منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

من الحماية الشكلية إلى المساءلة الفعلية.. تقرير تحليلي حول أبرز نقاشات مجلس حقوق الإنسان

24 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان

كشفت جلسة اليوم في مجلس حقوق الإنسان المنعقد في جنيف ضمن فعاليات الدورة الـ62، عن اتساع مفهوم الحماية الحقوقية في النقاشات الدولية المعاصرة، حيث لم يعد التركيز محصوراً في الانتهاكات التقليدية أو المباشرة، بل امتد إلى البنى القانونية والاجتماعية والاقتصادية والرقمية التي تنتج التمييز وتعيد إنتاجه، فقد ناقشت الجلسة ملفات متعددة ظاهرياً، لكنها مترابطة في جوهرها: العنف المنزلي ضد النساء والفتيات، وقتل النساء، وقوانين الأسرة التمييزية، والعنف في النزاعات، والعنف الرقمي والذكاء الاصطناعي، وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، وحقوق الشعوب الأصلية، ومسؤولية الشركات، والحق في الغذاء.

المحور الأبرز كان العنف المنزلي ضد النساء والفتيات، حيث ساد توافق واسع بين الوفود والخبراء والمنظمات على أن هذا العنف ليس مسألة خاصة أو خلافاً أسرياً، بل انتهاك ممنهج لحقوق الإنسان، مرتبط بعلاقات قوة غير متكافئة، وقوانين تمييزية، وصور نمطية، وضعف في منظومات الحماية والعدالة، كما جرى التأكيد على أن قتل النساء غالباً ما يمثل الفشل الأخير لمنظومة لم تتدخل رغم وجود مؤشرات خطر سابقة.

وفي موازاة ذلك، أبرزت الجلسة أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يفتحان جبهة جديدة للعنف والتمييز ضد النساء، من خلال المحتوى المزيف والمسيء، والمراقبة، وانتهاك الخصوصية، والخوارزميات المتحيزة، كما ناقشت الجلسة إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة داخل منظومة الأمم المتحدة، واعتبرت أن الإدماج الحقيقي لا يتحقق بالخطاب المؤسسي، بل بالوصول، والموارد، والترتيبات التيسيرية، والمشاركة المباشرة.

أما في محور الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، فقد كشفت المداخلات عن تصاعد القلق من آثار التعدين والزراعة الصناعية والصناعات البتروكيميائية على الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية وصغار المزارعين، مع دعوات واضحة للانتقال من المعايير الطوعية إلى التزامات قانونية ملزمة على الشركات، وتداخل ذلك مع نقاش الحق في الغذاء، حيث طُرح الأمن الغذائي بوصفه قضية حقوقية مرتبطة بالأرض، والعدالة، والنزاعات، وسلاسل الإنتاج، وليس مجرد مسألة زراعية أو تجارية.

الخلاصة الأساسية للجلسة أن العالم لا يعاني من نقص في المعايير الدولية، بل من فجوة عميقة بين الالتزام والتنفيذ، فالحقوق لا تُحمى بمجرد النصوص، بل تحتاج إلى مؤسسات فعالة، وموارد، وبيانات، ومساءلة، ومشاركة المتضررين، وقدرة حقيقية على منع الانتهاك قبل وقوعه.

السياق العام للجلسة

جاءت الجلسة ضمن أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، وبدت متعددة الملفات، إذ انتقلت من نقاش العنف ضد النساء والفتيات إلى استراتيجية الأمم المتحدة لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، ثم إلى ملفات الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، والحق في الغذاء، والموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للشعوب الأصلية، وصولاً إلى المساواة الجندرية في الفضاء الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي.

ورغم تعدد الملفات، فإن الخيط الناظم للجلسة كان واضحاً: حماية الفئات الأكثر هشاشة من أنماط انتهاك لم تعد تقليدية فقط، بل باتت قانونية، واقتصادية، ورقمية، ومؤسسية، فقد تكرر في معظم المداخلات أن الانتهاكات لا تبدأ دائماً من فعل مباشر، بل من بيئة تسمح به: قانون لا يحمي، ومؤسسة لا تستجيب، وشركة لا تُساءل، وخوارزمية لا تُراجع، أو مجتمع يعتبر العنف شأناً خاصاً.

