منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنف ضد المرأة أمام مجلس حقوق الإنسان.. نقاشات حول حماية النساء وتداعيات النزاعات

23 يونيو 2026
المقررة الأممية ريم السالم تتحدث عن العنف ضد المرأة
المقررة الأممية ريم السالم تتحدث عن العنف ضد المرأة

واصل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مناقشاته خلال الدورة 62 المنعقدة في جنيف، حيث شهد الاجتماع الثالث عشر استكمال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بمسألة العنف ضد النساء والفتيات، ريم السالم، وسط نقاشات واسعة بشأن أوضاع الأمهات، وحماية النساء في النزاعات المسلحة، والتحديات المرتبطة بالتمييز والعنف ضد المرأة.

وشهدت الجلسة مداخلات من عدد من الدول والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، إضافة إلى ردود تفصيلية من المقررة الخاصة على الأسئلة والملاحظات التي طُرحت حول تقريرها الذي ركز بصورة خاصة على أوضاع الأمهات والعنف والتمييز الذي يواجهنه في مختلف المجتمعات.

وخلال المناقشات، أكدت المملكة المغربية التزامها بمكافحة جميع أشكال العنف ضد الأمهات، معتبرة أن هذه الفئة تواجه تحديات متعددة تتطلب دعماً اجتماعياً وقضائياً ومؤسساتياً متواصلاً.

وأوضحت أن التشريعات الوطنية في المغرب توفر الحماية القانونية للمرأة، كما تجرم العنف المنزلي والتحرش بمختلف أشكاله، في إطار مقاربة تهدف إلى تعزيز حماية النساء بوصفهن الركيزة الأساسية للأسرة والمقدم الأول للرعاية.

وأشارت إلى إطلاق مراكز متخصصة لرعاية النساء الناجيات من العنف، بهدف توفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لهن، معربة عن اهتمامها بالاستفادة من توصيات المقررة الخاصة بشأن كيفية إدماج حماية الأمهات الوحيدات ضمن السياسات والبرامج الحمائية الوطنية بصورة أكثر فعالية.

وأكدت المملكة المغربية أن معالجة التحديات التي تواجه الأمهات تتطلب رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ما يضمن توفير الحماية اللازمة لهن ولأطفالهن.

السعودية.. إطار وطني لمواجهة العنف

من جانبها، شددت المملكة العربية السعودية على أهمية اعتماد أطر وطنية شاملة لحماية الأفراد من جميع أشكال العنف، مع مراعاة الاحتياجات المختلفة للأطفال والنساء والفتيات.

وأكدت أن الجهود الوطنية تركز على تعزيز الوصول إلى العدالة والإنصاف وتوفير الرعاية بطريقة تحفظ الكرامة الإنسانية وتستجيب للاحتياجات المتنوعة للفئات المستهدفة.

وأوضحت أن برامج التوعية والحماية الاجتماعية التي تنفذها المملكة تسعى إلى ترسيخ ثقافة مجتمعية ترفض العنف بكافة أشكاله، ومنها العنف النفسي، وتعزز قيم الاحترام والحماية داخل الأسرة والمجتمع.

ورحبت السعودية بالتعاون القائم مع دولة الكويت في مجال تعزيز حماية الأسرة وتطوير الأطر التشريعية والمؤسسية ذات الصلة، مؤكدة استمرار دعمها للجهود الدولية الرامية إلى مكافحة العنف ضد النساء والفتيات وتعزيز الاستجابة والحماية وبناء مجتمعات أكثر استقراراً وأمناً.

تحديات مستمرة في بوروندي

في مداخلة أخرى، استعرضت إحدى المؤسسات الوطنية المستقلة المعنية بحقوق الإنسان الجهود المبذولة في بوروندي لمكافحة التمييز ضد النساء والفتيات والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وأشارت إلى أن العنف ضد النساء يشكل جزءاً من الاستراتيجية الوطنية للدولة، حيث اعتمدت الحكومة إطاراً وطنياً يهدف إلى منع التمييز والتصدي للعنف في مختلف القطاعات.

وأضافت أن هناك آليات ومؤسسات متخصصة تُعنى بحماية حقوق النساء والفتيات ومتابعة أوضاعهن، إلا أن تحديات عديدة ما زالت قائمة نتيجة العوامل الثقافية والاجتماعية والنظرة الأبوية التي تكرس بعض أشكال التمييز ضد المرأة.

ودعت المؤسسة الحكومة إلى مواصلة تطوير منظومة الحماية، كما أوصت بالتصديق على البروتوكول الملحق بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان وحقوق المرأة في إفريقيا، باعتباره أداة مهمة لتعزيز حقوق النساء والفتيات وترسيخ مبدأ المساواة.

