منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مهاجرون في مواجهة الصحراء.. تداعيات إنسانية لسياسات الردع على حدود الجزائر

03 مايو 2026
مهاجرون أفارقة عالقون في الصحراء
مهاجرون أفارقة عالقون في الصحراء

في عمق الجنوب الجزائري، حيث تمتد الصحراء الكبرى بلا حدود واضحة، تحولت مخيمات المهاجرين العشوائية في ولاية تمنراست إلى مسرح لعمليات أمنية أثارت جدلًا واسعا فمع مطلع عام 2026، نفذت وحدات من الجيش الوطني الشعبي بالتنسيق مع الدرك الوطني حملة ميدانية استهدفت تجمعات لمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة من نيجيريا والكاميرون، ما أدى إلى تفكيك هذه المخيمات وإتلاف مئات الخيام، ويأتي ذلك في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن مع التزامات القانون الدولي الإنساني.

تصعيد أمني وخسائر مباشرة

تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الجزائر أصبحت إحدى أهم نقاط العبور في مسارات الهجرة الإفريقية، حيث سجلت أكثر من 130 ألف حالة عبور لمهاجرين غير نظاميين خلال عام 2025، مقارنة بنحو 95 ألف حالة في 2023، ما يعكس زيادة ملحوظة في التدفقات، كما تم تسجيل أكثر من 31 ألف عملية ترحيل من الجزائر إلى دول الجوار، خصوصا النيجر، خلال 2025، وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2025، وتؤكد هذه الأرقام تصاعد الضغوط على السلطات الجزائرية في إدارة هذا الملف المعقد.

أسفرت العمليات الأمنية في منطقة تقرمت عن تدمير مراكز الإيواء المؤقتة التي كان يعتمد عليها المهاجرون، ما أدى إلى فقدانهم لممتلكاتهم الأساسية، بما في ذلك الوثائق الشخصية والغذاء. وتشير شهادات ميدانية نقلتها تقارير حقوقية إلى أن بعض المهاجرين تُركوا في مناطق صحراوية مفتوحة دون دعم كافٍ، في ظروف مناخية قاسية، وتؤكد منظمة أطباء بلا حدود أن هذه الظروف تؤدي إلى ارتفاع حالات الجفاف والإجهاد الحراري بين المهاجرين، خاصة خلال أشهر الصيف، وفق تقرير المنظمة لعام 2025.

وتعتمد الجزائر منذ سنوات سياسة الترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظاميين نحو حدودها الجنوبية، ووفق المنظمة الدولية للهجرة، تم ترحيل عشرات الآلاف إلى النيجر في عمليات جماعية، غالبا عبر منطقة “أساماكا” الحدودية، وتشير تقارير إلى أن بعض هذه العمليات تتم دون تقييم فردي للحالات، ما يثير إشكالات قانونية تتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026.

الإطار القانوني الدولي

تنص المادة 33 من اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين على حظر إعادة أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للخطر، كما تؤكد المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، ويرى خبراء قانونيون أن عمليات الترحيل الجماعي دون فحص فردي قد تتعارض مع هذه المبادئ، خاصة في حال عدم توفر ضمانات قانونية كافية، وفق تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لعام 2026.

انتقادات حقوقية متصاعدة

أعربت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2026 عن قلقها من عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين التي تنفذها الجزائر، مشيرة إلى أن آلاف المهاجرين يُنقلون إلى مناطق صحراوية نائية دون توفير الحد الأدنى من الحماية، كما وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2025 حالات إخلاء قسري للمخيمات دون إشعار مسبق أو توفير بدائل، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكًا للحقوق الأساسية، وفق تقارير المنظمتين.

ورغم تصاعد الانتقادات، لم تصدر السلطات الجزائرية بيانات تفصيلية حول العمليات الأخيرة في تمنراست، وهذا الغياب للشفافية يحد من القدرة على تقييم مدى قانونية الإجراءات، في المقابل، تشير بيانات وزارة الداخلية الجزائرية لعام 2025 إلى أن هذه العمليات تأتي في إطار مكافحة شبكات تهريب البشر والجريمة المنظمة، وحماية الأمن الوطني.

