الدولية.
إفريقيا بين الضغوط والمصالح
كشفت تقارير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن عددا من الحكومات الإفريقية وافق على استقبال المرحلين مقابل مساعدات مالية أو مزايا سياسية، بينما رفضت دول أخرى الانخراط في هذه الاتفاقات رغم الضغوط الأمريكية.
وأعلن وزير الخارجية البوركيني كاراموكو جان ماري تراوري رفض بلاده استقبال مهاجرين من دول ثالثة، مؤكدا أن بوركينا فاسو ليست دولة لترحيل الأشخاص، كما انتقد تعليق منح التأشيرات الأمريكية، معتبرا أن استخدام التأشيرات وسيلة للضغط السياسي لا ينسجم مع العلاقات المتوازنة بين الدول.
وفي المقابل، بررت الحكومة الغانية استقبال بعض المرحلين باعتبارات إنسانية وتضامنية، بينما رفعت الولايات المتحدة بعد فترة قيود التأشيرات عن المواطنين الغانيين، وألغت رسوما جمركية على بعض الصادرات الزراعية، وهو ما دفع عددا من الخبراء إلى الربط بين التعاون في ملف الهجرة والحوافز الاقتصادية والدبلوماسية.
مصير مجهول
لا تزال أعداد كبيرة من المرحَّلين تواجه أوضاعا قانونية معقدة داخل الدول التي نُقلت إليها، وأكد محامون يمثلون عددا من هؤلاء الأشخاص أن بعضهم لا يستطيع طلب اللجوء، ولا يملك وثائق سفر، ولا يستطيع العودة إلى بلده الأصلي، كما لا تسمح له الدولة المستقبلة بالاندماج أو العمل بصورة قانونية.
وأظهرت وثائق قضائية أمريكية أن بعض المرحلين نقلوا لاحقا من دولة إفريقية إلى دولة أخرى، أو أعيدوا إلى بلدانهم الأصلية بعد أشهر من الاحتجاز، في حين بقي آخرون داخل مراكز احتجاز من دون تحديد موعد للإفراج عنهم أو تسوية أوضاعهم القانونية.
قراءة في الأرقام
تكشف البيانات المتوافرة عن اتساع نطاق هذه السياسة خلال فترة قصيرة. فقد أظهر تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن الولايات المتحدة خصصت أكثر من 32 مليون دولار لتمويل اتفاقات مع خمس دول لاستقبال مرحلين، بينما حصلت إسواتيني على 5.1 مليون دولار لاستقبال ما يصل إلى 160 شخصا، ووافقت رواندا على استقبال 250 مرحلا مقابل 7.5 مليون دولار من المساعدات الأمريكية.
كما أظهر التقرير أن تسع دول إفريقية من أصل 25 دولة وقعت اتفاقات مع واشنطن لاستقبال مرحلين، بينما قدرت منظمات غير حكومية أن نحو 40 بالمئة من الاتفاقات المؤكدة أو المرجحة الخاصة بالترحيل إلى دول ثالثة أبرمت مع دول إفريقية.
مستقبل السياسة الأمريكية
يرى خبراء قانونيون أن سياسة الترحيل إلى دول ثالثة ستظل محل نزاع أمام القضاء الأمريكي والدولي، خاصة مع استمرار الطعون التي يرفعها محامو المهاجرين والمنظمات الحقوقية، ويؤكد هؤلاء أن أي توسع في هذه السياسة سيضع الولايات المتحدة أمام اختبار يتعلق بمدى التزامها باتفاقية اللاجئين، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الإدارة الأمريكية الدفاع عن هذه السياسة باعتبارها وسيلة لتعزيز إنفاذ قوانين الهجرة ومواجهة رفض بعض الدول استقبال مواطنيها، بينما تصر منظمات حقوق الإنسان على أن حماية الحدود لا يمكن أن تتم على حساب الحقوق الأساسية للمهاجرين.
بدأت الولايات المتحدة استخدام ترتيبات الترحيل إلى دول ثالثة بصورة محدودة خلال السنوات الماضية، إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وسعت هذا النهج بشكل ملحوظ مع بداية ولايته الجديدة، واعتمدت الإدارة على اتفاقات ثنائية مع عدد من الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، تضمنت مساعدات مالية وتعاونا أمنيا وتسهيلات دبلوماسية مقابل استقبال مهاجرين لا يحملون جنسية تلك الدول.
وأثارت هذه السياسة انتقادات متزايدة من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، التي اعتبرت أن نقل الأشخاص إلى دول لا تربطهم بها أي علاقة قانونية أو اجتماعية قد ينتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحماية اللاجئين وحقوق الإنسان.