الحرب في أوكرانيا

من أبرز المداخلات التي شهدتها الجلسة كلمة ممثل مفوضية حقوق الإنسان في البرلمان الأوكراني عبر تقنية الفيديو، حيث تناول التداعيات الإنسانية للحرب الروسية الأوكرانية على النساء والفتيات.

وأكد أن الحرب الشاملة أدت إلى زيادة كبيرة في مخاطر العنف ضد النساء والفتيات، سواء خلال فترات الاحتلال أو النزوح القسري أو الاحتجاز أو فقدان المساكن ومصادر العيش.

وأوضح أن النساء اللواتي تعرضن للنزوح أو فقدن أفراداً من أسرهن يواجهن مستويات مرتفعة من العنف المنزلي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب صعوبات كبيرة في الوصول إلى العدالة والخدمات الصحية والدعم النفسي والاجتماعي.

وأشار إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع يمثل أحد أخطر الآثار المترتبة على الحرب؛ لما يسببه من أضرار جسدية ونفسية عميقة تستمر آثارها لسنوات طويلة.

ووفقاً للبيانات التي عرضها، فقد سجل مكتب المدعي العام في أوكرانيا 396 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع منذ بداية الغزو الروسي واسع النطاق وحتى مايو 2026.

وأوضح أن هذه الحالات تشمل التهديد بالعنف الجنسي والاحتجاز القسري وأنواعاً أخرى من الانتهاكات التي استهدفت النساء والرجال والأطفال على حد سواء.

ودعا المجتمع الدولي إلى مواصلة دعم أوكرانيا من خلال الاستثمار في الأنظمة والمؤسسات القادرة على حماية النساء والفتيات، وضمان أن تقوم جهود التعافي وإعادة الإعمار على مبادئ المساواة وعدم التمييز وإتاحة الوصول للجميع.

ردود المقررة الخاصة

في كلمتها الختامية، أعربت المقررة الخاصة ريم السالم عن شكرها للدول والمنظمات غير الحكومية التي شاركت بفعالية في الحوار وقدمت ملاحظات وممارسات إيجابية بشأن دعم الأمهات وحمايتهن.

وأشادت بالتجارب التي عرضتها عدة دول، منها غيانا وبلغاريا، في مجال تطوير السياسات الداعمة للأمهات وتحسين أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية.

ووجهت الشكر للدول التي تواصل دعم الولاية الأممية المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، مشيرة بصورة خاصة إلى إيطاليا والسودان وغيرهما من الدول التي تفاعلت إيجابياً مع عمل الولاية.

وردت المقررة الخاصة على بعض الانتقادات المتعلقة بمحتوى التقرير، موضحة أن القيود المفروضة على عدد كلمات التقارير الأممية تجبر أحياناً أصحاب الولايات على إعطاء الأولوية لبعض القضايا أو الحالات دون غيرها.

وأكدت أن الإشارة إلى أوضاع النساء في أوكرانيا وردت بالفعل في التقرير، داعية إلى مراجعة الهوامش والإحالات الواردة فيه.

وأعربت عن تقديرها للتعاون المستمر مع دولة الكويت، موضحة أن الملاحظات التي قدمتها الحكومة الكويتية بشأن مسودة التقرير جرى أخذها في الاعتبار، وأن أي أخطاء تم تصحيحها قبل إصدار النسخة النهائية.

أحداث 7 أكتوبر وغزة

وتطرقت ريم السالم إلى الانتقادات المتعلقة بمواقفها من أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تطورات، مؤكدة أنها أصدرت بيانات علنية تناولت الانتهاكات التي تعرضت لها النساء والفتيات، وأنها طلبت خلال السنوات الثلاث الماضية زيارة إسرائيل وقطاع غزة ولقاء الناجين والناجيات من الأحداث، غير أن طلباتها لم تلقَ استجابة.

وأضافت أنها ما زالت على استعداد للقاء أي من الناجين أو الناجيات والاستماع إلى شهاداتهم بصورة مباشرة، في إطار ولايتها المعنية بتوثيق الانتهاكات والدفاع عن حقوق الضحايا.

واستحوذ موضوع تعريف الأمومة على جزء كبير من الكلمة الختامية للمقررة الخاصة، حيث دافعت عن المنهج الذي اعتمدته في تقريرها.

وأكدت أن الإشارات الواردة إلى الأمومة في القانون الدولي، سواء في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أو اتفاقية حقوق الطفل أو العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تستند إلى واقع بيولوجي واضح.

وقالت إن الأمومة ترتبط بالنساء والفتيات اللاتي يحملن الأطفال ويلدنهم، معتبرة أن هذا الفهم يتفق مع التفسيرات القانونية التقليدية للنصوص الدولية، مشيرة إلى أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تنص على ضرورة تفسير المصطلحات وفقاً لمعناها العادي وفي سياقها الطبيعي وبما ينسجم مع هدف النص وروحه.