هذا التحول مهم لأنه يعكس انتقال النقاش الحقوقي من توصيف الانتهاكات إلى مساءلة البنى التي تنتجها، فالعنف المنزلي لا يُفهم فقط كفعل فردي، بل كنتيجة لتمييز بنيوي، والذكاء الاصطناعي لا يُناقش فقط كتقنية، بل كأداة قد تعزز أو تقوض الحقوق، والشركات لا تُعامل فقط كفاعلين اقتصاديين، بل كجهات قادرة على التأثير في الأرض والغذاء والصحة والكرامة.

العنف المنزلي ضد النساء والفتيات

هيمن ملف العنف المنزلي على الجزء الأوسع من الجلسة، حيث أجمعت المداخلات على رفض التعامل معه باعتباره شأناً خاصاً، وقد تم تأطيره باعتباره أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً، وواحداً من أكثرها إخفاءً بسبب وقوعه غالباً داخل الأسرة أو العلاقة الزوجية.

أبرزت المداخلات أن العنف المنزلي لا يقتصر على الضرب أو الاعتداء الجسدي، بل يشمل أنماطاً متعددة من السيطرة، مثل العنف النفسي، والاقتصادي، والجنسي، والملاحقة، والتهديد، والعزل، والحرمان من الموارد، والمراقبة الرقمية، هذا التوسع في تعريف العنف يعكس فهماً أكثر نضجاً لطبيعة الانتهاك، لأن السيطرة على المرأة لا تتم دائماً عبر القوة الجسدية المباشرة، بل عبر شبكة من القيود القانونية والاجتماعية والاقتصادية.

كما ركزت الجلسة على العوامل التي تمنع الضحايا من الإبلاغ، مثل الخوف من الانتقام، والوصمة، وفقدان الأطفال، وانعدام الاستقلال المالي، وضعف الثقة بالمؤسسات، وهنا بدا واضحاً أن المشكلة لا تتعلق بالضحية التي “لا تبلغ”، بل بالنظام الذي لا يوفر لها شروط الإبلاغ الآمن.

التحليل الأهم في هذا المحور أن العنف المنزلي لا يمكن معالجته فقط عبر القانون الجنائي، فالعقوبة ضرورية، لكنها تأتي غالباً بعد وقوع الضرر، أما الوقاية فتحتاج إلى منظومة أوسع تشمل التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والإسكان، والملاجئ، والمساعدة القانونية، وتمكين النساء اقتصادياً، وتدريب العاملين في القطاعات المختلفة.

قتل النساء كفشل مؤسسي

طرحت الجلسة قضية قتل النساء باعتبارها الشكل الأخطر للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وقد برزت مقاربة مهمة تعتبر أن قتل النساء غالباً ليس حادثاً مفاجئاً، بل نهاية لسلسلة طويلة من العنف والتهديدات والمؤشرات التي لم تُقرأ أو لم تؤخذ بجدية.

هذه المقاربة تنقل المسؤولية من المستوى الفردي فقط إلى المستوى المؤسسي، فالسؤال لا يعود: لماذا لم تغادر المرأة العلاقة المسيئة؟ بل: لماذا لم تجد حماية عندما حاولت النجاة؟ ولماذا لم تتدخل الشرطة أو القضاء أو الخدمات الاجتماعية أو المجتمع المحلي رغم وجود مؤشرات خطر؟

وقد طُرحت فكرة مراجعة حالات قتل النساء كأداة وقائية مهمة، فكل حالة قتل يجب أن تُحلل لمعرفة أين فشلت المؤسسات، وما الفرص التي ضاعت، وما التدخلات التي كان يمكن أن تمنع الجريمة، هذه المقاربة تضع الدولة أمام واجب التعلم من كل حالة، بدلاً من الاكتفاء بتسجيلها كرقم جديد.

كما أن الحديث عن الجناة مهم في هذا السياق، فبعض الجناة يكون لديهم تاريخ سابق من العنف ضد نساء أخريات، أو سلوك تهديدي واضح، أو نمط ملاحقة وسيطرة، تجاهل هذه المؤشرات يعني السماح للعنف بالتصاعد حتى يصل إلى القتل.

