منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الملابس إلى الحريات.. فتوى تحريم «نايكي» تختبر حدود النفوذ الديني في ليبيا

08 نوفمبر 2026
من الملابس إلى الحريات_ فتوى تحريم «نايكي» تختبر حدود النفوذ الديني في ليبيا 2
من الملابس إلى الحريات_ فتوى تحريم «نايكي» تختبر حدود النفوذ الديني في ليبيا 2

قد يجد شاب ليبي يرتدي حذاء يحمل علامة «نايكي» أو تاجر يعرض منتجاتها في متجره نفسه أمام دعوة دينية للتوقف عن ارتدائها أو بيعها؛ إذ حرّمت فتوى أصدرتها دار الإفتاء الليبية في طرابلس التعامل مع منتجات الشركة الأميركية، رغم عدم ثبوت صدور قرار حكومي يمنع تداولها أو يعاقب مستخدميها.

وتضع الفتوى المستهلكين والتجار أمام مسألة تتجاوز العلامة التجارية الى التساؤل التالي: هل يبقى الالتزام بالرأي الديني خياراً شخصياً، أم يمكن أن يتحول نفوذ المؤسسة المصدرة له إلى ضغوط تقيد حرية الاختيار وممارسة النشاط الاقتصادي؟

1-ماذا تضمنت الفتوى الليبية؟

فتوى تجمع الدين بالمقاطعة

صدرت الفتوى رقم 6697 في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ردا على استفسار بشأن ملابس «نايكي». واعتبرت لجنة الفتوى أن اسم الشركة يرتبط بإلهة النصر في الميثولوجيا الإغريقية، وأن إظهار علامتها يدخل في «إشهار رموز الشرك».

وأضافت الدار سبباً سياسياً، متهمة الشركة بدعم إسرائيل، استناداً إلى موقف سابق لمجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، دعا إلى مقاطعة الشركات التي تدعم إسرائيل خلال الحرب على غزة.

ووقّع الفتوى عصام بن محمد الصاري وعبد الرحمن بن حسين قدوع، واعتمدها المفتي العام الصادق الغرياني، وانتهت إلى تحريم ارتداء منتجات الشركة وبيعها وشرائها.

لكن اتهام الشركة بالدعم لا يثبت بمجرد وروده في الفتوى، ويقول الباحث في الشريعة الإسلامية حسين العزام لـ «صفر» إن مقاطعة الجهات التي يثبت دعمها لانتهاكات بحق المدنيين يمكن أن تستند إلى مبدأ عدم التعاون على الإثم والعدوان.

ويؤكد أن تحويل المقاطعة إلى واجب ديني يتطلب التحقق من طبيعة الدعم وحجمه، والتمييز بين العلاقة المباشرة والاتهامات غير المثبتة.

2-ثلاثة حقوق يحميها القانون الدولي

رأي ديني أم قيد على الأفراد؟

تواصل متاجر محلية في ليبيا عرض منتجات «نايكي»، إلى جانب نسخ مقلدة، دون وجود متجر رسمي للشركة في البلاد، ولا تتضمن الفتوى عقوبات قانونية، كما لا توجد في المعلومات المتاحة أدلة على صدور قرار حكومي بحظر المنتجات.

ويزيد الانقسام المؤسسي الليبي تعقيد المشهد؛ فقد أصدر مجلس النواب عام 2014 القانون رقم 8 بشأن حل دار الإفتاء، لكنها واصلت عملها من طرابلس، ما جعل وضعها القانوني ونفوذها محل خلاف.
ويرى الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان كمال بن عمر أن إصدار الفتاوى يدخل ضمن حرية الرأي والمعتقد، لكن هذه الحرية لا تمنح أي مؤسسة حق فرض اجتهاداتها على الآخرين.

ويوضح بن عمر لـ«صفر» أن المادتين 18 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحميان حرية الفكر والوجدان والدين والتعبير، بما يشمل حق المؤسسات الدينية في إعلان مواقفها، وحق الأفراد في قبولها أو رفضها.

