رغم بعض الخطوات الإصلاحية، ظل عام 2025 في لبنان محكوما بتحديات جسيمة، أبرزها استمرار الانتهاكات المرتبطة بالنزاع وضعف المساءلة وتقييد الحريات وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، في ظل هشاشة مزمنة لمؤسسات الدولة.
وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن)، شهد لبنان العام الماضي استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في ظل أوضاع سياسية وأمنية معقدة، رغم بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة على صعيد الإصلاح، إذ استمرت القيود على حرية التعبير عبر استدعاء صحفيين ونشطاء على خلفية تهم فضفاضة، وسط غياب ضمانات كافية للمحاكمة العادلة.
كما ظل ملف المساءلة معلقا، سواء في ما يتعلق بانتهاكات النزاع أو في قضية انفجار مرفأ بيروت، رغم تسجيل بعض التقدم المحدود في مسار التحقيق، وترافقت هذه الأوضاع مع تدهور في الظروف المعيشية وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، واستمرار الضغوط على اللاجئين، وفق مفوضية شؤون اللاجئين.
استقرار نسبي
وأنهى لبنان فراغا سياسيا استمر أكثر من عامين بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، إلا أن هذا الاستقرار النسبي تزامن مع تصعيد عسكري مستمر، حيث واصل الجيش الإسرائيلي شن غارات جوية شبه يومية على مناطق جنوب لبنان والبقاع، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أواخر 2024، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 مدني ونزوح نحو 80 ألف شخص.
وتسببت الهجمات الإسرائيلية في دمار واسع للبنية التحتية المدنية والأراضي الزراعية، حيث تضررت أو دُمرت أكثر من 10 آلاف منشأة، في كثير من الحالات خارج سياق العمليات العسكرية المباشرة، بما يشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني.
كما أُثيرت مخاوف جدية بشأن استهداف صحفيين ومسعفين ومنشآت صحية، في المقابل، تقاعست السلطات اللبنانية عن اتخاذ خطوات حازمة للمساءلة، بما في ذلك عدم منح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية للنظر في هذه الانتهاكات، وشهد عاما 2024 و2025 تكرارًا لدعاوى فضفاضة ضد صحفيين وناشطين.
العدالة والمساءلة
اعتبر تقرير “العفو الدولية” أن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت عام 2020 شهد تقدما محدودا بعد استئنافه، مع استمرار عرقلة بعض المسؤولين للمساءلة، وبعد خمس سنوات لم تتحقق العدالة الكاملة للضحايا.
ولا يزال لبنان يفتقر إلى نظام شامل للحماية الاجتماعية، رغم بعض التحسينات في تعويضات الضمان الاجتماعي، حيث استمرت الفئات الهشة، بما في ذلك اللاجئون، في مواجهة صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتواصلت المطالب بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية والجنسية، بما في ذلك منح النساء حق نقل الجنسية لأطفالهن، مع تقديم مقترحات تشريعية بهذا الشأن لا تزال قيد النقاش.
واستمر لبنان في استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، خاصة السوريين، وسط تراجع حاد في التمويل الدولي، ما أدى إلى تقليص خدمات أساسية، منها الرعاية الصحية والتعليم، وترك عشرات الآلاف دون دعم، حيث وثقت المنظمة الدولية للهجرة وجود نحو مليون و300 ألف لاجئ سوري في لبنان.
وشهد لبنان أسوأ موجة جفاف في السنوات الأخيرة، مع انخفاض حاد في معدلات الأمطار، ما أثر على الموارد المائية والزراعة، كما أعلن عن أهداف محدودة لخفض الانبعاثات وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة بحلول 2035.
واقع حقوقي مأساوي
وتعقيبا على ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية، قال المحلل السياسي اللبناني، قاسم قصير، إن ما جاء بالتقرير بشأن واقع حقوق الإنسان في لبنان يتسم بالدقة والموضوعية إلى حد كبير، ويعكس صورة حقيقية للوضع القائم.
وأوضح قصير، في حديثه لـ”صفر”، أن هناك إشكاليات جدية على المستوى الحقوقي، يرتبط بعضها بأداء السلطات اللبنانية، لا سيما في ما يتعلق باستدعاء النشطاء والإعلاميين دون مراعاة الأطر القانونية المنظمة.