قوانين الأسرة التمييزية

من أكثر المحاور حساسية وقوة في الجلسة الربط بين العنف المنزلي وقوانين الأسرة التمييزية، فقد أكدت عدة مداخلات أن النساء لا يتعرضن للعنف فقط بسبب سلوك المعتدين، بل أيضاً بسبب قوانين تجعل خروجهن من العلاقات المسيئة صعباً أو مستحيلاً.

عندما تُحرم المرأة من حق متساوٍ في الطلاق، أو تواجه إجراءات قضائية طويلة وغير منصفة، أو تُهدد بفقدان حضانة أطفالها، أو لا تملك حقاً كافياً في السكن أو الإرث أو الموارد الاقتصادية، فإنها تصبح أكثر عرضة للبقاء داخل العنف، وهنا لا يكون القانون محايداً، بل يتحول إلى جزء من منظومة السيطرة.

طرحت مداخلة Musawah وقصة سلمى من سريلانكا مثالاً واضحاً على فشل القانون في حماية النساء قبل وقوع العنف وأثناءه وبعده، فالفتاة التي تُزوج قسراً، ثم تتعرض للعنف، ثم لا تجد عدالة منصفة عند طلب الطلاق أو الحضانة، لا تواجه معتدياً واحداً فقط، بل تواجه منظومة كاملة.

التحليل الحقوقي لهذا المحور أن إصلاح قوانين الأسرة يجب أن يُعتبر جزءاً مركزياً من سياسات مكافحة العنف، وليس ملفاً منفصلاً، فلا يمكن بناء حماية حقيقية للنساء إذا كانت قوانين الأسرة تكرس عدم المساواة، كما أن استخدام الدين أو الثقافة أو التقاليد لتبرير استمرار القوانين التمييزية يمثل عقبة أساسية أمام الإصلاح.

النساء في النزاعات

أظهرت الجلسة أن النساء والفتيات في النزاعات يواجهن مخاطر مضاعفة لا تنتهي بوقف إطلاق النار، فالنزاع لا ينتج فقط عنفاً مباشراً، بل يفكك منظومات الحماية، ويدمر الخدمات، ويفرض النزوح، ويضع النساء في بيئات أكثر هشاشة.

في غزة، جرى التركيز على أثر تدمير البنية التحتية، والنزوح الواسع، واكتظاظ المخيمات، وانهيار الخدمات الصحية والنفسية والقانونية، وانعدام الخصوصية، وفي أفغانستان، طُرح وضع النساء بوصفه مثالاً على العنف الهيكلي القائم على السياسات التي تستبعد النساء من التعليم والعمل والحياة العامة وتقيّد حركتهن.

وتناولت بعض المداخلات في جلسة مجلس حقوق الإنسان، العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وأوضاع النساء في الاحتجاز، وضرورة التحقيق المستقل وجبر الضرر، وهذا يعكس إدراكاً بأن حماية النساء في النزاعات ليست قضية إنسانية فقط، بل قضية عدالة ومساءلة وسلام.

التحليل المركزي هنا أن برامج بناء السلام والتعافي لا يمكن أن تكون فعالة إذا لم تضع النساء والفتيات في صميمها، فالسلام الذي لا يعالج العنف القائم على النوع الاجتماعي، ولا يضمن مشاركة النساء، ولا يعيد بناء الخدمات الداعمة لهن، يبقى سلاماً ناقصاً وهشاً.

الذكاء الاصطناعي والعنف الرقمي

انتقلت الجلسة إلى نقاش بالغ الأهمية حول المساواة الجندرية في الفضاء الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي، وقد اتفقت مداخلات أستراليا ونيوزيلندا ودول الشمال والبلطيق والاتحاد الأوروبي على أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً، لكنه يحمل أيضاً مخاطر جدية على النساء والفتيات.

أبرز المخاطر التي طُرحت تمثلت في إنتاج محتوى مزيف أو مسيء، والمراقبة، وانتهاك الخصوصية، والتحرش الرقمي، واستخدام الخوارزميات لتوسيع نطاق الكراهية أو التمييز، وهذا النوع من العنف لا يبقى داخل الشاشة، بل ينعكس على مشاركة النساء في السياسة والإعلام والعمل والمجتمع المدني.

التحليل الأهم أن العنف الرقمي ليس بديلاً عن العنف التقليدي، بل امتداد له بأدوات جديدة، فالهدف يبقى نفسه: السيطرة، الترهيب، الإسكات، وإخراج النساء من المجال العام، لكن الوسيلة أصبحت أسرع انتشاراً، وأصعب محواً، وأوسع أثراً.

