أعادت وقائع منع دخول الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، واحتجاز لاعب العراق أيمن حسين لساعات في مطار أمريكي، الجدل حول سياسات الهجرة والحدود في الولايات المتحدة، وسط انتقادات حقوقية متصاعدة لظروف الاحتجاز، واستخدام القوة، وتوسع صلاحيات أجهزة إنفاذ الهجرة منذ تأسيس وزارة الأمن الداخلي بعد هجمات 11 سبتمبر.
وفتحت الاستعدادات لكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة نقاشاً قديماً حول سياسات الهجرة الأمريكية، ليس فقط باعتبارها ملفا أمنيا داخليا، بل بوصفها قضية حقوقية تمس حرية التنقل، وعدم التمييز، وضمانات المعاملة الإنسانية، خصوصا عندما تتقاطع مع حدث رياضي عالمي يفترض أن يفتح أبوابه أمام اللاعبين والحكام والجماهير من مختلف الدول.
وتصدرت الأزمة عناوين دولية بعد منع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم اختياره ضمن طاقم حكام كأس العالم، واحتجاز لاعب المنتخب العراقي أيمن حسين لساعات في مطار أوهير بشيكاغو قبل السماح له بالدخول، في وقت تواجه فيه جماهير ومسؤولون من دول مثل إيران وهايتي قيودا مرتبطة بسياسات السفر والهجرة.
وتكشف هذه الوقائع أن ملف الهجرة الأمريكي لم يعد بعيدا عن الرياضة أو الثقافة أو العلاقات الدولية، فالأجهزة المسؤولة عن إنفاذ قوانين الهجرة والحدود، وعلى رأسها وزارة الأمن الداخلي وذراعاها الأبرز؛ هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية، والجمارك وحماية الحدود، أصبحت في قلب نقاش عالمي حول التوازن بين الأمن والحقوق.
إعادة هيكلة للأجهزة
تأسست وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بموجب قانون الأمن الوطني لعام 2002، في سياق إعادة هيكلة واسعة للأجهزة الفيدرالية بعد هجمات 11 سبتمبر.
وفي مارس 2003، بدأت هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية عملها كأحد مكونات الوزارة الجديدة، بعد دمج وظائف كانت موزعة سابقا بين أجهزة الهجرة والجمارك.
وتتمثل مهمة هيئة الهجرة والجمارك في إنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة، والتحقيق في جرائم عابرة للحدود، وتنفيذ عمليات الترحيل والاحتجاز الإداري للمهاجرين.. أما الجمارك وحماية الحدود فتتولى أساسا إدارة نقاط الدخول والمطارات والمنافذ الحدودية.
وهذا التمييز ضروري في قراءة وقائع كأس العالم، فقرار منع دخول شخص عبر مطار أمريكي أو اعتباره غير مقبول عند الوصول يرتبط عادة بسلطات الجمارك وحماية الحدود، لا بهيئة الهجرة والجمارك، رغم أن المؤسستين تعملان ضمن وزارة الأمن الداخلي وتخضعان للسياسات العامة نفسها.
كأس العالم والهجرة
في يونيو 2026، أكدت وكالة رويترز أن الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم امتلاكه تأشيرة صالحة، وأن الاتحاد الدولي لكرة القدم أعلن أنه لن يتمكن من التدريب أو إدارة مباريات كأس العالم بعد قرار السلطات الأمريكية.
وقالت الجمارك وحماية الحدود إن مواطنًا صوماليًا وصل من إسطنبول واعتُبر غير مقبول لأسباب تتعلق بالتدقيق الأمني، دون تقديم تفاصيل علنية عن طبيعة هذه المخاوف.
وفي واقعة أخرى، نقلت تقارير صحفية عن مسؤول رياضي عراقي أن لاعب المنتخب العراقي أيمن حسين احتُجز واستُجوب قرابة سبع ساعات في مطار أوهير بشيكاغو، قبل السماح له بالدخول، بينما مُنع مصور الفريق من دخول الولايات المتحدة.
وتزامنت هذه الوقائع مع انتقادات لقيود السفر التي تؤثر في مشجعي ومسؤولي دول مشاركة في البطولة، من بينها إيران وهايتي، وهو ما دفع منظمات وخبراء إلى التحذير من أن إجراءات الهجرة قد تتحول إلى عائق أمام مبدأ تكافؤ المشاركة في الأحداث الرياضية الدولية.
سلطة واسعة لأجهزة الهجرة
تمنح قوانين الهجرة الأمريكية سلطات واسعة لأجهزة الحدود والهجرة في فحص المسافرين ورفض الدخول واحتجاز الأشخاص مؤقتا عند المنافذ، لكن هذه السلطات تصبح موضع جدل حقوقي عندما تُمارس بطريقة غامضة، أو عندما ترتبط بجنسية الشخص أو خلفيته أو بلد منشئه.
