في قلب الصحراء الممتدة بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل تحوّلت في حالات كثيرة إلى فضاءات قاسية يتقاطع فيها الأمن والهجرة والاتجار بالبشر وحقوق الإنسان.
وفي مناطق نائية قرب حدود النيجر، تتكرر منذ سنوات مشاهد لمهاجرين وطالبي لجوء يُنقلون قسرًا في شاحنات أو حافلات، ثم يُتركون في بيئة صحراوية معزولة تحت درجات حرارة مرتفعة، دون ماء كافٍ أو غذاء أو حماية أو ضمانات قانونية.
وتطرح هذه الممارسات سؤالًا حقوقيًا أساسيًا: إلى أي حد يمكن للدول أن تضبط حدودها وتواجه الهجرة غير النظامية، دون أن تتحول إجراءاتها إلى تهديد مباشر للحق في الحياة والكرامة الإنسانية؟ فالأمن القومي ومكافحة التهريب اعتبارات مشروعة، لكن القانون الدولي لا يمنح الدول تفويضًا مفتوحًا لترحيل الأشخاص جماعيًا أو دفعهم إلى مناطق قد يواجهون فيها الموت عطشًا أو الاختفاء أو العنف أو الاتجار بالبشر.
وتشير تقارير حقوقية وإنسانية حديثة إلى أن عمليات الطرد الجماعي نحو المناطق الصحراوية، خاصة باتجاه بلدة أساماكا شمال النيجر وما يُعرف بـ“النقطة صفر” قرب الحدود الجزائرية، أصبحت نمطًا متكررًا.
ووثقت منظمة “هاتف إنذار الصحراء” ترحيل ما لا يقل عن 34,236 شخصًا من الجزائر إلى الصحراء قرب حدود النيجر خلال عام 2025، في قوافل رسمية وغير رسمية، مع تسجيل وفيات خلال هذه العمليات، وسط ترجيحات بأن الأرقام الفعلية أعلى من الموثق.
ممرات موت مفتوحة
لا تكمن خطورة الترحيل إلى الصحراء في الترحيل ذاته فقط، بل في طريقة تنفيذه. فوفق روايات منظمات ميدانية وتقارير إعلامية دولية، يُنقل المهاجرون أحيانًا إلى مناطق معزولة، ثم يُطلب منهم السير لمسافات طويلة حتى الوصول إلى أقرب بلدة أو نقطة مساعدة. وفي هذه المسافة، قد يواجهون العطش والإرهاق وضربات الشمس والتيه في الصحراء، فضلًا عن خطر الاعتداء أو الاستغلال من شبكات تهريب وجماعات مسلحة تنشط في مناطق حدودية هشة.
وفي أبريل 2025، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن أكثر من 1,800 مهاجر طُردوا من الجزائر إلى حدود النيجر في موجة واحدة، ونُقلوا إلى منطقة صحراوية نائية تُعرف باسم “Point Zero”، قبل وصولهم إلى أساماكا. وذكرت الوكالة أن عدد المطرودين الذين وصلوا إلى أساماكا في ذلك الشهر تجاوز 4 آلاف شخص، بينما كانت Alarm Phone Sahara قد وثقت أكثر من 30 ألف عملية طرد من الجزائر خلال عام 2024.
وتكشف هذه الأرقام أن الأمر لا يتعلق بحوادث معزولة، بل بنمط ترحيل واسع ومتكرر، يجعل الصحراء نفسها جزءًا من منظومة الردع.. فبدل أن تتم العودة وفق إجراءات قانونية واضحة، وفحص فردي، ورعاية إنسانية، يجد كثيرون أنفسهم أمام مسار قسري محفوف بالموت.
منطق الأمن وحدوده
تبرر حكومات في المنطقة هذه الإجراءات باعتبارات تتعلق بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضبط الحدود، ومواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتقليل الضغط الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن وجود مهاجرين بلا وضع قانوني. كما لا يمكن فصل هذه السياسات عن الضغوط الأوروبية المتزايدة لخفض أعداد الوافدين نحو شمال المتوسط، عبر دعم سياسات مراقبة الحدود في دول العبور.