ويضيف أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الفتوى إلى إجراءات تمنع البيع أو تعاقب المستهلكين والتجار أو تفرض عليهم قيودا تعسفية، مؤكدا مسؤولية الدولة عن منع الإكراه والتمييز وحماية الحقوق.

3-متى تصبح الفتوى قيدا على الحريات؟

سوابق تثير المخاوف

ليست العلامات التجارية جديدة على الجدل الديني، ففي عام 2025 اعترضت دار الإفتاء الليبية على مجوهرات وساعات تحمل شعار البرسيم الرباعي لدار «فان كليف آند آربلز»، لارتباطه، وفق تفسيرها، بمعتقدات دينية ورموز الحظ.

وسبق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 2021 تحريم قمصان رياضية تحمل رمز الصليب. أما تنظيم «داعش» ففرض عام 2015 حظرا قسريا على منتجات «نايكي» في الرقة السورية، مقرونا بالتهديد بالعقوبات، وهي حالة تختلف جوهريا عن فتوى ليبية لم يثبت تحولها إلى إجراء ملزم.

وتتضاعف حساسية القضية في ليبيا بسبب سوابق تقييد الحريات، خصوصا حقوق النساء، ففي عام 2023 فرض جهاز الأمن الداخلي على نساء يسافرن دون محرم عبر مطار معيتيقة تعبئة استمارات لتبرير سفرهن. وأيّد الغرياني الإجراء، بينما وصفته الزهراء لنقي، عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي ورئيسة منبر المرأة الليبية من أجل السلام، بأنه انتهاك وتمييز ضد النساء.

وطالبت 12 منظمة حقوقية و119 شخصية عامة بإلغائه، فيما أكد خبراء أمميون في يوليو/تموز 2023 أنه يقيد حرية تنقل النساء والفتيات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أعلن وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي عزمه إعادة تفعيل «شرطة الآداب»، وطرح قيودا تتعلق بالحجاب والاختلاط وسفر النساء، قائلا إنه «لا مجال للحرية الشخصية في ليبيا». كما شهد عام 2025 قيودا على عروض فنية وثقافية في شرق البلاد وغربها.

ولا تثبت هذه الوقائع مسؤولية دار الإفتاء عن جميع القيود، لكنها توضح أسباب القلق من انتقال المواقف المحافظة إلى إجراءات تفرضها جهات تملك سلطة تنفيذية.

حريات تحت الضغط

وثقت منظمة «رصد الجرائم الليبية» 859 انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان خلال عام 2025، مقارنة بـ589 انتهاكا عام 2024، طالت 617 مدنيا في 29 منطقة ومدينة، وشملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء واستهداف ناشطين وصحفيين.

ومنحت منظمة «فريدوم هاوس» ليبيا عشر نقاط من أصل مئة في مؤشر الحرية لعام 2026، لتبقى ضمن الدول المصنفة «غير حرة».

ولا تعني هذه الأرقام أن فتوى «نايكي» تسببت في انتهاكات، لكنها تكشف البيئة التي تُطرح فيها أسئلة الحريات والضمانات القانونية.

وتلتزم ليبيا، بوصفها طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بحماية حرية الدين والتعبير والمساواة وعدم التمييز وحرية التنقل. كما ترتبط باتفاقية «سيداو»، التي تتضمن ضمانات للمساواة بين النساء والرجال في حرية التنقل واختيار محل الإقامة.

ويؤكد بن عمر أن الفتوى تظل رأيا دينيا ما لم تتحول إلى إجراء ملزم، وأن حرية المعتقد لا تبرر إكراه الآخرين على اتباع اجتهاد معين.

وبين حق المؤسسة الدينية في إعلان موقفها وحق الفرد في عدم الأخذ به، تبرز مسؤولية السلطات الليبية عن ضمان ألا تتحول الآراء الدينية إلى وسائل للعقاب أو التضييق، فالاختبار المقبل لا يتعلق بمصير علامة «نايكي» في الأسواق، بل بما إذا كان المستهلك والتاجر يستطيعان ممارسة خياراتهما المشروعة دون خوف من الإكراه، وبوجود ضمانات قانونية واضحة تمنع تحويل الفتوى إلى سلطة على حياة الآخرين.