حذّر الاتحاد الأوروبي للصحفيين من تصاعد الهجمات على وسائل الإعلام العمومية في القارة، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026، مؤكداً أن تلك الهجمات باتت تواجه تحديات تهدد دورها بوصفها ركيزة أساسية في النظم الديمقراطية.
وأوضح الاتحاد أن موجة الضغوط تمتد عبر عدة دول أوروبية، منها فنلندا وإيطاليا وفرنسا وسلوفاكيا وليتوانيا وجمهورية التشيك، في ظل محاولات حكومية متزايدة لإضعاف هذه المؤسسات أو فرض مزيد من السيطرة السياسية عليها. وأشار إلى أن الخطاب المنتقد للإعلام العمومي يتكرر في معظم هذه الدول، مدفوعاً بتيارات شعبوية تتهمه بالانحياز وارتفاع التكلفة وتراجع التأثير.
وفي هذا السياق، يبرز قانون حرية الإعلام الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس 2025، بوصفه أحد الأدوات التشريعية الرامية إلى حماية وتعزيز استقلال وسائل الإعلام العامة، إلا أن فعاليته العملية لم تُختبر بعد بشكل كامل.
وتشير بيانات اتحاد البث الأوروبي إلى تراجع التمويل الحقيقي للإعلام العمومي في دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 7.4% خلال العقد الماضي، نتيجة تخفيضات الميزانيات، وإلغاء رسوم التراخيص، وتراجع عائدات الإعلانات، إضافة إلى تغييرات في أنظمة الحوكمة. هذا الواقع دفع العديد من المؤسسات الإعلامية إلى تقليص النفقات، في وقت يُطلب فيه من الصحفيين إنتاج محتوى أكبر بموارد أقل.
وفي فرنسا، يواجه تليفزيون فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة أدت إلى خفض عدد العاملين وتقليص الإنتاج، وسط مخاوف من تأثير التمويل الحكومي في استقلالية المحتوى التحريري، كما شهدت البلاد تشكيل لجنة تحقيق بشأن “حياد” الإعلام العمومي، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة للتشكيك في مصداقيته قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أما في ليتوانيا، فتواجه هيئة LRT أزمة بعد مراجعة تتعلق بالحياد السياسي والتمويل، أعقبها طرح مقترحات لتجميد الميزانية وتعديل قواعد الإدارة. وفي جمهورية التشيك، أثار مشروع قانون حكومي لتعديل تمويل التلفزيون التشيكي والإذاعة التشيكية مخاوف من تقويض الاستقلال التحريري نتيجة غياب مشاورات كافية.
وفي إيطاليا، لا تزال RAI تعاني من تدخلات حكومية وانتقادات بشأن التعيينات السياسية، إلى جانب تخفيضات مالية أثّرت في استقرارها المهني.
وعلى هامش الاتحاد الأوروبي، أعلنت BBC في المملكة المتحدة عن أكبر خطة لتقليص الوظائف منذ 15 عاماً، في حين تواجه BHRT في البوسنة والهرسك أزمة مالية تهدد استمرارها.
ورغم هذه التحديات، شهدت بعض الدول تحركات شعبية داعمة للإعلام العمومي، كما في سويسرا، حيث صوّت المواطنون لأجل الحفاظ على نظام بث عام قوي، برفضهم مقترحاً لتقليص رسوم الترخيص الخاصة بـ SBC.
ويؤكد خبراء أن الإعلام العمومي بحاجة إلى إصلاحات تواكب التغيرات في بيئة الإعلام الرقمي، مع التركيز على تعزيز الشفافية والأخلاقيات المهنية، والاستثمار في المحتوى عالي الجودة والصحافة الاستقصائية. كما يشددون على أهمية الحفاظ على استقلاليته في ظل بيئة إعلامية تهيمن عليها منصات رقمية كبرى، تسهم في تراجع دور الصحافة التقليدية.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الإعلام العمومي في أوروبا سيظل مرهوناً بقدرة الحكومات والمجتمعات على حمايته باعتباره مرفقاً عاماً أساسياً، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بانتشار المعلومات المضللة وتراجع الثقة في وسائل الإعلام.