لكن المقاربة الأمنية وحدها تخلق معضلة خطيرة؛ فحين يصبح الهدف هو “إبعاد” المهاجر بأي ثمن، يمكن أن تتحول الحدود إلى مساحة إفلات من الرقابة، حيث تُنفذ قرارات الطرد خارج المحاكم، وبلا محامين، وبلا مترجمين، وبلا فرصة حقيقية لطلب اللجوء أو الطعن.. عندها لا تصبح الدولة فقط بصدد إدارة الهجرة، بل تمارس سلطة قد تمس الحق في الحياة والحماية من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
وأكدت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بيانها بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين عام 2025 أن مبادئ عدم الإعادة القسرية، وحظر الطرد الجماعي، والفحص الفردي، والوصول إلى المساعدة القانونية، والمراجعة القضائية الفعالة تبقى واجبة التطبيق، بغض النظر عن مكان الاعتراض أو الإنزال أو النقل.
كما دعت الدول إلى إنهاء الإعادة القسرية والطرد الجماعي والاحتجاز المنهجي لأسباب متصلة بالهجرة.
عدم الإعادة القسرية
يُعد مبدأ عدم الإعادة القسرية حجر الزاوية في حماية اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين المعرضين للخطر، وهذا المبدأ يمنع الدول من إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطرًا حقيقيًا على حياته أو سلامته أو يتعرض للتعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية.
وقد أكدت اللجنة الإفريقية في قرارها بشأن عدم الإعادة القسرية أن حظر تسليم أو طرد أو إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد هو أساس اتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية للاجئين، وركن أساسي في حماية حقوق طالبي اللجوء واللاجئين.
وتتحمل النيجر، خصوصًا مناطق الشمال مثل أساماكا وأغاديز وديركو، جانبًا كبيرًا من الأثر الإنساني لهذه السياسات. فالبلاد ليست فقط دولة عبور، بل أصبحت أيضًا نقطة استقبال قسري لعشرات الآلاف من المطرودين من دول مجاورة. ومع ضعف الموارد والبنية الصحية والإنسانية، يؤدي تدفق المطرودين إلى ضغط شديد على الخدمات المحدودة.
وأشارت لوموند في يناير 2025 إلى احتجاج نحو 1,900 لاجئ وطالب لجوء أمام مكاتب المفوضية في أغاديز، معظمهم من السودان وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا وإريتريا، وكثيرون منهم طُردوا من الجزائر. واشتكى المحتجون من أوضاع معيشية شديدة الصعوبة، تشمل نقص المياه والغذاء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، مع تراجع التمويل الدولي وصعوبة إيجاد حلول لإعادة التوطين أو العودة الطوعية.
كما تُظهر خطة استجابة المنظمة الدولية للهجرة في النيجر لعام 2026 أن البلاد تواجه تحديات متداخلة في إدارة الهجرة والحماية والاستجابة الإنسانية وبناء السلام، في سياق هش أمنيًا واقتصاديًا.
بين التهريب والحماية
تؤكد الدول أن عمليات الترحيل تهدف إلى مواجهة التهريب والاتجار بالبشر، لكن المفارقة أن الترحيل الجماعي إلى الصحراء قد يعزز شبكات التهريب بدل إضعافها، فالمهاجر الذي يُترك بلا حماية ولا وثائق ولا موارد قد لا يجد أمامه سوى اللجوء مجددًا إلى المهربين للعودة إلى طريق الهجرة أو للوصول إلى مدينة آمنة.
وهكذا، تصبح سياسات الردع جزءًا من اقتصاد التهريب نفسه. فكلما أُغلقت الطرق القانونية، وتزايد خطر الطرد الجماعي، ارتفعت كلفة الرحلة وزادت سلطة المهربين على أجساد المهاجرين، ومن ثم، فإن حماية الحدود دون مسارات قانونية ودون ضمانات لا تنهي الهجرة، بل تجعلها أكثر سرية وأكثر خطورة.
من منظور حقوقي، لا يمكن وضع الحق في الحياة في مواجهة الأمن؛ فالدولة تستطيع تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، لكنها لا تستطيع تعريضهم عمدًا لظروف تهدد حياتهم أو كرامتهم.
