منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حقوق الإنسان في مرمى النزاعات.. دعوة أممية لحماية النساء والأطفال ومحاسبة المنتهكين

16 سبتمبر 2026
بيغي هيكس، مديرة قسم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان
بيغي هيكس، مديرة قسم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان

حذّر تقرير للمفوض السامي لحقوق الإنسان من تصاعد المخاطر والانتهاكات التي تواجه النساء والأطفال في مناطق النزاعات المسلحة وما بعد انتهائها، مشيراً إلى أن الفجوة لم تعد مرتبطة بغياب القواعد القانونية الدولية، بقدر ما تتصل بفشل متواصل في تطبيقها وتحويلها إلى حماية فعلية وعدالة وجبر يمكن للضحايا والناجين الوصول إليها.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال مناقشة تقرير المفوض السامي حول تعزيز وحماية حقوق الإنسان للنساء والأطفال في حالات النزاع وما بعد النزاع، حيث ركز النقاش على سبل إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان المساءلة، وتوفير الجبر للضحايا، وإشراك النساء والأطفال في عمليات السلام والعدالة الانتقالية وإعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات.

وقدمت السيدة بيغي هيكس، مديرة قسم الموضوعات المواضيعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التقرير الذي أُعد استناداً إلى 50 مساهمة من كيانات مختلفة، بما في ذلك آليات الأمم المتحدة والهيئات الاستقصائية، وطرح سؤالاً محورياً حول كيفية تمكين الدول من مواجهة الإفلات من العقاب وتوفير سبل الجبر للنساء والأطفال المتضررين من النزاعات.

61 نزاعاً و473 مليون طفل

وأظهرت البيانات التي عرضتها المفوضية حجم التأثير المتزايد للنزاعات على المدنيين، إذ بلغ عدد النزاعات المسلحة 61 نزاعاً خلال عام 2024، فيما يُقدّر عدد الأطفال الذين يعيشون في مناطق متأثرة بالنزاعات بنحو 473 مليون طفل، أي أكثر من طفل واحد من كل ستة أطفال في العالم.

ووثقت الأمم المتحدة أكثر من 41 ألف انتهاك جسيم ضد الأطفال، بزيادة بلغت 25% مقارنة بعام 2023، في وقت بلغ فيه عدد الفتيات اللواتي يعشن على مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً من مناطق النزاعات القائمة نحو 665 مليون فتاة، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد.

ولفت التقرير كذلك إلى تصاعد العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، مع تضاعف الحالات التي تحققت منها الأمم المتحدة بين عامي 2024 و2025، بما يعكس اتساع نطاق المخاطر التي تواجه النساء والفتيات في البيئات المتأثرة بالحروب.

وأكدت هيكس أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد مؤشرات إحصائية، وإنما تمثل أرواحاً فقدت، وطفولة انقطعت، وأُسراً تشتتت، وناجين وناجيات يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام واقع يجمع بين العنف والنزوح وغياب الحماية وسبل الجبر.

النساء والفتيات أمام مخاطر متشابكة

وبحسب التقرير، تتعرض النساء والفتيات بصورة خاصة للعنف الجنسي، بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، إلى جانب فقدان سبل المعيشة ومحدودية الوصول إلى خدمات الصحة والعدالة.

أما الأطفال، فيواجهون أنماطاً مختلفة من الانتهاكات، تشمل التجنيد أو الاستخدام من جانب الجماعات المسلحة، والانفصال عن أسرهم، والهجمات على المدارس والمستشفيات، فضلاً عن الحرمان من التعليم والخدمات الأساسية.

ويزيد التمييز القائم على النوع الاجتماعي أو السن أو العرق أو الإثنية، وغيرها من العوامل، من حجم المخاطر التي تواجهها هذه الفئات، كما يمكن أن يفرض قيوداً إضافية على قدرتها على الوصول إلى الحماية والخدمات والعدالة.

وأشار التقرير إلى أن هذه الأنماط تظهر بوضوح في عدد من النزاعات الحالية، من بينها الأراضي الفلسطينية المحتلة والسودان وأوكرانيا.