وقد برزت دعوات واضحة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي، وعدم ترك تنظيمه للقطاع الخاص وحده، كما جرى التأكيد على ضرورة السلامة في التصميم، والمساءلة الخوارزمية، وحماية البيانات، وتجريم الأشكال الخطيرة من العنف الرقمي، وضمان مشاركة النساء في تصميم وتطوير التكنولوجيا.

إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة

عرضت المفوضية السامية لحقوق الإنسان تقريرها الشفهي بشأن استراتيجية الأمم المتحدة لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، وبيّنت تحقيق تقدم في مؤشرات عدة، منها القيادة، والتخطيط الاستراتيجي، والسياسات المؤسسية، والترتيبات التيسيرية المعقولة، والتدريب.

لكن التقرير لم يقدم صورة مثالية، بل أقر بوجود فجوات مهمة، خصوصاً في التشاور المنهجي مع منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وإمكانية الوصول في المشتريات والبرامج والمكاتب، وبيئة العمل، والبرامج القطرية.

التحليل الأساسي لهذا المحور أن الإدماج لا يتحقق عبر إعلان الالتزام فقط، فالترتيبات التيسيرية، وإمكانية الوصول، والتدريب، والموارد، وآليات المساءلة، كلها شروط ضرورية لتحويل الإدماج إلى واقع، كما أن مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم في تصميم السياسات ليست مسألة استشارية شكلية، بل حق وشرط فعالية.

يعكس هذا المحور أيضاً تحدياً أوسع داخل المؤسسات الدولية: كيف يمكن للأمم المتحدة أن تطالب الدول بالإدماج إذا لم تكن هي نفسها نموذجاً كاملاً في هذا المجال؟ ولذلك فإن التقدم المعلن مهم، لكنه يظل بحاجة إلى استثمار مستمر وتغيير ثقافي مؤسسي.

الأعمال التجارية أمام مجلس حقوق الإنسان

ناقشت الجلسة آثار الشركات والمشاريع الكبرى على حقوق الإنسان، لا سيما في قطاعات التعدين والزراعة الصناعية والصناعات البتروكيميائية، وقد كشفت مداخلات منظمات مثل FIAN وCELS وCIMI ومركز القانون البيئي الدولي عن نمط متكرر: مشاريع اقتصادية كبرى تُنفذ على حساب المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية وصغار المزارعين، في ظل ضعف الرقابة وغياب الانتصاف الفعال.

في صربيا، تم التطرق إلى آثار التعدين واحتمال تهجير مئات الأسر، وفي أمريكا اللاتينية، برز الحديث عن الصناعات البتروكيميائية والبذور المعدلة وراثياً وأثرها على المياه والصحة والغابات والشعوب الأصلية، كما تكرر الحديث عن الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة بوصفها ضمانة أساسية لا يجوز اختزالها بإجراء شكلي.

التحليل الأهم أن المعايير الطوعية لم تعد كافية، فالشركات، خصوصاً العابرة للحدود، تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الحقوق، ولا يمكن الاكتفاء بدعوتها إلى احترام المبادئ، المطلوب تشريعات ملزمة للعناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، وآليات مساءلة عابرة للحدود، وجبر ضرر فعال.

كما أن التنمية لا يمكن أن تكون مبرراً لانتهاك حقوق المجتمعات، فإذا كان مشروع اقتصادي يؤدي إلى تهجير السكان، أو تدمير الموارد، أو إقصاء الشعوب الأصلية من القرار، فإنه يفقد مشروعيته الحقوقية حتى لو حمل عنوان الاستثمار أو التنمية.

الأمن الغذائي كقضية عدالة

ناقشت الجلسة الحق في الغذاء من زاوية الاحتيال الغذائي، والأمن الغذائي، والزراعة الصناعية، واستخدام التجويع كسلاح في النزاعات، وقد برزت مداخلات تربط بين الغذاء والأرض وحقوق صغار المزارعين ومساءلة الشركات.

