دخل درويش محمد حكيم مركز إصلاح النساء والأطفال في السليمانية موقوفاً فخرج منه جثماناً، بين الدخول والخروج لم يكن الفتى البالغ 17 عاماً محكوماً عليه، بل كان ينتظر مصير قضية سرقة أوقف على ذمتها منذ 28 أبريل/نيسان 2026، قبل أن يُعثر عليه متوفياً داخل دورة مياه المركز صباح 17 مايو/أيار.
لم تحسم التحقيقات المعلنة أسباب الوفاة أو مسؤولية أي جهة عنها، وأعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في إقليم كردستان تشكيل لجنة للتحقيق، فيما تابعت هيئة حقوق الإنسان المستقلة القضية وراجعت تسجيلات كاميرات المراقبة، على أن موت الطفل داخل مؤسسة إصلاحية يفتح قوسين على التساؤل التالي: ماذا يحدث لحقوق الأطفال بعد إغلاق أبواب الاحتجاز عليهم؟
فالطفل الذي تقيد الدولة حريته يصبح تحت مسؤوليتها المباشرة، ومنذ تلك اللحظة لا يعود الحق في السلامة والرعاية الصحية والنفسية والحماية من العنف والتعليم والتواصل مع الأسرة تفاصيل إضافية في برنامج إصلاحي، بل حقوق تلتزم الدولة بضمانها.
إصلاح لا عقاب
يضع قانون رعاية الأحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983 منظومة خاصة للأطفال المخالفين للقانون تختلف عن تلك المُطَبَقة على البالغين، وتقوم فلسفتها على الإصلاح والتأهيل. وينص القانون على إيداع الحدث الموقوف في دار الملاحظة، وفي المناطق التي لا توجد فيها دار مخصصة يجب اتخاذ تدابير تمنع اختلاطه بالموقوفين البالغين.
هذه الضمانات القانونية تواجه الآن اختبار التطبيق، في وقت يناقش فيه العراق تحديث تشريعات رعاية الأحداث وتطوير مؤسسات الإصلاح والتأهيل وآليات حماية الأطفال، لكن الفارق بين النص والحق يظهر خلف الأبواب؛ حيث ظروف الإقامة، والرعاية الصحية والنفسية، والحماية من العنف والإهمال، والقدرة على تقديم الشكوى، والتواصل مع الأسرة، والتعامل مع الأطفال المعرضين لإيذاء أنفسهم.
الوزارة: تعليم وتأهيل ومتابعة
يقول مدير عام العلاقات العدلية والمتحدث الرسمي باسم وزارة العدل أحمد لعيبي عبد الحسين لـ”صفر” إن إدارة إصلاح الأحداث تضم مراكز ومدارس وبرامج تأهيل وباحثين اجتماعيين، وإن الوزارة تراعي حقوق الإنسان داخل الأقسام الإصلاحية وتوفر التعليم والرعاية والتواصل مع الأسر.
ويضيف عبد الحسين أن الأطفال يحصلون على برامج تعليمية ومهنية وفنية، بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، في حين يتابع الباحثون الاجتماعيون أوضاعهم وأوضاع أسرهم لمعالجة الظروف التي أسهمت في دخولهم المؤسسات والحد من تكرار السلوك الإجرامي.
غير أن توفر البرامج لا يكفي وحده لقياس مدى صون حقوق الطفل، فالسؤال يمتد إلى مستوى الحماية الفعلية داخل المؤسسة، وآليات الرقابة والمساءلة، والرعاية النفسية والصحية، وكيفية التدخل عندما تظهر على طفل مؤشرات خطر أو إيذاء للنفس.
فجوة بين الضمانات والواقع
تشير اليونيسف إلى تحديات تواجه منظومة عدالة الأطفال في العراق، منها تطبيق القانون واللجوء إلى الحرمان من الحرية و ظروف الاحتجاز ونقص بعض الخدمات المقدمة للأطفال.
وفي تقريرها السنوي لعام 2023، قالت المنظمة إن تدخلاتها وشركاءها أتاحت خدمات عدالة الأحداث لأكثر من 4700 طفل محتجز، شملت الدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية والرعاية اللاحقة.
والرقم لا يكشف وحده ظروف آلاف الأطفال خلف الأبواب، لكنه يكشف حجم الفئة التي تحتاج إلى منظومة حماية لا تتوقف عند حراسة مكان الاحتجاز.
الحرمان من الحرية له حدود
يقول الدكتور خالد العلواني، أستاذ القانون العام والقانون الجنائي في جامعة الأنبار، وله اهتمام بحثي بالنظام العام وحقوق الإنسان، لـ”صفر” إن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يتعامل مع الطفل المخالف للقانون بمنطق العقوبة التقليدية، بل بمنطق الحماية وإعادة التأهيل والإدماج.
ويضيف العلواني أن مسؤولية الدولة لا تنتهي عند سن التشريعات، بل تبدأ فعلياً بطريقة تطبيقها داخل المؤسسات، وضمان حصول الطفل على التعليم والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتأهيل والحفاظ قدر الإمكان على صلته بأسرته.
وتنص المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل الصادر عن اليونيسف، على أن يكون احتجاز الطفل ملاذاً أخيراً ولأقصر فترة زمنية مناسبة، وأن يعامل بإنسانية واحترام لكرامته، مع ضمان الاتصال بأسرته والحصول على المساعدة القانونية المناسبة.
ويرى العلواني أن عزل الطفل من دون حماية ورعاية وتأهيل حقيقي يحول التدبير الإصلاحي عن غايته؛ لأن مصلحة الطفل الفضلى وإعادة إدماجه يجب أن تبقيا في قلب منظومة عدالة الأحداث.
حياة كاملة خلف الباب
ومن واقع متابعته لملف الأحداث في العراق، يقول الصحفي أواب محمد لـ”صفر” إن دخول الطفل المؤسسة الإصلاحية يضعه في مرحلة شديدة الحساسية؛ إذ يبتعد عن أسرته وبيئته الطبيعية ويصبح معتمداً بدرجة كبيرة على المؤسسة المسؤولة عنه.
ويضيف محمد أن تفاصيل الحياة اليومية داخل هذه المؤسسات، من طريقة التعامل إلى مستوى الأمان والرعاية والمتابعة، ليست مسائل هامشية، بل جزء أساسي من تجربة الطفل مع العدالة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية مع الأطفال الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، فالتوقيف لا يثبت ارتكاب الجريمة، لكنه ينقل الطفل إلى مكان تسيطر عليه الدولة وتتحمل فيه مسؤولية سلامته.
كان درويش واحداً من هؤلاء، فلم يكن محكوماً عليه عندما دخل المؤسسة، ولم تظهر بعد نتائج تحقيق تسمح بتحديد ما حدث في الساعات الأخيرة من حياته أو تحميل جهة بعينها المسؤولية عن وفاته، ولهذا تبقى قضيته مفتوحة أمام التحقيق.
لكن السؤال الذي تركه خلفه يتجاوز أسباب وفاة طفل واحد؛ فنجاح مؤسسة إصلاح الأحداث لا يقاس بعدد الدورات والورش التي تنظمها، بل بما إذا كان الطفل يستطيع أن يعبر أبوابها من جديد حياً وآمناً ومحفوظ الكرامة وقادراً على العودة إلى المجتمع، فالقانون يستطيع أن يسلب الطفل حريته في حالات محددة، أما حياته وكرامته وبقية حقوقه فليست جزءاً من العقوبة.