وأشار إلى أن بعض الصحفيين يُستدعون للمثول أمام جهات قضائية غير مختصة، خارج إطار محكمة المطبوعات، فضلا عن استدعاء ناشطين عبر شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي أو عبر جهات قضائية أخرى، معتبرا أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا واضحا للقوانين اللبنانية.
وأضاف أن “هناك انتهاكا أكثر جسامة يتمثل في ممارسات الجيش الإسرائيلي، الذي يستهدف الصحفيين والإعلاميين في لبنان”، لافتا إلى سقوط عدد من الضحايا في صفوفهم، خصوصا خلال العدوان الأخير المتزامن مع التصعيد الإقليمي قبل نحو شهرين.
وأكد قصير أن لبنان يواجه اليوم واقعا حقوقيا صعبا يتطلب مراجعة جادة من قبل الهيئات الحقوقية الدولية والعربية، بهدف تصويب الأداء، سواء على مستوى السلطات اللبنانية أو في ما يتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية التي تمس بالقانون الدولي.
وفي ما يتعلق بإمكانية تحسين هذا الواقع، أعرب قصير عن تشاؤمه، مشيرا إلى أن ما تطرحه منظمة العفو الدولية لا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل المؤسسات الرسمية اللبنانية، سواء وزارة العدل أو الأجهزة القضائية أو وزارة الداخلية.
وأضاف الخبير السياسي اللبناني أنه رغم صدور بعض المواقف الرسمية، لا توجد آليات فعالة لمتابعة تنفيذ القوانين وضمان احترام الحقوق، ما يستدعي دورا أكبر للهيئات الدولية في مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في لبنان.
تعقيدات البنية الاجتماعية
من جانبه، قال الناشط الاجتماعي اللبناني، وفيق الهواري، إن تقرير منظمة العفو الدولية يقدم عرضا موضوعيًا لما يشهده لبنان من انتهاكات في مختلف مجالات حقوق الإنسان.
واستدرك الهواري، في حديثه لـ”صفر”، بأن تحسين الأوضاع الحقوقية في المدى القريب يبدو أمرا صعبا، ليس فقط بسبب الأوضاع الإقليمية والتوترات المرتبطة بالصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، بل أيضا نتيجة طبيعة البنية الاجتماعية اللبنانية التي تشهد انقسامات عمودية عميقة.
وأوضح أن هذه الانقسامات تعوق تشكل كتلة اجتماعية مستقلة عن أطراف السلطة الطائفية، تكون قادرة على الدفاع عن حقوق الإنسان بمعناها الشامل، مضيفا أن بعض القوى الفاعلة في المجتمع تتعامل مع انتهاكات حقوق الآخرين باعتبارها مكاسب لها، وهو ما يعمق الأزمة ويقوّض أي إمكانية لبناء مقاربة حقوقية جامعة.
وتابع الهواري أن غياب هذه الكتلة المجتمعية العابرة للطوائف يجعل من الصعب إحداث تغيير حقيقي، ليبقى توصيف الواقع كما ورد في تقرير العفو الدولية قائما، مشددا رغم ذلك على أن السعي نحو تحسين الأوضاع يظل قائما، انطلاقا من رؤية إنسانية تسعى إلى بناء مستقبل تتعزز فيه حماية الحقوق ومواجهة الانتهاكات.
وأشار إلى أن تحديد إطار زمني لتحسن الأوضاع يظل أمرا غير ممكن، نظرا لارتباطه بتطورات الأوضاع الإقليمية والداخلية، مؤكدا أن تحقيق تقدم فعلي مرهون ببناء دولة قائمة على المؤسسات وسيادة القانون.
وخلص الهواري إلى أن أي تحسن في الواقع الحقوقي في لبنان يظل مرتبطا بقدرة اللبنانيين على تجاوز الانقسامات، وخلق مساحات مشتركة تتخطى الاعتبارات الطائفية والمناطقية، بما يسمح بإرساء منظومة حقوقية أكثر عدالة وشمولا.