التحليل الأساسي أن الأمن الغذائي لا يمكن اختزاله في توفر الطعام أو ضبط الأسواق، فالحق في الغذاء يعني أن يكون الغذاء متاحاً وآمناً ومناسباً ومستداماً، وأن لا يُحرم الناس من الأراضي والموارد التي تمكنهم من إنتاجه أو الوصول إليه، وعندما تؤدي نماذج الزراعة الصناعية إلى نزوح صغار المزارعين أو الاستيلاء على الأراضي، فإنها تمس جوهر الحق في الغذاء.

كما أثيرت قضية استخدام التجويع كسلاح في النزاعات، وهي من أخطر الانتهاكات لأنها تحول الغذاء من حق إنساني إلى أداة حرب، وقد أُشير إلى السودان في هذا السياق، بما يعكس تصاعد القلق من استهداف الأمن الغذائي ضمن النزاعات المسلحة.

مداخلة السيد لاوي ركزت على الحاجة إلى وضوح المعايير، والتنسيق بين وزارات الزراعة والعدل والمؤسسات الحقوقية، وبناء القدرات البحثية، واعتماد خطط عمل وطنية في مجال الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وهذا يوضح أن الحق في الغذاء يحتاج إلى مقاربة متعددة القطاعات، لا إلى حلول فنية ضيقة.

مواقف الدول بين عرض التقدم والدفاع السياسي

شهدت الجلسة تنوعاً في مواقف الدول، بعض الدول عرضت إصلاحات وطنية مثل إسبانيا والمكسيك ومولدوفا وأستراليا وكندا وفرنسا وإيرلندا والصين وفيتنام وزيمبابوي، وركزت هذه المداخلات على التشريعات، والاستراتيجيات الوطنية، ومراكز الدعم، وخطط العمل، وجمع البيانات، والتدريب، والتمويل.

في المقابل، برزت مداخلات ذات طابع دفاعي أو سياسي، مثل مداخلة زيمبابوي التي رحبت بالتقرير لكنها أوضحت موقفها من بعض القضايا ورفضت التشكيك في إرادتها السياسية، ومداخلة مؤسسة الصين لتنمية حقوق الإنسان التي حذرت من تسييس القضايا الاقتصادية والتجارية باسم حقوق الإنسان.

هذا التباين يكشف أن مجلس حقوق الإنسان ليس مساحة فنية فقط، بل ساحة تفاوض سياسي أيضاً، فالدول تستخدم المداخلات لتأكيد الالتزام، لكنها في الوقت ذاته تحاول حماية صورتها الوطنية أو توجيه النقاش بما ينسجم مع مصالحها السياسية.

ومع ذلك، فإن القيمة الحقوقية للجلسة تكمن في أنها أبقت التركيز على المعايير: منع العنف، حماية الضحايا، إدماج الفئات المتضررة، مساءلة الشركات، وتنفيذ الالتزامات.

فجوات كشفتها جلسة مجلس حقوق الإنسان

أظهرت الجلسة عدداً من الفجوات العميقة:

أولاً، فجوة التنفيذ، حيث توجد معايير دولية واضحة، لكن التطبيق الوطني لا يزال ضعيفاً أو غير متسق.

ثانياً، فجوة الحماية، إذ لا تزال النساء والفتيات والضحايا في النزاعات والأشخاص ذوو الإعاقة والمجتمعات المحلية يواجهون صعوبة في الوصول إلى خدمات فعلية.

ثالثاً، فجوة البيانات، حيث يتكرر غياب البيانات المصنفة والموثوقة، ما يضعف التخطيط والمساءلة.

رابعاً، فجوة التمويل، إذ لا تكفي التشريعات دون موارد مخصصة للملاجئ، والدعم القانوني، والخدمات، والتدريب، وإمكانية الوصول.

خامساً، فجوة المساءلة، سواء في قضايا العنف ضد النساء، أو انتهاكات الشركات، أو العنف الرقمي.

سادساً، فجوة المشاركة، حيث لا تزال الفئات المتأثرة غالباً خارج عملية صنع القرار، رغم أنها الأقدر على تحديد الاحتياجات والثغرات.

دلالات الجلسة حقوقياً وسياسياً

تحمل الجلسة ثلاث دلالات رئيسية:

الأولى أن حقوق الإنسان لم تعد تُناقش فقط من زاوية الانتهاك المباشر، بل من زاوية البنى المنتجة للانتهاك، وهذا واضح في الربط بين قوانين الأسرة والعنف، وبين الخوارزميات والتمييز، وبين الشركات والحق في الأرض والغذاء.