وفي حالة أرتان، لا تتعلق القضية بملف هجرة تقليدي، بل بحكم دولي معتمد من فيفا، كان من المفترض أن يشارك في بطولة عالمية تستضيفها الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك.
ولذلك اكتسبت الواقعة بعدا رمزيا يتجاوز الحالة الفردية، لأنها طرحت سؤالا حول ضمانات الدخول العادل للمشاركين في المناسبات الدولية.
أما في حالة أيمن حسين، فإن السماح له بالدخول بعد ساعات من الاستجواب لا يلغي أثر الواقعة، خاصة عندما يكون الشخص ضمن بعثة رياضية رسمية ويصل إلى البلاد للمشاركة في حدث معلن ومنظم مسبقا.
انتقادات حقوقية متصاعدة
بعيدا عن المطارات، تواجه هيئة الهجرة والجمارك انتقادات حقوقية متصاعدة بسبب اتساع نظام احتجاز المهاجرين. وتظهر بيانات حديثة لمركز TRAC في جامعة سيراكيوز أن عدد المحتجزين لدى الهيئة بلغ ذروة حديثة في أوائل فبراير 2026 عند 68,289 شخصا، قبل أن ينخفض إلى 60,311 في أبريل 2026.
وتشير بيانات TRAC إلى أن 70.8% من المحتجزين في أبريل 2026 لم تكن لديهم إدانات جنائية، ما يعزز الانتقادات الموجهة إلى نظام يحتجز أعدادا كبيرة من الأشخاص في إطار إداري، وليس كعقوبة جنائية صادرة عن محكمة.
وتشير بيانات مؤسسة فيرا إلى أن شبكة الاحتجاز التي استخدمتها هيئة الهجرة والجمارك بين 2009 و2026 شملت عددا واسعا من المرافق، بما في ذلك سجون محلية ومراكز احتجاز خاصة ومرافق تعاقدية، ما يثير أسئلة حول الرقابة والمساءلة وتفاوت ظروف الاحتجاز من مكان إلى آخر.
ظروف الاحتجاز
وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمات أمريكية معنية بحقوق المهاجرين حالات قالت إنها ترقى إلى معاملة قاسية أو مهينة داخل بعض مراكز احتجاز الهجرة، خصوصا ما يتعلق بسوء الرعاية الطبية، والاكتظاظ، والعزل الانفرادي، ونقص النظافة، وصعوبة الوصول إلى المحامين أو العائلات.
وفي يوليو 2025، قالت هيومن رايتس ووتش، بالاشتراك مع منظمات أمريكية، إن مهاجرين محتجزين في ثلاثة مرافق بولاية فلوريدا تعرضوا لظروف مسيئة ومهينة، وفي بعض الحالات مهددة للحياة.
وفي ديسمبر 2025، نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا عن مراكز احتجاز في فلوريدا، تحدث عن معاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة، بما في ذلك مزاعم تتعلق بنقص الطعام والرعاية الطبية واستخدام العزل والانتهاكات داخل بيئات احتجاز مغلقة.
وتؤكد هذه التقارير أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بعدد المحتجزين، بل بطبيعة احتجازهم، ومدة بقائهم، ومدى توافر ضمانات الشكوى والرقابة المستقلة والوصول إلى العلاج والمحامين.
استخدام القوة
أثار استخدام القوة من قبل عناصر إنفاذ الهجرة موجة انتقادات واسعة في الولايات المتحدة خلال 2025 و2026، فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست أن مسؤولي إدارة ترامب وصفوا 16 حادث إطلاق نار شارك فيها عناصر من وزارة الأمن الداخلي بأنها مبررة قبل اكتمال التحقيقات.
ونشرت الصحيفة تحقيقا آخر استند إلى سجلات داخلية، أظهر تسجيل 1,460 واقعة استخدام قوة داخل مراكز احتجاز الهجرة بين يناير 2024 وفبراير 2026، وشملت هذه الوقائع استخدام رذاذ الفلفل والتقييد والإسقاط الجسدي.
وتصاعد الجدل بعد مقتل المواطنة الأمريكية رينيه نيكول غود في يناير 2026 برصاص عنصر من هيئة الهجرة والجمارك خلال عملية إنفاذ في مينيابوليس.
أثارت الحادثة احتجاجات وانتقادات لمسار التحقيق والشفافية؛ كما سلطت صحف أمريكية الضوء على مقتل الممرض أليكس بريتي في مواجهة أخرى مع عناصر الهجرة، وسط روايات متباينة بين السلطات وشهود العيان.
وتضع هذه الوقائع ملف استخدام القوة في قلب المساءلة، خاصة عندما يكون المتضررون مواطنين أمريكيين أو أشخاصا غير مدانين جنائيا.