الأمن الجزائري مع مجموعة من المهاجرين

السياق الإقليمي والدولي

تأتي هذه التطورات في ظل تشديد السياسات الأوروبية تجاه الهجرة، ما أدى إلى تحويل دول شمال إفريقيا إلى مناطق عبور واستقرار مؤقت، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التغيرات المناخية، مثل التصحر، إلى جانب النزاعات في منطقة الساحل، ساهمت في زيادة تدفقات الهجرة خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز عدد النازحين والمهاجرين في المنطقة 4.5 مليون شخص بحلول 2026، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

مسارات الهجرة عبر الصحراء

تُظهر البيانات الميدانية أن الجزائر أصبحت جزءًا من أحد أكثر ممرات الهجرة تعقيدا وخطورة في العالم، حيث يسلك آلاف المهاجرين سنويا طرقا تمتد من غرب ووسط إفريقيا نحو شمالها، وتبدأ هذه المسارات غالبا من دول مثل نيجيريا والكاميرون ومالي، مرورا بالنيجر التي تُعد نقطة عبور رئيسية، قبل الوصول إلى جنوب الجزائر، خاصة ولاية تمنراست، ثم محاولة التوجه شمالًا نحو السواحل عبر ليبيا أو تونس، وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 130 ألف مهاجر عبروا الأراضي الجزائرية خلال عام 2025، مقارنة بنحو 95 ألفًا في 2023، ما يعكس تسارعا واضحا في وتيرة التدفقات، وفق تقرير “التدفقات المختلطة” الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة 2025.

وتُعد مدينة أغاديز في النيجر محورًا رئيسيا في هذه الشبكة، حيث تنطلق منها قوافل غير نظامية عبر الصحراء الكبرى نحو الجزائر، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذه الرحلات تعتمد في كثير من الأحيان على شبكات تهريب منظمة تستغل هشاشة المهاجرين، حيث يدفع الأفراد مبالغ قد تصل إلى 1000 دولار مقابل العبور، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2025،وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن الصحراء الكبرى باتت واحدة من أخطر طرق الهجرة عالميا، حيث يصعب توثيق الوفيات بدقة، إلا أن تقديراتها تشير إلى أن آلاف المهاجرين يفقدون حياتهم سنويًا نتيجة العطش أو الحوادث أو التخلي عنهم في مناطق نائية، وفق تقرير المنظمة 2026.

التداعيات الإنسانية

تؤدي عمليات تفكيك المخيمات والترحيل القسري إلى تعميق الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المهاجرون في جنوب الجزائر، فمع فقدان المأوى والغذاء، يجد المهاجرون أنفسهم في بيئة صحراوية قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة 45 درجة مئوية خلال فصل الصيف، ما يزيد من مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري، وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن عددا كبيرا من المهاجرين المرحلين يعانون من حالات صحية خطيرة، من بينها الجفاف الحاد وسوء التغذية والإصابات الناتجة عن الرحلات الطويلة، وفق تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 2025.

كما توثق منظمة أطباء بلا حدود ارتفاعًا في الحالات المرتبطة بالصدمات النفسية بين المهاجرين، نتيجة التعرض للعنف أو فقدان أفراد من العائلة أثناء الرحلة، وتشير بيانات المنظمة إلى أن نحو 60% من المهاجرين الذين تمت مقابلتهم في مناطق العبور أفادوا بتعرضهم لشكل من أشكال العنف أو الاستغلال، سواء من قبل مهربين أو أثناء الرحلة، وفق تقرير أطباء بلا حدود 2025، وتزداد خطورة الوضع عند عمليات الترحيل الجماعي، حيث يُترك بعض المهاجرين في مناطق حدودية نائية، مثل منطقة “أساماكا” على الحدود مع النيجر، دون موارد كافية، ما يضطرهم إلى السير لمسافات قد تتجاوز 15 كيلومترا للوصول إلى أقرب نقطة مأهولة، وفق المنظمة الدولية للهجرة 2026.

مهاجرون أفارقة عالقون في الصحراء

الفئات الأكثر هشاشة

تشير المعطيات الحديثة إلى تحول ملحوظ في تركيبة المهاجرين عبر منطقة الساحل وشمال إفريقيا، حيث لم تعد الهجرة مقتصرة على الرجال الشباب، بل باتت تشمل أعدادًا متزايدة من النساء والأطفال، وتفيد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن النساء يمثلن نحو 30% من إجمالي المهاجرين في المنطقة، بينما يشهد عدد الأطفال، خاصة غير المصحوبين بذويهم، ارتفاعا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير المفوضية لعام 2026.