كما أن الطرد الجماعي دون تقييم فردي يحرم الأشخاص من حقهم في طلب الحماية، ويمس مبدأ المساواة أمام القانون، ويجعل الفئات الأشد هشاشة، مثل الأطفال والنساء والناجين من التعذيب والاتجار، عرضة لخطر مضاعف.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مسار إعداد تقريرها لعام 2026 حول حقوق المهاجرين أن حماية المهاجرين تشمل جميع جوانب تنفيذ التزامات الدول تجاههم، لا سيما في سياقات الحدود والنقل والإبعاد.
النقطة صفر
قال الخبير في الشؤون الإفريقية علي كلني، إن منطقة الساحل والصحراء شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدا في سياسات الترحيل الجماعي للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، لا سيما نحو المناطق الحدودية الصحراوية مع دولة النيجر.
وأوضح كلني، في تصريحات لـ”صفر”، أن هذه السياسات ارتبطت بعمليات نقل قسري للمهاجرين إلى مناطق معزولة وقاحلة، وسط تقارير حقوقية متزايدة تتحدث عن تعريض آلاف الأشخاص لخطر الموت عطشا وجوعا، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية الإنسانية.
وأضاف أن هذه الإجراءات تثير إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة تتعلق بمدى توافقها مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبقدرة الدول الإفريقية على إدارة ملف الهجرة بما يحافظ على الأمن والسيادة، من دون انتهاك الحقوق الأساسية للمهاجرين.
وأشار كلني إلى أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان تكفل مجموعة من الحقوق الأساسية، من بينها الحق في الحياة، وحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، فضلا عن حق المهاجرين في الوصول إلى الإجراءات القانونية والطعن القضائي قبل تنفيذ قرارات الترحيل.
وتابع: “السياق الإفريقي يتضمن أيضا التزامات خاصة يفرضها الاتحاد الإفريقي والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تتعلق بحماية الكرامة الإنسانية ومناهضة التمييز”.
ولفت إلى أن تقارير دولية وحقوقية تشير إلى أن عمليات الترحيل نحو الحدود الصحراوية مع النيجر غالبا ما تُنفذ بصورة جماعية وفي ظروف تفتقر إلى الضمانات القانونية والإنسانية، موضحا أن منظمات دولية وثقت نقل آلاف المهاجرين إلى مناطق صحراوية نائية تُعرف بـ”النقطة صفر”، حيث يُتركون في ظروف مناخية قاسية دون مياه أو غذاء كافيين.

تدفقات الهجرة
وأكد كلني أن هذه السياسات يمكن اعتبارها متعارضة مع القانون الدولي لعدة أسباب، أبرزها تهديد الحق في الحياة عبر ترك المهاجرين في بيئة صحراوية شديدة الخطورة، إلى جانب أن الترحيل إلى مناطق معزولة من دون توفير الحماية أو الرعاية الصحية والغذائية قد يرقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
وأضاف أن كثيرا من المرحلين لا يحصلون على حق الاستعانة بمحامٍ أو التواصل مع المنظمات الإنسانية، كما لا تُتاح لهم فرصة الطعن في قرارات الترحيل.
ورغم الانتقادات الحقوقية، أوضح كلني أن بعض الحكومات الإفريقية تبرر هذه السياسات باعتبارات تتعلق بحماية الأمن القومي، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، والحد من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، فضلا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن تدفق المهاجرين، إلى جانب الضغوط الأوروبية الرامية إلى تشديد الرقابة على مسارات الهجرة.
وعن إمكانية إدارة دول المنطقة لملف الهجرة دون انتهاك الحقوق، قال كلني إن الدول من الناحية النظرية، تستطيع ممارسة سيادتها على حدودها وتنظيم حركة الهجرة، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تحديات كبيرة تعوق تحقيق التوازن بين الأمن واحترام حقوق الإنسان.
وأوضح أن أبرز هذه التحديات يتمثل في ضعف الإمكانات الإدارية والأمنية واللوجستية لدى كثير من دول الساحل والصحراء، ما يجعل إدارة تدفقات الهجرة عملية معقدة، إضافة إلى اتساع الحدود الصحراوية، الأمر الذي يصعب الرقابة الفعلية ويمنح شبكات التهريب قدرة واسعة على الحركة.
وعن سبل معالجة الأزمة، قال كلني، إن المقاربة الحقوقية للهجرة تقتضي الانتقال من منطق الردع والطرد إلى منطق الإدارة الإنسانية للهجرة، عبر احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، ومنع الترحيل الجماعي، وتوفير ممرات قانونية وآمنة للهجرة، وتعزيز التعاون الإقليمي الإفريقي، ودعم برامج العودة الطوعية بإشراف دولي، وإنشاء آليات مستقلة لمراقبة عمليات الترحيل.
وشدد على أن تعزيز التنمية والاستقرار في دول المصدر يظل عاملا أساسيًا لمعالجة جذور الهجرة غير النظامية، محذرا من أن منطقة الساحل والصحراء ستبقى، في ظل غياب حلول تنموية وإقليمية شاملة، مسرحا لأزمة إنسانية مرشحة للتفاقم ما لم تُعتمد سياسات هجرة أكثر توازنا واحتراما لحقوق الإنسان.
دروع بشرية
من جانبه، حذّر خبير الشؤون الإفريقية أنور إبراهيم من أن الإجراءات المتبعة في التعامل مع المهاجرين في منطقة الساحل الإفريقي تمثل انتهاكا واضحا لحقوق الإنسان، محذرا من تداعيات خطيرة قد تنجم عنها مستقبلًا نتيجة ردود الفعل المحتملة.
وقال إبراهيم، في حديثه لـ”صفر”، إن هذه الإجراءات “لا تبدو مشجعة أو ذات جدوى حقيقية، لأنها تمثل في جوهرها انتهاكا لحقوق الإنسان، وفي بعض الأحيان تتحول إلى نوع من استخدام المهاجرين كدروع بشرية، أو حتى إلى شكل من أشكال الانتقام المرتبط بفترات استعمارية سابقة وما خلفته من توترات”.
وأضاف أن المهاجرين يختلفون في دوافع تحركاتهم وظروفهم، وأن كثيرا منهم لا ذنب لهم في الأوضاع التي دفعتهم إلى الهجرة والتنقل، مشيرا إلى أن المنطقة تشهد حراكا عنيفا ومقلقا، وأن هذه التحركات قد تخلف آثارا مستقبلية كبيرة على شعوب ودول المنطقة.
وأوضح إبراهيم أن القارة الإفريقية تعج بملفات وانتهاكات مرتبطة بحقوق الإنسان، لافتا إلى أن بعض الحكومات والأنظمة السياسية تلجأ، بين الحين والآخر، إلى تبرير مواقفها وإجراءاتها الأمنية، غير أن هذه المبررات، بحسب تعبيره، لا تنفي مسؤوليتها عن تلك الانتهاكات أو تمنحها شرعية.
وشدد على الحاجة إلى تحرك دولي وإقليمي عاجل لمعالجة الأزمة، مؤكدا أن منطقة الساحل الإفريقي بحاجة إلى تعاون جاد، خاصة من الدول المجاورة، للتصدي لهذه التطورات والتعامل مع تداعياتها الإنسانية والأمنية.
وحذر إبراهيم من تداعيات مستقبلية قد تكون أكثر خطورة إذا استمرت أعمال العنف والانتهاكات بحق المهاجرين، قائلا إن المنطقة قد تشهد ظهور مجموعات متشددة أكثر تطورا وتنظيما، مقارنة بالتنظيمات المعروفة حاليا.
وأضاف أن مواجهة مثل هذه الجماعات قد تصبح أكثر صعوبة بالنسبة للحكومات، خاصة مع احتمالات تمددها عبر الحدود إلى دول تعاني أصلا من الهشاشة والصراعات، مثل السودان والصومال وأفريقيا الوسطى، إلى جانب دول أخرى في الإقليم.
وأكد إبراهيم أن استمرار هذه التحركات ووصولها إلى مناطق تعاني من النزاعات والانقسامات الداخلية قد يوفر لها حواضن اجتماعية جديدة، ما ينذر بتفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في المنطقة بأسرها.






