منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لبنان.. أطفال محرومون من الحرية وحقوق مهددة داخل مراكز التأهيل

07 نوفمبر 2026
لبنان.. أطفال محرومون من الحرية وحقوق مهددة داخل مراكز التأهيل
لبنان.. أطفال محرومون من الحرية وحقوق مهددة داخل مراكز التأهيل

كان الطفل السوري (م. أ.) في الرابعة عشرة حين انتهت حياته داخل مركز الوروار لتأهيل الأحداث في لبنان، في 29 سبتمبر/أيلول 2025، بعد أقل من شهر على نقله من سجن رومية.

وقالت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إنه أنهى حياته بنفسه، وإنه سبق أن حاول ذلك، وخضع لفحص طبي وصُرفت له أدوية، مؤكدة أن تقرير الطبيب الشرعي لم يُظهر آثار عنف.

لكن أسرته شككت في الرواية وطالبت بفحص شرعي مستقل، في حين دعا حقوقيون إلى تحقيق شفاف.

وبعد عام، أعاد تقرير رقابي رسمي طرح أسئلة بشأن الرعاية الصحية والنفسية للأطفال المحتجزين، ومدى قدرة مؤسسة يفترض أنها مخصصة لتأهيلهم على حماية حياتهم وكرامتهم.

مركز تأهيل بلا ضمانات كافية

في 17 سبتمبر/أيلول 2026، زار فريق من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، مركز الوروار في بعبدا الذي افتُتح في مايو/أيار 2025 بتمويل أوروبي وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وكان يضم يوم الزيارة 148 طفلاً.

وشارك في الزيارة رئيس الهيئة فادي جرجس، ومفوضها بسام القنطار، والمحاميتان نايلة نحلة ونيكول غانم، اللتان أعدتا التقرير المنشور في 21 سبتمبر/أيلول.

ورصد الفريق غرفاً متدنية النظافة وشحاً في المياه، في حين أفاد أطفال باستخدام بعضها للعزل التأديبي وتعرضهم للضرب قبل الإيداع فيها، وشددت الهيئة على أن هذه الإفادات تحتاج إلى تحقيق مستقل، مؤكدة أن العزل الانفرادي للأطفال يتعارض مع المعايير الدولية لحمايتهم.

كما عاين الفريق حالات أمراض جلدية والتهابات، في ظل غياب طبيب وممرضة معينين، وصعوبات نقل الأطفال للعلاج. وسجل ملاحظات على كمية الطعام ونضجه، وتعطل مرافق وتراكم نفايات ونقص مستلزمات أساسية.

وأقر آمر المركز العقيد رواد المصري بنقص العناصر الأمنية وتعطل تسجيل كاميرات المراقبة لغياب التمويل. وأظهرت الزيارة تكليف عنصر واحد بحراسة ثلاثة أجنحة، مع اعتماد بعض الأجنحة على طفل يُعرف بـ«الشاويش» في تنظيم شؤون زملائه.

أطفال ينتظرون العدالة

رغم تخصيص المركز للتأهيل، لم تتجاوز فرص محو الأمية والتدريب المهني المتاحة وقت الزيارة نحو 32 مقعداً من أصل 148 طفلاً، في حين تعطلت ورش أخرى لنقص الموارد والتجهيزات.

وأبلغت المرشدة الاجتماعية الهيئة بوجود أطفال تأخر إخلاء سبيلهم بسبب عدم وصول قرارات الإفراج إلى الإدارة في الوقت المناسب.

كما تحدث أطفال عن صعوبة فهم إجراءات محاكماتهم، وقلة المساعدة القانونية، وعزوف بعض الأمهات عن الزيارة بسبب إجراءات تفتيش وصفنها بالمحرجة. وبررت الإدارة تشديد التفتيش بضبط أقراص يُشتبه بأنها مخدرة.

وتنقل لجنة الإنقاذ الدولية شهادات لأسر وأطفال عانوا طول الاحتجاز وغموض القرارات القضائية.

ووثق المركز اللبناني لحقوق الإنسان حالات استجواب قاصرين دون مندوب اجتماعي، واحتجازهم في المخافر رغم قرارات نقلهم، وترحيل أطفال سوريين منفصلين عن أسرهم.

وتزيد الحرب والفقر و النزوح والتسرب المدرسي مخاطر وصول الأطفال إلى منظومة العدالة.

وتورد يونيسف أرقاماً عن مئات الأطفال الذين قُتلوا أو أصيبوا خلال تصاعد النزاع في 2026، ومئات الآلاف ممن تعرضوا للنزوح و الضغوط النفسية، في حين رصد اتحاد حماية الأحداث حالات عنف جنسي بحق أطفال خلال الحرب.

القانون يعد بالإصلاح والتطبيق يتعثر

ينص القانون اللبناني رقم 422 لسنة 2002 على حماية الأحداث المخالفين للقانون والمعرضين للخطر، ويقدم التدابير الإصلاحية والبدائل غير السالبة للحرية. وتصف وزارة العدل فلسفة النظام بأنها وقائية وعلاجية.

لكن لجنة الإنقاذ الدولية تشير إلى ضعف تنفيذ البدائل، وعدم تفرغ قضاة الأحداث، وثغرات حضور المندوب الاجتماعي والمساعدة القانونية. كما توقف جمع البيانات الرسمية المنتظمة منذ 2019، حين سُجل 1686 طفلاً ضمن منظومة عدالة الأحداث.

وتؤكد تمام مروة، المديرة التنفيذية لجمعية «الحركة الاجتماعية»، في تصريح خاص لـ«صفر»، رفض سلب حرية الأطفال، مشيرة إلى أن نقص مراكز التأهيل النهارية والجهات المستعدة لاستقبالهم يحد من تطبيق التدابير البديلة. وترى أن إعادة الإدماج المجتمعي أنجع وأقل كلفة.

وفي المقابل، يشدد الباحث طارق أبو زينب، في تصريح خاص للمنصة، على ضرورة حماية المجتمع وإنصاف ضحايا الجرائم، دون إهدار حقوق الطفل المتهم أو المدان. ويدعو إلى مساءلة البالغين الذين يستغلون الأطفال، وتسريع المحاكمات وضمان المساعدة القانونية وحماية الخصوصية.

سن المسؤولية الجزائية أمام البرلمان

يجيز القانون اللبناني مساءلة الأطفال جزائياً ابتداءً من السابعة، في حين توصي لجنة حقوق الطفل الأممية بألا يقل الحد الأدنى عن الرابعة عشرة.

وفي فبراير/شباط 2026، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون قدمه وزير العدل عادل نصار لرفع السن إلى أربع عشرة سنة، وأحاله إلى البرلمان بالمرسوم رقم 2549، دون إقراره حتى موعد إعداد التقرير.

وطالبت بلجيكا وإيطاليا، خلال الاستعراض الدوري الشامل للبنان، برفع سن المسؤولية الجزائية. كما دعت الهيئة الوطنية إلى إعطاء المشروع أولوية تشريعية.

وتربط «المفكرة القانونية» الإصلاح بتغيير شامل لمنظومة عدالة الأطفال، في حين يطالب المركز اللبناني لحقوق الإنسان بإشراف مدني متخصص على مراكز الأحداث وتعيين مدعين عامين متخصصين.

وتتفاقم الأزمة ضمن منظومة احتجاز مكتظة؛ فقد سجلت الجهات الرسمية 6268 نزيلاً في مارس/آذار 2026.

وشهد أغسطس/آب خطوات تشريعية بشأن عقوبة الإعدام والعفو العام، قبل تعليق مفعول العفو إثر طعن دستوري، وسط ضغوط إضافية ناجمة عن نقل محتجزين بسبب الحرب.

المهل الرسمية تختبر جدية الإصلاح

حددت الهيئة الوطنية مُهلاً تبدأ بوقف العزل التأديبي خلال 24 ساعة، وفتح تحقيق مستقل في ادعاءات الضرب خلال سبعة أيام، وتوفير الرعاية الطبية وآلية شكاوى سرية خلال ثلاثين يوماً، ثم إنهاء صلاحيات «الشاويش» وتوسيع التعليم وتحسين متابعة الملفات القضائية خلال تسعين يوماً.

وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، لم يصدر حتى موعد إعداده رد علني مفصل من وزارة الداخلية أو قوى الأمن على توصيات الهيئة. وفي المقابل، جرى بحث تطوير البرامج المهنية مع وزيرة التربية ريما كرامي، وأطلقت جمعية «نضال لحقوق الإنسان» ووزارة الزراعة مبادرة تدريب زراعي داخل المركز.

ودعت منظمة العفو الدولية إلى تحقيقات فعالة في شكاوى التعذيب، في حين شددت المديرة التنفيذية ليونيسف كاثرين راسل وممثلها في لبنان ماركولويجي كورسي على حماية الأطفال من الآثار الممتدة للأزمات.

وأوصت لجنة الإنقاذ الدولية بتخصيص قضاة للأحداث والتفتيش المستقل على أماكن الاحتجاز وتنفيذ قرارات الإفراج. كما تضمنت توصيات الاستعراض الدوري الشامل للبنان تعزيز عدالة الأحداث والصحة النفسية وحظر العقوبات البدنية، وضمان وصول لجنة الوقاية من التعذيب إلى أماكن الاحتجاز. ويؤكد التعليق العام رقم 27 للجنة حقوق الطفل أهمية وصول الأطفال إلى العدالة وسبل الانصاف.

ويحذر بسام القنطار من أن وجود مؤسسات رقابية وتشريعات لا يكفي دون حماية يومية فعلية للأطفال، تبدأ منذ اللحظات الأولى للتوقيف.

وبين وفاة طفل داخل مركز يفترض أنه يحميه، و148 طفلاً رصدت الهيئة ظروف احتجازهم، يصبح الاختبار الحقيقي في تنفيذ قرارات الإفراج، وتوفير العلاج و التعليم، والتحقيق المستقل في ادعاءات الانتهاك.

أما السؤال الذي تفتحه المهل الرقابية فهو ما إذا كانت الدولة ستنشئ آلية علنية لمتابعة تنفيذ التوصيات ومساءلة المقصرين، بحيث يستطيع كل طفل محتجز وأسرته معرفة حقوقه والمطالبة بها، بدلاً من بقائها وعوداً خلف أبواب المركز.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية