دعت آلية الخبراء المعنية بالحق في التنمية إلى تجديد الالتزام الدولي بهذا الحق وربْط سياسات مواجهة تغير المناخ والذكاء الاصطناعي بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة، والمشاركة وتقاسم المنافع بصورة منصفة، محذِّرة من أن الفجوات في التمويل والتكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية قد تحوّل أدوات يُفترض أن تدعم التنمية إلى عوامل جديدة لتعميق عدم المساواة بين الدول والمجتمعات.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الحوار التفاعلي مع آلية الخبراء المعنية بالحق في التنمية، حيث عرضت رئيسة الآلية، خوانا ماريا إيبانيز ريفاس، التقرير السنوي للآلية إلى جانب دراستين موضوعيتين تناولتا تمويل المناخ من منظور الهشاشة والمسؤولية، والذكاء الاصطناعي والحقوق الثقافية والحق في التنمية، في وقت شهدت فيه الجلسة مداخلات واسعة من دول ومجموعات إقليمية ودولية بشأن سبل تحويل الحق في التنمية من مبدأ معترف به إلى التزامات وإجراءات عملية.
وأوضحت إيبانيز ريفاس أن الآلية عقدت دورتها الثانية عشرة في جنيف خلال الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر 2025، ثم دورتها الثالثة عشرة في نيويورك بين 21 و23 أبريل 2026، وشهدت الدورتان مناقشات حول تأثير التعريفات التجارية على الحق في التنمية، والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية والحقوق الثقافية، ودور المجتمع المدني في التنمية، والمشاركة العامة، والسلام والأمن، والهجرة، والمساواة وعدم التمييز، إلى جانب مشروع العهد الدولي بشأن الحق في التنمية.
وأكدت أن مهمة الآلية لا تقتصر على تقديم الرأي النظري، وإنما تشمل توفير الخبرة المتخصصة للمجلس، وتحديد أفضل الممارسات وتبادلها، وتعزيز إعمال الحق في التنمية حول العالم، من خلال الدراسات الموضوعية والزيارات الدراسية والمناقشات والمشاورات مع الدول وكيانات الأمم المتحدة والآليات الإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية.
تمويل المناخ.. العدالة في مواجهة الهشاشة
ركّزت الدراسة الأولى، الواردة في الوثيقة على تمويل المناخ من منظور الهشاشة والمسؤولية، داعية إلى أن يقوم على المساواة والمشاركة الهادفة والشفافية والتعاون الدولي، مع مراعاة تفاوت الدول في مسؤوليتها التاريخية عن الانبعاثات وفي قدرتها على مواجهة آثار تغير المناخ.
وتستعرض الدراسة الآراء الاستشارية الأخيرة لمحكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان بشأن تغير المناخ، كما تبحث في فرص أسواق الكربون والمخاطر المحيطة بها، ومنها المبالغة في تقدير خفض الانبعاثات، وضعف النزاهة والمصداقية، وعدم المساواة في توزيع المنافع.
وتوصي الآلية بوضع ضمانات قوية وتسعير عادل للكربون واستراتيجيات تراعي الظروف الوطنية، مع التأكيد على ألّا تتحول أسواق الكربون إلى بديل عن التمويل التقليدي للعمل المناخي والتنمية.
وتتناول الدراسة أيضا مبادرات الطهي النظيف، لما توفره من فوائد في مجالات الصحة والمساواة بين الجنسين، إلى جانب المعادن الحيوية باعتبارها مصدرا محتملا للإيرادات أمام الدول النامية المنتجة، مع التشديد على ضرورة الجمع بين الحق في التنمية والحق في بيئة صحية، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب.
كما تطرح قضية إعادة الأموال المتدفقة بصورة غير مشروعة إلى بلدانها الأصلية، باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن أن تدعم تمويل التكيف والتحول المناخي.
وتؤكد الآلية أن العدالة في توزيع المنافع والمشاركة الحرة والهادفة للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والنساء تمثل شروطاً أساسية حتى يخدم التمويل المناخي التنمية بصورة عادلة.
وعكست مداخلات الدول النامية جوهر هذه المخاوف. فقد أكدت المجموعة الإفريقية، في بيان ألقته كينيا، أن إفريقيا من أكثر المناطق تضرراً من تغير المناخ رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات، وطالبت بتمويل كافٍ وإضافي وقابل للتنبؤ ومتاح، وألّا يتحول إلى مصدر جديد للديون أو يأتي على حساب احتياجات التنمية.
كما دعت المجموعة إلى الاستفادة من موارد القارة، بما فيها الغابات والطاقة المتجددة والمعادن الحيوية، بطريقة تعود بالنفع على الشعوب الإفريقية، خصوصاً عبر معالجة المعادن محليا وبناء الصناعات وخلق فرص العمل.
وتبنت زامبيا ونيجيريا موقفاً مشابهاً، مع التشديد على أن التمويل المناخي يجب ألّا يضع البلدان النامية أمام خيار صعب بين مواجهة آثار تغير المناخ والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والحد من الفقر.
أما الدول الجزرية الصغيرة، مثل جزر مارشال وفيجي، فركزت على ارتفاع تكاليف التكيف وتأثير ارتفاع مستوى سطح البحر والأعاصير وتآكل السواحل في قدرتها على الحفاظ على مكاسبها التنموية.
وطالبت جزر مارشال بتسهيل الوصول إلى التمويل، بينما دعت فيجي إلى تطوير مؤشرات وأدوات تساعد الدول الجزرية على قياس التقدم في إعمال الحق في التنمية في ظل محدودية قدراتها الإحصائية.
وأكدت باكستان، إلى جانب دول أخرى، أهمية مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات ذات الصلة، بينما شددت بنغلاديش على أن التمويل المناخي يجب ألّا يزيد أعباء الديون القائمة.
وفي الاتجاه ذاته، طرحت غامبيا أهمية ضمان حصول أقل البلدان نمواً على حصة عادلة من فوائد أسواق الكربون، فيما دعت موريشيوس إلى تنظيم عالمي أكثر وضوحاً للأنشطة المرتبطة بالمعادن الحيوية، محذّرة من مخاطر التدهور البيئي.
وبذلك تركز النقاش المناخي على قضية واحدة رئيسية: كيف يمكن تمويل التحول المناخي دون تحميل الدول الأكثر هشاشة أعباء إضافية، وبما يضمن أن تكون الموارد الطبيعية والتمويل والتكنولوجيا أدوات لبناء القدرات المحلية وليس لتعميق التبعية؟
الذكاء الاصطناعي.. فرصة للتنمية ومصدر لمخاطر جديدة
أما الدراسة الثانية فتناولت آثار الذكاء الاصطناعي على الحقوق الثقافية والحق في التنمية.
وأقرّت الدراسة بإمكانات الذكاء الاصطناعي في توسيع الوصول إلى الأدوات الإبداعية، والحفاظ على التراث الثقافي، وإحياء اللغات المهددة بالاندثار، لكنها حذّرت من أن غياب الضمانات قد يؤدي إلى تقويض الإبداع البشري، وإعادة إنتاج الأنماط الثقافية واللغوية المهيمنة، وتضييق مساحة التعبير الثقافي المتنوع.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر بالنسبة إلى البلدان النامية والشعوب الأصلية والأقليات والمنتجين الثقافيين على نطاق صغير، بسبب تفاوت الوصول إلى البيانات والبنية التحتية والقدرات الحاسوبية والأسواق.
وأولت الدراسة اهتماماً خاصاً باستخدام التراث الثقافي للشعوب الأصلية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، أحياناً دون موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة، ووصفت ذلك بأنه شكل من أشكال “الاستخراجية الرقمية”، داعية إلى الاعتراف بسيادة الشعوب الأصلية على بياناتها، وتعزيز الحوكمة المجتمعية للبيانات، وضمان تقاسم المنافع بصورة عادلة.
وتوصي الدراسة بأن تستند حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تتضمن أُطراً تنظيمية تضمن الشفافية والرقابة البشرية والمساءلة، إلى جانب إصلاح نظم الملكية الفكرية لحماية المبدعين والاستثمار في البيانات متعددة اللغات.
كما تدعو الشركات إلى تطبيق العناية الواجبة بحقوق الإنسان والشفافية بشأن بيانات التدريب، بينما تحث الدول على التعاون في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوفير المساعدة المالية.
فجوة التكنولوجيا.. الدول النامية تطالب بدور أكبر
وتقاطعت مداخلات الدول مع هذه المخاوف؛ فقد حذّرت المجموعة الإفريقية من أن الفجوات في التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية قد تزيد التبعية، مؤكدة ضرورة أن تكون الدول النامية قادرة على المشاركة في تطوير التكنولوجيا وحوكمتها، وليس الاكتفاء باستهلاكها.
وأكدت سلطنة عمان أهمية ضمان وصول البلدان النامية إلى التكنولوجيا والبيانات والقدرات، مع الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي، بينما حذّرت باكستان من التحيزات الخوارزمية والبيانية وإمكانية تضخيم أنماط التمييز والإقصاء.
ودعت الهند إلى بنية تحتية مفتوحة وشاملة ومتعددة اللغات للبيانات، وإلى تعزيز المهارات ونقل التكنولوجيا، فيما شددت إندونيسيا على ضرورة إدماج الموافقة وتقاسم المنافع في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها.
أما أنغولا فدعت إلى الجمع بين السيادة على البيانات والسيادة الثقافية والوصول إلى البنية التحتية والحوكمة وتقاسم المنافع، محذّرة من تحول البلدان النامية إلى مجرد مزود للبيانات والموارد الثقافية، بينما تبقى التكنولوجيا المتقدمة تحت سيطرة أطراف خارجية.
وفي مداخلتها، ربطت مصر بين الذكاء الاصطناعي وفرص الإبداع والابتكار والحفاظ على اللغات والتقاليد المهددة بالاندثار، لكنها حذّرت من أن احتكار هذه التكنولوجيا من جانب مجموعة محدودة من الشركات والدول قد يؤدي إلى تعميق الفجوات القائمة، مؤكدة أهمية تبني نهج يتمحور حول حقوق الإنسان ويحمي الإبداع البشري.
كما دعت السعودية إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان وتنمية القدرات، مشيرة إلى جهودها في إطار رؤية 2030، بينما أكدت الصين أهمية التضامن والتعاون وتهيئة بيئة مواتية للسلام والتنمية والاستفادة من الابتكار والتكنولوجيا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
السلام والأمن والحق في التنمية
وامتدت المناقشات إلى العلاقة بين السلام والأمن والحق في التنمية، خصوصاً في ظل الاستعداد لدراسة موضوعية جديدة تعمل عليها آلية الخبراء بشأن هذا الملف.
وفي هذا السياق، ربطت إيران بين التنمية والسلام والأمن، معتبرة أن تدمير البنية التحتية المدنية والاستثمارات التنموية نتيجة النزاعات العسكرية ينعكس مباشرة على الحق في التنمية، ودعت إلى بحث ما وصفته بـ”رهاب الجنوب”، في إشارة إلى المخاوف من النظر إلى الطموحات التكنولوجية والإنمائية في دول الجنوب العالمي من منظور أمني بصورة غير متناسبة.
أما العراق فأشار إلى التحديات التي يواجهها في مجالات تغير المناخ وندرة المياه والتصحر، إلى جانب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، موضحاً أنه يعمل على استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي لتوظيف التكنولوجيا في التعليم والصحة والزراعة والمياه والبيئة، فضلاً عن خطة وطنية للحماية الاجتماعية حتى عام 2030.
وأوضحت الآلية أن دراستها المقبلة بشأن السلام والأمن والحق في التنمية، المتوقع إنجازها عام 2027، ستتناول ثلاثة محاور رئيسية: التزامات الدول بموجب ميثاق الأمم المتحدة وحفظ السلام والتسوية السلمية للنزاعات، ثم نزع السلاح، وأخيراً العدالة الانتقالية.
مشروع العهد الدولي.. من الاعتراف إلى الالتزام
وشكّل مستقبل مشروع العهد الدولي بشأن الحق في التنمية أحد أبرز محاور النقاش، إذ دعمت دول نامية ومنظمات إقليمية اعتماد صك دولي ملزم قانوناً يضع إطاراً أكثر وضوحاً لإعمال هذا الحق.وأكدت حركة عدم الانحياز، في بيان ألقته أوغندا، أهمية تعميم الحق في التنمية داخل سياسات الأمم المتحدة ووكالاتها، و
كذلك في النظام المالي والتجاري الدولي، بينما دعت مجموعة “أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة” إلى تعزيز التعاون والتضامن الدوليين واعتماد صك ملزم.