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، أشارت المفوضية إلى ارتفاع أعداد الوفيات في صفوف المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، الذين يمثلون نسبة كبيرة من القتلى والجرحى، إلى جانب الآثار الناجمة عن التجويع والهجمات على البنية التحتية الصحية والقيود المفروضة على الصحة الجنسية والإنجابية.

وفي السودان، وثق مكتب حقوق الإنسان حالات اغتصاب جماعي وعنف جنسي قائم على أساس إثني، بالتزامن مع نزوح ملايين الأطفال وحرمان أعداد كبيرة منهم من التعليم.

أما في أوكرانيا، فقد أدت الهجمات المستمرة على البنية التحتية الأساسية إلى التأثير في الوصول إلى الخدمات الضرورية، مع زيادة مخاطر العنف الجنسي وغيرها من الانتهاكات المرتبطة بالنزاع.

القانون واضح.. لكن التطبيق غائب

وأكد التقرير أن الإطار القانوني الدولي يوفر قواعد واضحة لحماية المدنيين والنساء والأطفال، موضحاً أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبق في جميع الأوقات، بينما يوفر القانون الدولي الإنساني حماية للمدنيين ويحظر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، ويمنح الأطفال حماية خاصة.

كما يرسخ القانون الجنائي الدولي مبدأ المسؤولية الفردية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وبناءً على ذلك، تقع على عاتق الدول مسؤولية التحقيق في الانتهاكات الجسيمة، وملاحقة مرتكبيها، وتوفير سبل انتصاف فعالة وجبر للضرر للضحايا والناجين.

غير أن التقرير خلص إلى أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في غياب المعايير أو عدم وضوحها، وإنما في الفشل المستمر في تطبيقها وترجمتها إلى حماية وعدالة فعليتين.

ويواجه الناجون، وفق التقرير، عقبات متعددة تشمل الوصمة الاجتماعية والانتقام والعوائق المادية، فضلاً عن ضعف التوثيق الذي يمكن الوصول إليه، ومحدودية المساعدة القانونية الملائمة.

كما يمكن للقوانين التمييزية أن تمنع الضحايا من الإبلاغ عن الانتهاكات، فيما قد تؤدي الإجراءات التي لا تراعي النوع الاجتماعي أو العمر إلى إلحاق ضرر إضافي بالضحايا.

ومن بين الإشكالات التي سلط التقرير الضوء عليها أيضاً التعامل مع الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة باعتبارهم تهديداً أمنياً أو جناة، بدلاً من النظر إليهم بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية وإعادة الإدماج.

خمس أولويات لسد فجوة العدالة

وحدد التقرير خمس أولويات رئيسية لسد الفجوات القائمة بين الالتزامات القانونية والتطبيق العملي.

وتتمثل الأولوية الأولى في ضمان مشاركة النساء والأطفال بأمان في تصميم عمليات السلام ونتائجها، وفي مسارات المساءلة والحقيقة والجبر، مع توفير ضمانات للسرية والدعم النفسي والاجتماعي وإجراءات تراعي أعمار الأطفال.

واستند التقرير إلى تجارب مثل سيراليون وكولومبيا لإبراز أهمية إشراك الضحايا والناجين في آليات العدالة ولجان الحقيقة.

أما الأولوية الثانية فتتعلق بإزالة العقبات المؤسسية والقانونية التي تحول دون مساءلة الجناة، من خلال تعزيز التحقيقات المستقلة والمحايدة والمراعية للنوع الاجتماعي، وإزالة قواعد التقادم وغيرها من القيود التي لا تتوافق مع القانون الدولي.

وأشار التقرير إلى تجربة كولومبيا في استخدام مقاربات تراعي التقاطعية، إلى جانب إمكانية الاستفادة من وحدات ادعاء متخصصة لتحسين التحقيق في الجرائم المعقدة.

وتتعلق الأولوية الثالثة بجعل العدالة متاحة فعلياً، إذ لا يكفي وجود سبل انتصاف قانونية على الورق إذا كان الوصول إليها غير آمن أو مكلفاً أو قائماً على التمييز.

