منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عمليات البحث على غوغل في أوقات الأزمات تكشف إنسانيتنا بشكل مذهل

03 مايو 2026
خلال الأزمات مثل الفيضانات أو الأعاصير أو حرائق الغابات، تكون غريزة الناس الفورية هي المساعدة.
خلال الأزمات مثل الفيضانات أو الأعاصير أو حرائق الغابات، تكون غريزة الناس الفورية هي المساعدة.

يُقال لنا باستمرار إن الإنترنت جعلنا أكثر عزلة واستقطاباً وأنانية. لكن من موقعي بصفتي محرر بيانات في Google، حيث أتعامل يومياً مع الكمّ الهائل من بيانات البحث، أستطيع القول إن ما تكشفه نوايانا الفعلية يسير في الاتجاه المعاكس تماماً.

نحن أمام ما يُعدّ، إلى حد بعيد، أكبر قاعدة بيانات متاحة للجمهور في العالم، ويمكنها أن تعكس سلوك البشر عبر القارات. وعندما تضرب الكوارث، يتبع البشر نمطاً ذهنياً واضحاً: أولاً يسعون إلى الفهم، ثم يتحركون للمساعدة.

في الأزمات، حالتنا الافتراضية هي التعاطف. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في طريقة بحثنا عند وقوع كارثة طبيعية كبرى.

في المراحل الأولى لأي حدث، تتطور عمليات البحث بسرعة، ومع اقتراب الخطر، ترتفع الأسئلة التفسيرية؛ إذ يحاول الناس فهم ما يحدث وحجم التهديد، لكن مع إدراك خطورة الوضع، يحدث تحول لافت: ننتقل إلى البحث بـ”كيف”.. نغادر موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.

خلال الأزمات مثل الفيضانات أو الأعاصير أو حرائق الغابات، تكون غريزة الناس الفورية هي المساعدة.
خلال الأزمات مثل الفيضانات أو الأعاصير أو حرائق الغابات، تكون غريزة الناس الفورية هي المساعدة.

رأينا ذلك بوضوح خلال إعصار هارفي 2017، حيث لم تقتصر عمليات البحث على الاستعدادات التقليدية، بل اتجهت أيضاً إلى أسئلة إنسانية بسيطة وعميقة في آن: “كيف أهدّئ كلباً أثناء العاصفة؟” المعادلة هنا واضحة: الفهم أولاً، ثم الفعل.

هذا النمط يمكن تتبعه جغرافياً أيضاً. داخل مناطق الكارثة، تتركز عمليات البحث حول النجاة وحماية الأكثر ضعفاً.

ففي سبتمبر 2024، عندما ضرب إعصار هيلين 2024 اليابسة، شهدت الولايات المتضررة ارتفاعاً في عمليات البحث المتعلقة بحماية الحيوانات الأليفة، مثل “ملاجئ صديقة للحيوانات خلال الأعاصير” أو “كيف أهدّئ جرواً خائفاً”.

خلال إعصار هارفي في عام 2017، بحث الناس عن "كيفية تهدئة كلب في العاصفة".
خلال إعصار هارفي في عام 2017، بحث الناس عن “كيفية تهدئة كلب في العاصفة”.

أما خارج نطاق الكارثة، فتتجه عمليات البحث بشكل كاسح نحو كيفية تقديم المساعدة. حتى في الكوارث التي يصنعها الإنسان، يظهر هذا الدافع بوضوح.

ففي يوم إطلاق النار داخل ملهى بالس أورلاندو 2016، قفزت عمليات البحث المتعلقة بالتبرع بالدم بنسبة 1550% على مستوى الولايات المتحدة. لم يكن الأمر فقط استجابة مباشرة للاحتياج، بل تعبير عن رغبة عامة في الإسهام بأي شكل ممكن.

هذه الرغبة في التدخل والمساعدة سمة متكررة في وعينا الجمعي. بل إن عمليات البحث عن “كيف أساعد…” بلغت مستويات غير مسبوقة في عالم منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

اللافت أن هذه الأسئلة غالباً لا تتعلق بمساعدة الذات أو حتى الدائرة القريبة، بل بالآخرين.

عقب الكوارث الطبيعية، نبحث عن طرق للتبرع والمساندة. بعد حرائق ماوي 2023، كان أكثر ما بحث عنه المستخدمون هو “التبرع لحرائق ماوي”. ويتكرر النمط ذاته مع كل حدث عالمي كبير، من زلزال نوتو 2024 إلى موجة البحث الهائلة عن “التبرع لأوكرانيا” في عام 2022.

عندما تقع كارثة طبيعية، يبحث الناس عن كيفية المساعدة أو التبرع لقضية ما.
عندما تقع كارثة طبيعية، يبحث الناس عن كيفية المساعدة أو التبرع لقضية ما.

هذا الدافع يُعرف باسم “المساعدة المتبادلة”، وهو يعكس تقليداً إنسانياً طويلاً في دعم بعضنا البعض. البيانات تقول إننا نرغب في المساعدة لأننا نستطيع أن نرى أنفسنا في معاناة الآخرين، وهذا هو جوهر التعاطف. حتى في حياتنا اليومية، يظهر ذلك في عمليات البحث الأكثر شيوعاً، مثل “كيف أساعد شخصاً يعاني من الاكتئاب”، تليها أسئلة عن القلق ونوبات الهلع.

اهتماماتنا اليومية تتغير باستمرار، دقيقة بدقيقة. لكن في اللحظات الحاسمة، يتجه تركيزنا بوضوح نحو المساعدة. قد يبدو العالم أكثر انقساماً من أي وقت مضى، لكن البيانات تكشف خيطاً ثابتاً: الرغبة في دعم الآخرين.

يستريح فاعل الخير بعد تبرعه بالدم.
يستريح فاعل الخير بعد تبرعه بالدم.

أشياء مأساوية تحدث كل يوم. لكن استجابتنا لها غالباً ما تكون بسيطة وعميقة في آن: نريد أن نساعد، أن نصلح، وأن نجعل العالم مكاناً أفضل. والبيانات، بوضوح، تدحض الفكرة القائلة إن الإنسان لا يهتم إلا بنفسه.

نقلاً عن نيويورك بوست