من سوريا إلى لبنان، ومن العراق إلى ليبيا، لا تتوقف الحروب في الشرق الأوسط عند لحظة وقف إطلاق النار أو تراجع الجبهات، بل تترك خلفها طبقة أخرى من الخطر أقل ظهوراً وأكثر امتداداً.. أنقاضاً ملوثة، ومواد خطرة، وذخائر غير منفجرة، وألغاماً ومخلفات متفجرة تواصل قتل المدنيين وتعطيل العودة وإبطاء إعادة الإعمار وتسميم البيئة.
وتؤكد الأمم المتحدة ووكالاتها أن هذا الإرث ليس مجرد أثر جانبي للحرب، بل أزمة إنسانية وبيئية وحقوقية قائمة بذاتها، تمس سلامة السكان اليوم، وتهدد الأجيال القادمة أيضاً.
في لبنان خلّفت الحرب الأخيرة، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ما يقدّر بنحو 12,008,535 متراً مكعباً من الأنقاض، يزن ما بين 20.4 و27.2 مليون طن متري، من دون احتساب أضرار الطرق.
وأكدت الأمم المتحدة في لبنان أن “ملايين الأطنان من الأنقاض” باتت تشكل خطراً فورياً وطويل الأمد، خاصة مع اختلاطها أحياناً بذخائر غير منفجرة ومخلفات خطرة، وهو ما استدعى إطلاق فريق أممي لإدارة الأنقاض قائم على مقاربة مستدامة وحقوقية.
كما حذّرت الأمم المتحدة في مارس 2026 من أن الأنقاض والذخائر غير المنفجرة تعوق الوصول إلى القرى المتضررة والطرق الأساسية، ما يربط مباشرة بين إزالة المخلفات وإعادة الحياة والخدمات.
تلوث الأرض بالمتفجرات
وتُظهر البيانات الخاصة بالتلوث المتفجر في لبنان أن المشكلة ليست جديدة، بل تراكمية وتوسعت مع جولات القتال الأخيرة، فبحسب مرصد الألغام والذخائر العنقودية، كان لبنان حتى نهاية 2024 لا يزال يسجل 15.79 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الملوثة بالألغام المضادة للأفراد و4.67 كيلومتراً مربعاً ملوثة ببقايا الذخائر العنقودية، قبل احتساب ما أضافته الحرب الأحدث من ذخائر غير منفجرة.
وفي أبريل 2026 قُتل أحد أفراد قوات اليونيفيل وأصيب ثلاثة آخرون خلال مهمة لتطهير ذخائر متفجرة في جنوب لبنان، في مؤشر على أن الخطر لا يهدد المدنيين العائدين فقط، بل حتى فرق الإزالة نفسها.
كما قال خبراء أمميون في أبريل 2026 إن مئات الأشخاص ما زالوا تحت الركام في بعض المواقع بعد موجات قصف واسعة، ما يفاقم تعقيدات الإنقاذ وإدارة الأنقاض.
عودة النازحين في سوريا
في سوريا، تمثل مخلفات الحرب أحد أخطر المعوقات أمام عودة النازحين واستعادة الحياة اليومية، فقد قالت الأمم المتحدة في أبريل 2026 إن الأرض الملوثة بالذخائر المتفجرة ما زالت تحدّ من الحركة الآمنة وتؤخر التعافي وإعادة الإعمار في عموم البلاد.
ووفقاً للأمم المتحدة في سوريا، سُجل منذ ديسمبر 2024 أكثر من ألف حادث مرتبط بالمتفجرات خلّف أكثر من ألفي ضحية، في حين قالت اليونيسف إن ما لا يقل عن 1,891 إصابة مدنية وقعت منذ ديسمبر 2024، بينها 698 قتيلاً و1,193 جريحاً، مع كون الأطفال من بين الفئات الأكثر تضرراً، إذ شكلوا 30% من القتلى و40% من الجرحى بين ديسمبر 2024 وفبراير 2026.