وتواجه هذه الفئات مخاطر مضاعفة، حيث تتعرض النساء بشكل خاص لمخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الاستغلال والاتجار بالبشر، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء مهاجرات في مسارات شمال إفريقيا تعرضت لشكل من أشكال العنف خلال الرحلة، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة 2025، أما الأطفال، فيواجهون مخاطر فقدان الحماية الأسرية، والعمل القسري، وسوء التغذية، وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن غياب آليات حماية متخصصة يزيد من هشاشة هذه الفئات، داعية إلى توفير ممرات آمنة وخدمات حماية عاجلة.

مواقف دولية ودعوات للإصلاح

في ظل تصاعد هذه التحديات، تكثفت الدعوات الدولية لإعادة النظر في سياسات التعامل مع الهجرة غير النظامية في المنطقة، فقد أكدت الأمم المتحدة، عبر مجلس حقوق الإنسان، على ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة تضمن حماية الحدود دون المساس بالحقوق الأساسية للمهاجرين، مشددة على أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تبرر انتهاك مبدأ الكرامة الإنسانية، وفق تقرير مجلس حقوق الإنسان 2026.

من جانبها، دعت المنظمة الدولية للهجرة إلى تعزيز آليات الحماية الإنسانية، بما في ذلك توفير مراكز استقبال آمنة وتحسين ظروف الاحتجاز، مشيرة إلى أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية لمعالجة الظاهرة، كما شددت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على ضرورة وقف عمليات الترحيل الجماعي التي لا تراعي التقييم الفردي للحالات، معتبرة أن ذلك قد يشكل انتهاكًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.

وفي السياق ذاته، طالبت منظمات حقوقية دولية منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المحتملة، وضمان المساءلة، مع الدعوة إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في مراقبة أوضاع المهاجرين، وتشير هذه المنظمات إلى أن غياب الشفافية في بعض العمليات الميدانية يحد من القدرة على تقييم مدى الالتزام بالمعايير الدولية.

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة إلى تزايد الهجرة عبر الساحل منذ عام 2014، مع تصاعد النزاعات في مالي والنيجر، ومع تشديد الرقابة الأوروبية، أصبحت الجزائر نقطة استقرار مؤقت للمهاجرين، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن العوامل الاقتصادية والبيئية، مثل الفقر والتصحر، لعبت دورا رئيسيا في دفع موجات الهجرة خلال العقد الأخير.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تدفقات الهجرة عبر شمال إفريقيا مرشحة للاستمرار في الارتفاع خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بتفاقم الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة في منطقة الساحل، حيث أكدت المنظمة في تقريرها لعام 2026 أن “العوامل الدافعة للهجرة لا تزال في تصاعد مستمر”، خاصة في مالي والنيجر وتشاد.

كما حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التغيرات المناخية، بما في ذلك التصحر وندرة المياه، ستؤدي إلى زيادة ما يُعرف بـ”الهجرة المناخية”، متوقعًا أن يتأثر عشرات الملايين في إفريقيا بحلول عام 2030، ما يعزز الضغوط على مسارات الهجرة الحالية.

من جهتها، أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير الاتجاهات العالمية لعام 2026 أن استمرار النزاعات وانعدام الاستقرار في منطقة الساحل سيبقي مستويات النزوح والهجرة عند معدلات مرتفعة، مشيرة إلى أن عدد النازحين في المنطقة تجاوز 4.5 مليون شخص.

ويرى خبراء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن الاعتماد على المقاربات الأمنية وحدها، مثل الترحيل الجماعي وتشديد الرقابة الحدودية، قد يؤدي إلى تفاقم المخاطر على المهاجرين بدل الحد من الظاهرة، مؤكدين أن هذه السياسات تدفع المهاجرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة.

كما تؤكد منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن غياب حلول تنموية في دول المصدر، مثل الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية، يجعل من الهجرة خيارًا شبه حتمي، ما يتطلب سياسات شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والإنسانية للأزمة، وليس فقط نتائجها الأمنية.

تضع أحداث تمنراست الأخيرة الجزائر أمام معادلة دقيقة بين حماية حدودها الوطنية والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبينما تؤكد السلطات أن الإجراءات ضرورية لمكافحة الهجرة غير النظامية، تواصل المنظمات الدولية المطالبة بضمان احترام الكرامة الإنسانية، وفي ظل غياب الشفافية الكاملة، تبقى الحاجة ملحة لتحقيق توازن حقيقي بين الأمن والإنسانية في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية