شهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال جلسته الخامسة عشرة ضمن أعمال دورته الـ62 المنعقدة في جنيف، نقاشاً موسعاً حول العنف المنزلي ضد النساء والفتيات، باعتباره أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها انتشاراً على مستوى العالم.
وشارك في الجلسة مسؤولون أمميون وخبراء مستقلون وممثلون عن دول ومجموعات إقليمية ومنظمات مجتمع مدني، حيث جرى استعراض حجم الظاهرة وتداعياتها الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب مناقشة السبل الكفيلة بتعزيز الحماية القانونية والمؤسسية للنساء والفتيات.
وبرز خلال المناقشات حضور عربي لافت من خلال مداخلات دول عربية ومبادرات إصلاحية وتجارب تشريعية جرى الاستشهاد بها في النقاشات الأممية باعتبارها نماذج تسهم في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن تأكيد عدد من الوفود العربية التزامها بحماية الحقوق والحريات وتعزيز الثقة في المؤسسات والفضاءين الواقعي والرقمي على حد سواء.
أرقام تكشف حجم الأزمة
في افتتاح الجلسة، سلّطت نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان الضوء على ما وصفته بالأزمة العالمية المستمرة للعنف ضد النساء، مؤكدة أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء حول العالم تعرضت لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي، فيما لم يشهد العالم أي تقدم ملموس في الحد من هذه الظاهرة خلال العقدين الماضيين.
وأشارت إلى أن نحو 60% من جرائم قتل النساء والفتيات ترتكب على أيدي أفراد من الأسرة، ما يعني أن 137 امرأة وفتاة يفقدن حياتهن يومياً داخل محيط يفترض أن يكون الأكثر أمناً لهن.
ولفتت إلى أن أربعاً من كل خمس نساء يعشن في دول لا توفر لهن حماية قانونية كافية من العنف، بينما لا تتجاوز نسبة الضحايا اللاتي يطلبن المساعدة 40%، في حين تقل نسبة من يتوجهن إلى الشرطة عن 10% بسبب الخوف من الانتقام أو الوصم الاجتماعي.
وأكدت أن العنف المنزلي ليس قضية خاصة أو شأناً عائلياً داخلياً، بل يمثل أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً، ويعكس أنماطاً متجذرة من التمييز والهيمنة وعدم المساواة بين الجنسين.
وحذّرت من تزايد استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في نشر خطاب الكراهية والمحتوى التمييزي ضد النساء، معتبرة أن العالم يواجه تحدياً جديداً يتمثل في انتقال بعض أشكال العنف والتمييز إلى الفضاء الرقمي.
العنف المنزلي من أشكال التمييز
من جانبها، أكدت الخبيرة الدولية فاسيليكي توليدو فاسكيز أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة يعد شكلاً من أشكال التمييز المحظور بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” وغيرها من الصكوك الدولية.
وأوضحت أن العنف المنزلي ليس حادثة فردية أو ظاهرة معزولة، بل يمثل امتداداً لعلاقات غير متكافئة داخل الأسرة والمجتمع، ويؤثر على النساء والفتيات عبر أجيال متعاقبة.
وأشارت إلى أن أخطر مظاهر هذا العنف يتمثل في جرائم قتل النساء، التي غالباً ما تكون الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الانتهاكات والإساءات التي كان يمكن رصدها والتدخل لمنعها في مراحل مبكرة.
وشددت على ضرورة اعتماد استجابة شاملة تشمل جميع مؤسسات الدولة، وليس فقط الأجهزة القضائية أو الأمنية، موضحة أن المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية وقطاعات الإسكان والخدمات الاجتماعية يجب أن تؤدي دوراً محورياً في الوقاية والحماية.
وأكدت أن العنف الأسري لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل العنف النفسي والاقتصادي والتهديدات والملاحقة والحرمان من الموارد والاستقلالية، فضلاً عن الأشكال الرقمية المستحدثة من الترهيب والمراقبة والإساءة عبر الإنترنت.
التمييز يبدأ داخل الأسرة
بدورها، أوضحت إيفانا راديتش، ممثلة الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات، أن العنف المنزلي لا يمكن فصله عن منظومات التمييز وعدم المساواة التي تعاني منها النساء في مختلف المجتمعات.
وقالت إن الأسرة يفترض أن تكون فضاءً للرعاية والدعم، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى المكان الأول الذي تتعلم فيه المرأة أو الفتاة أن جسدها وحركتها وقراراتها تخضع للرقابة والسيطرة.
وأشارت إلى أن النساء اللائي يتعرضن للعنف يواجهن غالباً تحديات اقتصادية واجتماعية ونفسية تمنعهن من الإبلاغ عن الانتهاكات أو مغادرة العلاقات المسيئة، لافتة إلى أن الخوف من فقدان الأطفال أو مصادر الدخل أو الدعم المجتمعي يجعل كثيراً من الضحايا يفضلن الصمت.