مواطنون محتجزون
لا تقتصر الانتقادات على المهاجرين غير الحاصلين على وضع قانوني، إذ وثّقت صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن هيئة الهجرة والجمارك أفرجت منذ 2012 عن أكثر من 1,480 شخصا بعد فحص ادعاءاتهم بأنهم مواطنون أمريكيون.
وتكشف هذه الحالات خطورة الاعتماد على قواعد بيانات ناقصة أو تحريات خاطئة، لأن احتجاز مواطن أمريكي بطريق الخطأ لا يمثل خللا إداريا بسيطا، بل انتهاكا مباشرا للحرية الشخصية وضمانات الحماية الدستورية.
وتزداد خطورة هذه الوقائع حين يكون المحتجزون من خلفيات لاتينية أو مهاجرة أو لا يمتلكون القدرة المادية على الطعن السريع أو الحصول على تمثيل قانوني فعال.
أقنعة وتجنيد
أثارت صور عناصر الهجرة الملثمين خلال المداهمات انتقادات من حقوقيين ومسؤولين محليين، لأنها تضعف القدرة على المساءلة وتزيد شعور المجتمعات المستهدفة بالخوف.
وقد دافع القائم بأعمال مدير هيئة الهجرة والجمارك عن السماح للعناصر بارتداء الأقنعة، قائلا إن الهدف هو حماية العناصر من كشف هوياتهم أو استهدافهم.
في المقابل، حذّر منتقدون من أن الأقنعة والمركبات غير المميزة والاقتحامات المفاجئة قد تخلق مناخا أقرب إلى العمليات السرية، وتفتح الباب أمام إساءة استخدام السلطة أو انتحال صفة عناصر فدراليين.
وأثارت حملات التجنيد الجديدة جدلا واسعا؛ فقد نشرت وكالة أسوشيتد برس أن وزارة الأمن الداخلي ألغت حدود السن السابقة لتعيين عناصر جدد في هيئة الهجرة والجمارك، بما يسمح لمن هم في سن 18 عاما بالتقدم، ضمن خطة لتوسيع القوة البشرية.
ونقلت تقارير أخرى أن حملة تجنيد واسعة استخدمت مكافآت مالية وحملات دعائية تستهدف جمهورا مهتما بالأسلحة والرياضات العنيفة والعسكرية.
رفض شعبي لهيئة الهجرة
تواجه هيئة الهجرة والجمارك انتقادات شعبية متزايدة منذ سنوات، خصوصا في فترات تصاعد حملات الترحيل والمداهمات، فقد شهد عام 2018 احتجاجات واسعة طالبت بإلغاء الهيئة أو إصلاحها جذريا، ثم عادت الاحتجاجات بقوة مع موجة العمليات الواسعة خلال إدارة ترامب الثانية.
وتشير تغطيات صحفية واستطلاعات متفرقة إلى أن الرأي العام الأمريكي منقسم بحدة حول سياسات الهجرة، لكن القلق يتصاعد عندما ترتبط هذه السياسات باحتجاز واسع، أو استخدام قوة قاتلة، أو استهداف أشخاص على أساس الأصل القومي أو المظهر أو اللغة.
وفي هذا السياق، لم تعد القضية مجرد خلاف حزبي حول الهجرة، بل تحولت إلى سؤال حقوقي أعمق حول حدود سلطة الدولة، وحق الأشخاص في السلامة والإجراءات العادلة، ومبدأ عدم التمييز.
خلاصة حقوقية
يكشف الجدل حول هيئة الهجرة والجمارك وسياسات الحدود الأمريكية أن الأمن لا يمكن أن يكون مبررا مفتوحا لتجاوز الضمانات الحقوقية، فحق الدولة في ضبط حدودها وإنفاذ قوانين الهجرة يجب أن يظل مقيدا بمبادئ الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز، والحق في الإجراءات القانونية الواجبة، وحظر المعاملة القاسية أو المهينة.
وتظهر وقائع كأس العالم 2026 أن هذه السياسات لا تؤثر فقط في المهاجرين داخل الولايات المتحدة، بل قد تمتد إلى مشاركين في حدث دولي يفترض أن يقوم على الانفتاح والتكافؤ.
أما داخل الولايات المتحدة، فإن اتساع الاحتجاز، وارتفاع أعداد المحتجزين بلا إدانات جنائية، وتوثيق الانتهاكات داخل المراكز، واستخدام القوة في الشارع، كلها مؤشرات تجعل إصلاح منظومة إنفاذ الهجرة ضرورة حقوقية لا مجرد خيار سياسي.
ولا يقاس الاختبار الحقيقي لأي سياسة هجرة بعدد المرحلين أو المحتجزين، بل بقدرتها على حماية القانون دون إهدار الإنسان.