وفي هذا السياق، يمكن للمساعدة القانونية وحماية الشهود والإجراءات التي تراعي الأشخاص ذوي الإعاقة ودعم المناصرة أن تسهم في إزالة العوائق أمام العدالة.

واستشهد التقرير بالمحاكم المتنقلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي وسعت إمكانية وصول الناجين إلى العدالة في المناطق النائية، إلى جانب نموذج الناجيات في السودان الذي ساهم في تعزيز الوعي مع التركيز على السلامة والرفاه.

الجبر ليس خطوة رمزية

أما الأولوية الرابعة فتتمثل في ضمان جبر شامل وفي الوقت المناسب وممول بصورة كافية.

وأوضح التقرير أن الجبر ينبغي ألا يقتصر على التعويض المالي، وإنما يشمل إعادة الحقوق وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار، وأن يتعامل مع الأضرار المادية والنفسية والجسدية، فضلاً عن آثار الوصمة والتهميش والحرمان من التعليم وسبل العيش.

وأشار إلى تجربة النساء الإيزيديات الناجيات في العراق باعتبارها مثالاً على آلية إدارية أتاحت الحصول على أشكال من الجبر.

وشدد التقرير على ضرورة ألا ينظر إلى الجبر باعتباره خطوة نهائية أو رمزية، وإنما باعتباره وسيلة لإعادة الحقوق، وبناء الثقة في المؤسسات العامة، ومعالجة الظروف التي ساهمت في وقوع الانتهاكات.

كما دعا إلى الاعتراف بالأطفال باعتبارهم ضحايا، ودعم إعادة إدماجهم في مجتمعاتهم، وتوفير أشكال من الجبر تراعي احتياجاتهم الخاصة.

وتتعلق الأولوية الخامسة بمعالجة التغييرات البنيوية التي تساهم في استمرار التمييز والإقصاء، بما في ذلك تعزيز التعليم الشامل والمساءلة المؤسسية، وضمان استمرار الاهتمام باستبعاد النساء والاعتداء على المدافعات عن حقوق الإنسان وغير ذلك من أشكال التمييز.

دوهيم: العدالة لا تنجح من دون مشاركة النساء

من جانبه، قال برنار دوهيم، المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، إن الاستنتاجات المطروحة تتطلب تحركاً لإقامة عدالة حقيقية، وضمان المساءلة، وتوفير الجبر ومنع تكرار الانتهاكات، بما في ذلك من خلال تخليد الذاكرة.

وأشار إلى أن الدول مطالبة، خلال النزاعات أو بعدها، بالتصدي للعوائق المرتبطة بالعمر والنوع الاجتماعي والتي تحول دون وصول النساء والأطفال إلى الحماية والعدالة.

وأكد أن العدالة الانتقالية مطالبة أيضاً بمعالجة أوجه عدم المساواة البنيوية وعلاقات السلطة التي تعرض النساء والفتيات للعنف وتعرقل وصولهن إلى الجبر، موضحاً أن إعادة النساء إلى أوضاع التمييز والتبعية والاستبعاد لا يمكن أن تمثل مقياساً لنجاح عمليات العدالة.

وأشار دوهيم إلى أن فقدان التعليم والصحة والسكن ومصادر الرزق يمكن أن يؤثر في حياة المرأة لعقود، بينما يواجه الأطفال القتل والتجنيد والعنف الجنسي والانفصال عن الأسرة، فضلاً عن آثار استهداف المدارس والمستشفيات على بقائهم ونموهم.

وقال إن التطورات القانونية الدولية أسهمت في تطوير معايير لمواجهة العنف الجنسي والجندري والجرائم المرتكبة ضد الأطفال، إلا أن الإفلات من العقاب لا يزال قائماً، فيما تستمر الحواجز التي تعرقل الوصول إلى العدالة.

دعوات للمساءلة وحماية المدنيين

وخلال النقاش، دعت بولندا، باسم ليتوانيا وبولندا وأوكرانيا، إلى تعزيز آليات المساءلة الدولية والوطنية، وإلى اعتماد عدالة تراعي احتياجات الأطفال وتركز على الناجين، مع الحفاظ على الأدلة وضمان مشاركة النساء في القرارات المرتبطة بالتعافي والسلام.

كما أثارت إستونيا، باسم دول البلطيق الشمالية، مسألة المشاركة الكاملة والفعالة للنساء في عمليات السلام والأمن وصنع القرار بعد النزاعات، وسألت عن السبل الكفيلة بتوسيع هذه المشاركة في عمليات العدالة الانتقالية.

ودعا الاتحاد الأوروبي إلى مقاربة للمساءلة تراعي الضحايا والناجين، وتدعم نظم العدالة الوطنية القوية والجبر الموجه للضحايا، مع التأكيد على احترام القانون الدولي الإنساني.

وفي المقابل، ركزت مداخلات دول مجلس التعاون والمجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي على أوضاع النساء والأطفال الفلسطينيين، والدعوة إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب تعزيز المساءلة والجبر.

وأثارت البحرين ومنظمة التعاون الإسلامي، في مداخلاتهما، ملاحظات بشأن استخدام التقرير لبعض المصطلحات التي اعتبرتا أنها غير متوافق عليها بين الدول، ودعتا المفوضية إلى توخي الدقة في استخدام المصطلحات والمفاهيم في التقارير المقبلة.

كما عرضت كمبوديا آثار النزاع الحدودي مع تايلاند على النساء والأطفال والنازحين، مشيرة إلى مخاطر الذخائر غير المنفجرة، فيما أكد لبنان أن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة تركت آثاراً على النساء والأطفال، شملت الخسائر البشرية والنزوح وتدمير المنازل والبنية التحتية وتعطيل الصحة والتعليم.

من التوثيق إلى المحاكم

وفي ملاحظاته الختامية، أوضح دوهيم، رداً على سؤال طرحته بولندا بشأن كيفية تحويل الأدلة التي يتم جمعها خلال النزاعات إلى ملاحقات قضائية، أن الأمر يتطلب اعتماد أساليب وإجراءات مناسبة للتوثيق، بما يضمن عدم تكرار مظلومية النساء والأطفال.

وأكد أهمية التعاون بين الهيئات القضائية الوطنية والدولية، والاستعانة، عند الحاجة، بالولاية القضائية الدولية في الحالات التي تتجاوز فيها الجرائم الحدود.

وبشأن مشاركة النساء في العدالة الانتقالية وبناء السلام والمصالحة، شدد على ضرورة إزالة العوائق التي تحول دون مشاركتهن، بما فيها التحيزات النظامية والصور النمطية والعوائق الجغرافية.

كما دعا إلى إشراك النساء في تصميم وتنفيذ عمليات العدالة الانتقالية والآليات المرتبطة بها، بما في ذلك لجان الحقيقة، مع مراعاة اختلاف أوضاع المشاركات وفق العمر ووضع المهاجر أو الانتماء إلى الشعوب الأصلية وغيرها من العوامل.

وتخلص المناقشات إلى أن حماية النساء والأطفال في النزاعات لا تتوقف عند وقف القتال، بل تمتد إلى ما بعده، حيث تظل آثار العنف والنزوح وفقدان التعليم والصحة والسكن وسبل العيش قائمة لسنوات.

ومن ثم، فإن اختبار العدالة لا يرتبط فقط بوجود القوانين والآليات، وإنما بقدرة الضحايا والناجين على الوصول إليها بأمان، والحصول على جبر فعلي، والمشاركة في القرارات التي تحدد مستقبل مجتمعاتهم.

وفي هذا السياق، أكد التقرير أن النساء والأطفال يجب أن يُعاملوا باعتبارهم أصحاب حقوق وشركاء في عمليات السلام والتعافي، وأن تكون المساءلة والجبر والوقاية جزءاً من الاستجابة للنزاعات، لا إجراءات مؤجلة إلى ما بعد انتهائها.