وأكدت أن السياسات الوطنية لا تحقق النتائج المرجوة ما لم تستند إلى تقييمات دقيقة للمخاطر وآليات متابعة فعالة وتمويل مستدام، مع مراعاة أوضاع الفئات الأكثر هشاشة مثل المهاجرات والنساء ذوات الإعاقة وكبيرات السن.
كازاخستان تعرض تجربتها
وقدّمت رئيسة اتحاد مراكز الأزمات في كازاخستان عرضاً لتجربة بلادها في دعم ضحايا العنف المنزلي، موضحة أن البلاد تضم حالياً خمسين مركزاً متخصصاً، بينها سبعة وثلاثون مركزاً معتمداً لإعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي بدعم حكومي.
وأكدت أن الإصلاحات التشريعية التي أُقرت عام 2024 عززت المساءلة القانونية عن أعمال العنف، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن التشريع وحده لا يكفي ما لم تتوافر خدمات حماية فعالة وآليات تنفيذ قوية.
وأشارت إلى أن مراكز الأزمات قدمت أكثر من 130 ألف خدمة للضحايا، فيما يحصل نحو تسعة آلاف شخص سنوياً على خدمات الإيواء المؤقت والدعم النفسي والاجتماعي.
وكشفت دراسة وطنية أن طفلاً من كل ستة أطفال يشهد أعمال عنف داخل المنزل، وهو ما يترك آثاراً عميقة وطويلة المدى على نموه وصحته النفسية.
نموذج مصري في النقاش الأممي
خلال مداخلة ممثلة حملة مناصرة حقوق النساء في سريلانكا، برزت مصر باعتبارها إحدى التجارب التي استشهد بها المشاركون لإظهار أثر الإصلاحات القانونية في الحد من العنف ضد المرأة.
وأكدت المتحدثة أن إدخال قانون عام 2000 الذي أتاح للمرأة المصرية طلب الطلاق من جانب واحد وفق آلية الخلع أسهم في خفض معدلات العنف المنزلي، مشيرة إلى أن الأدلة الدولية تؤكد وجود علاقة مباشرة بين تعزيز الحقوق القانونية للمرأة وتراجع مستويات العنف داخل الأسرة.
وجاء الاستشهاد بالتجربة المصرية ضمن عرض أوسع تناول أثر القوانين التمييزية في تغذية العنف، حيث أوضحت المتحدثة أن العديد من الدول ما زالت تحتفظ بتشريعات تحد من حقوق النساء في الزواج أو الطلاق أو الإرث أو اتخاذ القرارات الأسرية.
وأكدت أن اختلال موازين القوى داخل الأسرة يعد أحد العوامل الرئيسية التي تسمح باستمرار العنف ضد النساء والفتيات.
حضور عربي في المبادرات الدولية
وشهدت الجلسة أيضاً حضوراً عربياً بارزاً ضمن المبادرات الدولية الرامية إلى مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، فقد ألقت المملكة المتحدة بياناً باسم مجموعة من الدول ضمت المغرب إلى جانب أستراليا والبرازيل وجامايكا وإسبانيا وجنوب إفريقيا، أكدت فيه التزامها بمبادرة دولية تهدف إلى القضاء على جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات سواء عبر الإنترنت أو خارجه.
وشدد البيان على أهمية تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات وتطوير آليات حماية الناجيات ودعمهن، بما يضمن تمكين النساء والفتيات من العيش في بيئة آمنة خالية من الخوف.
ويعكس انضمام المغرب إلى هذه المبادرة الدور المتنامي للدول العربية في الجهود الدولية الرامية إلى التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي وتعزيز حقوق المرأة.
دعوة لتعزيز الثقة في الفضاء الرقمي
وخلال المناقشات المتعلقة بالعلاقة بين التكنولوجيا والحقوق الأساسية، أكد الأردن أن الفضاء الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من حياة الأفراد ومن عمليات التعبير والمشاركة والتواصل.
وأوضح الوفد الأردني أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة لتعزيز المشاركة المجتمعية لا وسيلة لتقييدها، مشيراً في الوقت نفسه إلى التحديات المرتبطة بالمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والجريمة الرقمية وحملات التشهير.
وأكد أن الأردن يواصل تنفيذ برامج التحول الرقمي وبناء الثقة في الرقمنة وتطوير السياسات ذات الصلة، متسائلاً عن الضمانات العملية التي يمكن أن تساعد الدول على تعزيز الثقة في الفضاء الرقمي مع حماية الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي.
وتعكس هذه المداخلة اهتماماً عربياً متزايداً بالتوازن بين التوسع الرقمي وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
القضية الفلسطينية والحيز المدني
ومن جانبها، ركّزت فلسطين في مداخلتها على ما وصفته بالتضييق المتزايد على الحيز المدني المرتبط بالتضامن مع الشعب الفلسطيني.
وأشارت إلى أن العامين والنصف الماضيين شهدا تعرض متظاهرين سلميين وأكاديميين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان لإجراءات تقييدية وعقوبات وترهيب بسبب التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين أو المطالبة بالمساءلة.
وأكد الوفد الفلسطيني أن الخلط بين انتقاد السياسات الإسرائيلية وبين التطرف أو الإرهاب أو معاداة السامية أدى إلى خلق أثر رادع مشابه لما تناولته تقارير الأمم المتحدة بشأن تقييد الحريات المدنية.
وأضاف أن هذا المناخ يدفع كثيرين إلى الصمت خوفاً من العواقب، وهو ما يؤدي إلى تضييق الحيز المدني وإضعاف النقاش العام وتقليص فرص المطالبة بالعدالة والمساءلة.
النساء في مواجهة التمييز
استحوذ الوضع في أفغانستان على جانب مهم من المناقشات، حيث تحدثت مجموعة تضم 37 دولة عن الانتهاكات الواسعة التي تتعرض لها النساء والفتيات هناك.
وأكدت المجموعة أن القيود المفروضة على التعليم والعمل والحركة والحياة العامة تشكل نمطاً ممنهجاً من التمييز القائم على النوع الاجتماعي، مشيرة إلى أن بعض السياسات المعتمدة أسهمت في تكريس العنف المنزلي وزواج الأطفال وتقويض استقلالية النساء.
ودعت المجتمع الدولي إلى مواصلة دعم النساء الأفغانيات ومنظمات المجتمع المدني والمقررة الخاصة المعنية بأفغانستان.
الاتحاد الأوروبي والعنف المنزلي
من جهته، أكد الاتحاد الأوروبي أن العنف ضد النساء والفتيات لا يزال أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً، مشيراً إلى اعتماد تشريع أوروبي جديد عام 2024 لمكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي.
واستعرض الجهود الأوروبية في مجال الوقاية والحماية وتعزيز الخدمات المقدمة للضحايا وتنفيذ الالتزامات الدولية ذات الصلة.
وفي السياق نفسه، أشادت المجموعة الإفريقية باعتماد الاتحاد الإفريقي اتفاقية القضاء على العنف ضد النساء والفتيات في ديسمبر 2025، معتبرة أنها تمثل خطوة تاريخية لتعزيز الوقاية والحماية والوصول إلى العدالة.
ودعت مجموعة من الدول بقيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى إيلاء اهتمام أكبر للعنف المنزلي في سياقات النزاع وما بعد النزاع، مشيرة إلى أن هذا النوع من العنف غالباً ما يتفاقم بعد انتهاء الأعمال القتالية.
توافق على أولوية الحماية
وأظهرت المناقشات وجود توافق واسع بين الدول والمنظمات الدولية على أن العنف المنزلي ضد النساء والفتيات لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً خاصاً أو قضية أسرية داخلية، بل باعتباره تحدياً حقوقياً وتنموياً وأمنياً يتطلب استجابة شاملة.
وأكد المتحدثون أن النجاح في مكافحة هذه الظاهرة يستلزم تطوير التشريعات، وتعزيز استقلالية النساء الاقتصادية، وتوسيع خدمات الدعم والحماية، وتحسين نظم جمع البيانات، وتدريب العاملين في مختلف القطاعات، إضافة إلى التصدي للأشكال المستحدثة من العنف عبر الوسائط الرقمية.
وشدد المشاركون على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات، مع التركيز على إشراك المجتمع المدني والناجيات من العنف في صياغة السياسات والاستراتيجيات الوطنية.
دور عربي متنامٍ
ورغم أن الجلسة تناولت قضية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، فإن المداخلات والنقاشات أظهرت بوضوح حضوراً عربياً متنامياً في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة العنف ضد النساء والفتيات.
وإلى جانب مشاركة المغرب في المبادرات الدولية متعددة الأطراف، برزت التجربة المصرية كإحدى النماذج التي جرى الاستشهاد بها في سياق الإصلاحات القانونية المؤثرة، كما أكد الأردن أهمية بناء بيئة رقمية آمنة تحترم الحقوق والحريات، فيما سلطت فلسطين الضوء على تأثير القيود والوصم في تضييق الحيز المدني.
ويعكس ذلك اتساع مساهمة الدول العربية في النقاشات الأممية المتعلقة بحقوق المرأة، سواء من خلال تطوير الأطر القانونية والمؤسسية أو عبر الانخراط في المبادرات الدولية الهادفة إلى حماية النساء والفتيات وتعزيز المساواة والعدالة.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن القضاء على العنف المنزلي يتطلب إرادة سياسية مستدامة واستثمارات طويلة الأمد في الوقاية والحماية والعدالة، مع اعتبار حقوق النساء والفتيات جزءاً أساسياً من منظومة حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في جميع أنحاء العالم.