وتشير أرقام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أيضاً إلى أن 241 طفلاً قتلوا أو شوهوا في 2024 وحدها بسبب هذه الأخطار.
وتعني هذه الأرقام أن الخطر في سوريا لم يعد محصوراً في مناطق الاشتباك، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للعائدين والمزارعين والأطفال والسكان الذين يحاولون استعادة بيوتهم ومدارسهم وحقولهم.
وقد سجّل تحديث مجموعة عمل الألغام في سوريا أنه بين 1 ديسمبر 2025 و28 فبراير 2026 فقط، وقعت 186 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة أسفرت عن 298 ضحية مدنية، بينهم 112 قتيلاً و186 مصاباً.
وتؤكد الأمم المتحدة أن إزالة هذه الأخطار شرط سابق لإعادة تشغيل الخدمات واستعادة الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني أصلاً من هشاشة واسعة، حيث 13.4 مليون شخص يواجهون انعداماً في الأمن الغذائي، وأكثر من 32% من المدارس متضررة أو غير عاملة.
ملايين الأطنان من الأنقاض
في قطاع غزة يبدو المشهد الأكثر كثافة وتدميراً، فقد قالت الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إن الحرب خلّفت نحو 61 مليون طن من الأنقاض حتى سبتمبر 2025، مع تضرر أو تدمير نحو 78% من أصل 250 ألف مبنى في القطاع.
ويشير التقييم الأممي إلى أن نحو 15% من هذه الأنقاض معرّضة بدرجة مرتفعة نسبياً لخطر التلوث بـالأسبستوس، والنفايات الصناعية، والمعادن الثقيلة إذا لم تُفرز وتُدار بشكل مبكر وآمن.
كما شددت الأمم المتحدة على أن الذخائر غير المنفجرة تشكل خطراً مرتفعاً في المناطق الحضرية الكثيفة، وأن إزالة الأنقاض لا يمكن فصلها عن إزالة المتفجرات وإدارة النفايات الخطرة.
ولا يقتصر الخطر في غزة على الحجم الضخم للركام، بل يمتد إلى الزمن والكلفة والتهديد المباشر للحياة، فقد قدّر مسؤول في الأمم المتحدة في 2024 أن إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة قد تستغرق 14 عاماً، في حين قالت رويترز في 2025 إن القطاع مليء بأكثر من 50 مليون طن من الركام، وإن 5% إلى 10% من الذخائر المستخدمة قد تكون أخفقت في الانفجار، ما يترك آلاف الأجسام القاتلة مدفونة بين البيوت والطرقات.
وتسببت مخلفات الحرب في 23 وفاة على الأقل و162 إصابة نتيجة الذخائر المتبقية، مع ترجيح أن يكون العدد الحقيقي أعلى، كما قدّرت تقارير أممية أن إزالة الركام وإعادة تدويره قد تستغرق حتى 20 عاماً وتكلف ما يصل إلى 909 ملايين دولار في ظل الظروف الصعبة الحالية.
إعاقة عودة النازحين
في العراق، ورغم مرور سنوات على انحسار المعارك الكبرى، ما تزال مخلفات الحرب تلقي بظلالها على التعافي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر قدّرت في أبريل 2025 أن نحو 2,100 كيلومتر مربع من الأراضي في العراق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب.
أي ما يعادل 300 ألف ملعب كرة قدم تقريباً، وهو تلوث يحدّ من عودة النازحين، ويمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، ويبطئ إعادة الإعمار.
ومن جهة أخرى، يورد مرصد الألغام أن العراق أبلغ حتى نهاية 2024 عن 444.39 كيلومتر مربع من تلوث الذخائر المتفجرة، إضافة إلى 427.68 كيلومتر مربع أخرى مصنفة مناطق مواجهة من دون تفصيل إضافي.
وفي أبريل 2025 قالت الأمم المتحدة واليونيسف إن 314 طفلاً على الأقل قتلوا أو أصيبوا خلال السنوات الخمس الماضية بسبب الذخائر المتفجرة في العراق، في حين أزال برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام في النصف الأول من 2025 فقط 7,401 ذخيرة متفجرة من مخلفات الحرب و399 عبوة ناسفة في نينوى.