وأكدت أن الحديث عن الأمومة لا يهدف إلى الانتقاص من النساء أو حصر أدوارهن، بل إلى الاعتراف بالاحتياجات الخاصة المرتبطة بالحمل والولادة والرعاية، وهي احتياجات تستوجب الحماية القانونية والاجتماعية.

وشددت على أن اتفاقية سيداو تنص بوضوح على أن التدابير الخاصة بحماية الأمومة لا تعد شكلاً من أشكال التمييز، بل تمثل جزءاً من الالتزامات الواقعة على عاتق الدول لضمان المساواة الفعلية.

الجنس والنوع الاجتماعي

تناولت المقررة الخاصة النقاش الدائر حول مفهومي الجنس والنوع الاجتماعي، مؤكدة أن الجنس ليس بناءً اجتماعياً بل حقيقة بيولوجية، في حين يمثل النوع الاجتماعي مجموعة من الأدوار والتصورات الاجتماعية المرتبطة بالنساء والرجال.

وقالت إن المقاربات الحساسة للنوع الاجتماعي يجب أن تستند إلى الواقع البيولوجي لا أن تلغيه، مشددة على ضرورة التمييز بين المفهومين عند صياغة السياسات والتشريعات.

وأوضحت أن تجاهل احتياجات الأمهات أو التقليل من أهميتها يؤدي إلى إضعاف الحماية المخصصة لهن ولأطفالهن، وهو ما يشكل مصدر قلق بالنسبة لها في ظل بعض النقاشات الدائرة حالياً داخل الأوساط الدولية.

الاستغلال والاتجار بالنساء

في سياق متصل، حذرت ريم السالم من استخدام مفاهيم مثل الموافقة الحرة أو الاستقلالية الجسدية بصورة قد تؤدي إلى تبرير أو تطبيع بعض أشكال الاستغلال.

وأشارت إلى أن العديد من النساء والفتيات يتعرضن لضغوط اقتصادية أو اجتماعية تجعل من الصعب الحديث عن موافقة حرة ومستنيرة بالكامل في بعض الحالات.

وأضافت أن هذا الأمر يبرز بشكل خاص في قضايا البغاء والاستغلال الجنسي والأمومة البديلة وبعض أشكال المواد الإباحية، حيث يمكن أن تتداخل عوامل الفقر أو الإكراه أو انعدام الخيارات مع القرارات الفردية.

وأكدت أنها تناولت هذه القضايا في تقارير سابقة، داعية إلى قراءة تلك الوثائق في سياقها الكامل وعدم اجتزاء بعض الاستنتاجات منها.

الصحة والحماية الاجتماعية

تطرقت المقررة الخاصة إلى القضايا المتعلقة بالصحة الإنجابية، مؤكدة أهمية تناول جميع الانتهاكات التي قد تتعرض لها النساء، ومنها الحمل القسري ومنع الحمل القسري والإجهاض القسري.

وقالت إن النقاش حول الأمومة ينبغي ألا يقتصر فقط على مسألة منع الحمل أو الحق في عدم الإنجاب، بل يجب أن يشمل أيضاً حق النساء في الحمل والإنجاب والأمومة الآمنة والحصول على الرعاية والدعم اللازمين.

وأشارت إلى أن التقرير يتضمن توصيات مفصلة تتعلق بالصحة الإنجابية والحماية الاجتماعية وتحسين ظروف النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي.

وأوصت بضمان إجازات أمومة مدفوعة الأجر بشكل كافٍ، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز تقاسم مسؤوليات الرعاية بين أفراد الأسرة.

دعم النساء في الأزمات

في ختام كلمتها، أكدت ريم السالم أن دعم النساء والفتيات في السياقات الإنسانية يتطلب زيادة التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية وحماية النساء من جميع أشكال العنف.

وشددت على أهمية مكافحة الإفلات من العقاب وتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى توفير الدعم للأمهات والأطفال المتضررين من النزاعات والكوارث والأزمات الإنسانية.

وأكدت أن التقرير يتضمن عدداً من الممارسات الجيدة المستقاة من تجارب دول مختلفة في مجالات الإسكان والحماية الاجتماعية ودعم الأمومة، داعية الدول الأعضاء إلى الاستفادة من هذه التجارب وتطوير سياسات أكثر شمولاً لحماية النساء والفتيات.

وشددت على أن تعزيز حقوق النساء والفتيات ومكافحة العنف ضدهن يتطلبان استجابة متكاملة تشمل التشريعات والسياسات والخدمات الاجتماعية والقضائية، إلى جانب تغيير الأنماط الثقافية التي تكرس التمييز والعنف، ما يضمن بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً للجميع.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print