الثانية أن مفهوم الحماية يتسع، فالحماية لم تعد تعني تدخل الشرطة بعد وقوع الضرر فقط، بل تشمل الوقاية، والبيانات، والتعليم، وإصلاح القوانين، وتمكين الضحايا، وتغيير الثقافة المؤسسية.

الثالثة أن المساءلة أصبحت مطلباً عابراً للملفات، فالمساءلة مطلوبة للجناة في العنف المنزلي، وللدول في النزاعات، وللشركات في المشاريع الاقتصادية، وللمنصات الرقمية في العنف الإلكتروني، وللمؤسسات الدولية في إدماج الإعاقة.

توصيات تحليلية

بناءً على مجمل النقاش، يمكن استخلاص مجموعة توصيات:

1.     اعتماد قوانين شاملة لمكافحة العنف المنزلي تشمل العنف النفسي والاقتصادي والرقمي، ولا تقتصر على العنف الجسدي.

2.     إصلاح قوانين الأسرة التمييزية، خصوصاً في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والإرث والولاية القانونية.

3.     إنشاء آليات وطنية لمراجعة حالات قتل النساء بهدف تحديد فرص الوقاية المهدورة.

4.     توسيع خدمات الحماية للناجيات، بما يشمل الملاجئ، الدعم القانوني والنفسي، أوامر الحماية، والمساعدة الاقتصادية.

5.     إدماج حماية النساء والفتيات في خطط الاستجابة الإنسانية وبناء السلام والتعافي بعد النزاعات.

6.     اعتماد أطر وطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي تراعي حقوق الإنسان والمساواة الجندرية.

7.     إلزام شركات التكنولوجيا بالمساءلة عن العنف الرقمي والمحتوى المسيء وانتهاك الخصوصية.

8.     تعزيز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال الوصول الشامل، والترتيبات التيسيرية، والمشاركة المباشرة، والموارد الكافية.

9.     فرض العناية الواجبة الملزمة على الشركات في مجال حقوق الإنسان والبيئة.

10.   احترام الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية قبل تنفيذ المشاريع الكبرى.

11.   إدراج الحق في الغذاء ضمن التشريعات والسياسات الوطنية، وربطه بحماية الأرض وصغار المنتجين ومساءلة الشركات.

12.   دعم منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة والشعوب الأصلية بوصفها شريكاً أساسياً في الحماية والرصد والمساءلة.

مجلس حقوق الإنسان يناقش التحدي العالمي

تكشف الجلسة الخامسة عشرة لدورة حقوق الانسان الـ62 أن التحدي الحقوقي العالمي لم يعد في تعريف الانتهاكات، بل في منعها ومساءلة مرتكبيها وتفكيك البنى التي تسمح باستمرارها، فالعنف المنزلي لا يستمر لأن العالم لا يعرف خطورته، بل لأنه لا يزال يجد حماية في الصمت والقوانين التمييزية وضعف المؤسسات، والعنف الرقمي لا ينتشر لأن التكنولوجيا حتمية، بل لأن تنظيمها لا يزال متأخراً عن ضررها، وانتهاكات الشركات لا تحدث في الفراغ، بل في ظل ضعف الرقابة وطوعية المعايير، واستبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة لا ينتج عن الإعاقة ذاتها، بل عن مؤسسات لم تُصمم لتكون شاملة.

الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أن الحماية لا تكون حقيقية إلا عندما تصبح نظاماً لا استثناءً، نظاماً يسمح للمرأة بالنجاة قبل أن تُقتل، وللفتاة بالتعلم دون خوف، وللشخص ذي الإعاقة بالمشاركة دون عوائق، وللشعوب الأصلية بأن تقول كلمتها قبل أن تُنتزع أرضها، وللمجتمعات بأن تحصل على الغذاء والعدالة لا على الوعود.

إن الانتقال من الحماية الشكلية إلى المساءلة الفعلية هو جوهر المعركة الحقوقية التي عكستها هذه الجلسة، وما لم تتحول الالتزامات إلى موارد ومؤسسات وقوانين عادلة ومشاركة حقيقية، سيبقى الضحايا يدفعون ثمن الفجوة بين ما يقوله العالم عن الحقوق، وما يفعله لحمايتها.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print