تلوث الأرض والبيئة
أما ليبيا، فرغم غياب حرب شاملة بالمعنى التقليدي حالياً، فإن تلوث الأرض والبيئة الحضرية بمخلفات النزاع لا يزال حاضراً بقوة، فقد قالت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في أبريل 2026 إن ثلث ضحايا مخلفات الحرب في ليبيا خلال 2025 كانوا من الأطفال، وإن المخلفات المتفجرة والذخائر غير الآمنة ما زالت موجودة في الأحياء الحضرية وتترك آثاراً جسدية ونفسية مستمرة.
ونقلت تقارير مرتبطة بالأمم المتحدة أن ليبيا سجلت 63 ضحية لمخلفات الحرب في 2025، بينهم 21 طفلاً، كما أُزيلت خلال العام نفسه 92,295 قطعة من الألغام ومخلفات الحرب، مع تنفيذ برامج توعية بالمخاطر استفاد منها 24,481 شخصاً.
وهذه الأرقام تعكس أن الخطر في ليبيا ليس ماضياً مغلقاً، بل ملف نشط يتطلب إزالة وتوعية واستثماراً مستمراً في العمل الإنساني المتعلق بالألغام.
وعلى المستوى البيئي، لا تتوقف مخلفات الحرب عند حدّ القتل المباشر، بل تمتد إلى تلويث الهواء والماء والتربة، ففي غزة حذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن الأنقاض والغبار والمواد الخطرة والذخائر غير المنفجرة والنفايات الطبية والصناعية تشكل أخطاراً مستمرة على صحة الناس وعلى التعافي طويل الأمد.
وفي لبنان وغزة على السواء، تشدد الأمم المتحدة على أن إدارة الأنقاض يجب أن تقوم على الفرز وإعادة التدوير ومعالجة النفايات الخطرة وليس فقط الإزالة السريعة؛ لأن النقل العشوائي أو التخزين غير الآمن قد يعيد نشر الملوثات بدلاً من احتوائها، وهذا يعني أن ملف مخلفات الحرب ليس ملف هندسة مدنية فقط، بل ملف صحة عامة وحقوق بيئية وعدالة بين الأجيال.
شرط لإعادة الإعمار
وتؤكد المقاربات الأممية الحديثة أن إزالة الأنقاض والمتفجرات ليست مهمة لاحقة لإعادة الإعمار، بل هي الشرط الأولي لها، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشدد على أن الذخائر غير المنفجرة تواصل إيذاء المجتمعات لسنوات بعد توقف القتال، وأن المدنيين وفرق الإغاثة وعمّال البناء جميعهم يصبحون عرضة للخطر إذا لم يُسبَق الإعمار بعمليات تطهير مهنية وآمنة.
ولهذا يربط الخطاب الأممي بين إزالة الخطر واستعادة الثقة في الخدمات العامة وعودة السكان وإحياء سبل العيش.
وإذا كان هذا الدمار يختزل حجم الكارثة، فإن بعض وكالات الأمم المتحدة ترى إمكان تحويل جزء منه إلى فرصة لإعادة البناء بشكل أكثر استدامة، لكن بشروط صارمة، ففي غزة ولبنان تعمل الأمم المتحدة على مقاربات تتضمن سحق جزء من الأنقاض وإعادة استخدامه في مشاريع البنية التحتية أو الردم أو البناء، إلى جانب الفرز المبكر للمواد الملوثة والخطرة.
غير أن هذا التحويل من الدمار إلى مورد لا يكون ممكناً إلا إذا سبقه تطهير من الذخائر، وفرز بيئي دقيق، وتمويل كافٍ، وإتاحة وصول آمنة، وبدون ذلك يتحول الركام من فرصة محتملة إلى طبقة إضافية من الخطر المدفون تحت أقدام الناس.