كما أكدت “منظمة التعاون الإسلامي” أن اعتماد العهد الدولي يمكن أن يحول الحق في التنمية من حق معترف به منذ عقود إلى التزامات قانونية وآليات تنفيذ أكثر وضوحاً.
وجددت فنزويلا وكوبا وبنغلاديش دعمها لاعتماد صك ملزم، معتبرة أن استمرار الفجوة بين الاعتراف بالحق وإعماله يفرض الانتقال إلى إطار أكثر إلزاماً ومساءلة.
في المقابل، أكد الاتحاد الأوروبي استعداده للمشاركة البناءة في المفاوضات، مع الإبقاء على شواغله وتساؤلاته المتعلقة بمشروع الصك، مشدداً في الوقت نفسه على أن التنمية الشاملة والمستدامة وإعمال جميع حقوق الإنسان يعزز كل منهما الآخر.
40 عاماً على إعلان الحق في التنمية
وتكتسب المناقشات أهمية إضافية مع مرور أربعين عاماً على اعتماد إعلان الحق في التنمية عام 1986، وهي الذكرى التي اعتبرتها آلية الخبراء فرصة تتجاوز إحياء المناسبة إلى تجديد الالتزام السياسي وتحويل مبادئ الإعلان إلى إجراءات عملية.وقالت رئيسة الآلية إن الحق في التنمية يجسد بصورة خاصة ترابط الح
قوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، وله بُعدان؛ فردي وجماعي، ويقوم على المشاركة الهادفة للشعوب وعلى التعاون الدولي.
وأوضحت أن الدول الأعضاء هي صاحبة القرار في المضي قدماً بمشروع العهد الدولي، مشيرة إلى أن الآلية ناقشت المشروع خلال دورتها الثالثة عشرة ووضعت أمام الدول رؤيتها بشأن نطاقه وتداعياته.كما شددت على أن دور الآلية يتمثل في تحديد أفضل الممارسات وإبرازها وتبادلها بين الدول وأصحاب، بما يساعد على تحويل المبادئ الحقوقية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
قيود مالية لا توقف عمل الآلية
وفي عرضها للتقرير السنوي، كشفت آلية الخبراء أيضاً عن تأثير أزمة السيولة التي تواجه الميزانية العادية للأمم المتحدة في قدرتها على تنفيذ ولايتها خلال العام الحالي.
وأوضحت إيبانيز ريفاس أن القيود المالية أدت إلى إلغاء زيارات دراسية قطرية ومساهمات في بعض العمليات الدولية، إضافة إلى تقليص فرص مشاركة الخبراء الضيوف في دورات الآلية.
ورغم هذه القيود، قالت الآلية إنها واصلت التواصل مع الدول وأصحاب المصلحة، بما في ذلك عبر الفعاليات الجانبية وإعداد موجزات للسياسات تهدف إلى إتاحة الدراسات الموضوعية أمام جمهور أوسع.
نحو مرحلة جديدة
وفي ختام الحوار، أكدت رئيسة آلية الخبراء أن الملفات التي ناقشها المجلس لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، فتمويل المناخ يحتاج إلى عدالة في توزيع الموارد، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى حوكمة تحمي الحقوق والتنوع الثقافي، بينما يتطلب إعمال الحق في التنمية بيئة دولية قائمة على التعاون ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

وأعلنت الآلية أنها ستواصل العمل على موضوعات مستقبلية، من بينها التدفقات المالية غير المشروعة، والشعوب الأصلية والتنمية القائمة على تقرير المصير، والحق في مستوى معيشي لائق، وتأثير تشريعات العناية الواجبة الإلزامية بحقوق الإنسان للشركات على الحق في التنمية.
كما تستعد لدورتها الرابعة عشرة في جنيف خلال الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر 2026، داعية الدول وأصحاب المصلحة إلى تقديم مزيد من أفضل الممارسات في مجالات التحول المناخي العادل والذكاء الاصطناعي والسلام والتنمية.
وتكشف المناقشات في مجملها أن المعركة من أجل الحق في التنمية تدخل مرحلة أكثر تعقيداً؛ فلم يعد التحدي مقتصراً على توفير الموارد، وإنما بات مرتبطاً بمَن يمتلك التكنولوجيا والبيانات والمعادن والقدرة على اتخاذ القرار ومَن يحصل على فوائد التحولات الاقتصادية والمناخية والرقمية.
