أعادت دعوة منظمة “أمانة الدعوى الجماعية للسود” الكندية إلى إنشاء لجنة وطنية لدراسة إرث العبودية والعنصرية ضد السود فتح أحد أكثر الملفات التاريخية والحقوقية حساسية في كندا، في وقت تتصاعد فيه المطالب بمراجعة آثار السياسات التمييزية التي امتدت لعقود طويلة داخل مؤسسات الدولة، واعتبرت المنظمة أن إنشاء لجنة مستقلة يمثل خطوة أساسية لفهم التأثيرات المتواصلة للعبودية والفصل العنصري والعنصرية الممنهجة، وصولاً إلى وضع إطار وطني للإصلاح والإنصاف، بحسب وكالة الصحافة الكندية.
وبحسب وكالة الصحافة الكندية فإن “أمانة الدعوى الجماعية للسود” دعت الحكومة الفيدرالية إلى إطلاق مشاورات واسعة مع المجتمعات الكندية من أصول إفريقية، وحكومات المقاطعات والأقاليم، وممثلي السكان الأصليين، والنقابات العمالية، تمهيداً لتأسيس لجنة وطنية تتولى توثيق الإرث التاريخي للعبودية والعنصرية ضد السود، وأضافت المنظمة أن اللجنة المقترحة ستعمل على بناء سجل تاريخي دائم، والاستماع إلى شهادات المتضررين، ورفع توصيات مباشرة إلى البرلمان الكندي لمعالجة المعوقات البنيوية داخل المؤسسات العامة.
التذكير بتاريخ الرق وآثاره
وفقاً للحكومة الكندية فإن الأول من أغسطس يمثل “يوم التحرر” الذي يحيي ذكرى دخول قانون إلغاء العبودية في الإمبراطورية البريطانية حيز التنفيذ عام 1834، وهو القانون الذي أنهى العبودية رسمياً في المستعمرات البريطانية، ومنها الأراضي التي أصبحت لاحقاً كندا، واعترفت أوتاوا بهذا اليوم مناسبة وطنية رسمية منذ عام 2021، باعتباره محطة للتذكير بتاريخ الرق وآثاره المستمرة، ولتعزيز الحوار حول العدالة والمساواة ومكافحة العنصرية.
وأكدت أمانة الدعوى الجماعية للسود أن الاحتفال السنوي بيوم التحرر لا يكفي لمعالجة الآثار العميقة التي خلفتها العبودية، مشيرة إلى أن كندا لم تنظم حتى الآن مراجعة وطنية شاملة تبحث في كيفية استمرار إرث الرق والعنصرية في التأثير في حياة الكنديين من أصول إفريقية، سواء في فرص العمل أو التعليم أو العدالة الجنائية أو الرعاية الصحية أو التمثيل داخل المؤسسات العامة، وترى المنظمة أن غياب هذا التقييم الوطني حال دون بناء سياسات قائمة على الاعتراف التاريخي والمساءلة والإصلاح.
أرقام تكشف الواقع
وأظهرت هيئة الإحصاء الكندية أن عدد الكنديين من أصول إفريقية تجاوز 1.5 مليون نسمة وفق نتائج التعداد السكاني الأخير، ليشكلوا نحو أربعة في المئة من إجمالي سكان كندا، في حين يمثلون إحدى أسرع الفئات السكانية نمواً، كما أظهرت البيانات الحكومية استمرار الفجوات في معدلات الدخل وفرص التوظيف والتمثيل الوظيفي مقارنة بمتوسط السكان، وهو ما تعده منظمات حقوقية دليلاً على استمرار آثار التمييز البنيوي الذي تراكم عبر أجيال متعاقبة.
تقارير أممية متواصلة
وأكدت الأمم المتحدة أن قضية المنحدرين من أصل إفريقي لا تقتصر على معالجة وقائع تاريخية، بل ترتبط أيضاً بآثار معاصرة للتمييز العنصري تتطلب إصلاحات تشريعية ومؤسسية. وأطلقت المنظمة الدولية خلال العقد الماضي “العقد الدولي للمنحدرين من أصل إفريقي (2015-2024)” تحت شعار “الاعتراف والعدالة والتنمية”، داعية الدول إلى الاعتراف بإرث تجارة الرقيق والاستعمار واتخاذ إجراءات عملية لمعالجة آثارهما المستمرة، باعتبار ذلك جزءاً من الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأوضح فريق الخبراء العامل المعني بالمنحدرين من أصل إفريقي التابع لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عقب زيارته إلى كندا، أن العنصرية ضد السود لا تزال تؤثر في مجالات العدالة الجنائية والتعليم والعمل والإسكان والخدمات الصحية. ودعا السلطات الكندية إلى الاعتراف رسمياً بوجود العنصرية الممنهجة، وجمع بيانات مصنفة بحسب الأصل العرقي، وتعزيز مشاركة المجتمعات المتضررة في رسم السياسات العامة، مؤكداً أن مواجهة الإرث التاريخي تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق المساواة الفعلية.
وأشارت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري إلى أن كندا، بصفتها طرفاً في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تلتزم باتخاذ تدابير فعالة لمنع التمييز ومحاسبة مرتكبيه وضمان المساواة أمام القانون. وأوصت اللجنة في ملاحظاتها الختامية بتطوير آليات مستقلة لرصد العنصرية الممنهجة، وتحسين جمع البيانات، وتعزيز وصول ضحايا التمييز إلى العدالة، مع التركيز على أوضاع الكنديين من أصول إفريقية والسكان الأصليين.
رأي منظمات حقوقية
وقالت منظمة العفو الدولية إن مكافحة العنصرية تتطلب أكثر من الاعتراف الرمزي بالماضي، مشددة على ضرورة تبني إصلاحات مؤسسية تضمن المساواة وعدم التمييز. كما أكدت هيومن رايتس ووتش في تقاريرها أن المجتمعات السوداء والسكان الأصليين ما زالوا يواجهون تحديات مرتبطة بالتمييز داخل منظومة العدالة وإنفاذ القانون، داعية إلى تعزيز آليات المساءلة والشفافية، ومعالجة الأسباب الهيكلية التي تسمح باستمرار هذه الفوارق.
جرائم الكراهية
وأظهرت هيئة الإحصاء الكندية أن جرائم الكراهية التي تستهدف السكان بسبب العرق أو الأصل الإثني أو اللون لا تزال تمثل نسبة كبيرة من الجرائم المدفوعة بالكراهية المسجلة لدى الشرطة. وسجلت البيانات الرسمية خلال السنوات الأخيرة مئات الحوادث التي استهدفت الكنديين السود، في حين تؤكد السلطات أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة بسبب عدم الإبلاغ عن جميع الوقائع، وهو ما يدفع منظمات المجتمع المدني إلى المطالبة بتحسين نظم الرصد والإبلاغ وحماية الضحايا.
استراتيجية حكومية
وأكدت وزارة التراث الكندية أن الحكومة تنفذ الاستراتيجية الكندية لمكافحة العنصرية للفترة 2024-2028، والتي تستهدف إزالة الحواجز النظامية، وتعزيز تكافؤ الفرص، ودعم المجتمعات المتضررة من التمييز، إلى جانب تحسين جمع البيانات وتطوير السياسات العامة القائمة على الأدلة، كما تتضمن الاستراتيجية إجراءات لتعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، ومكافحة خطاب الكراهية، وتوسيع التعاون مع الحكومات المحلية والمجتمع المدني بهدف الحد من أشكال التمييز العنصري بجميع صورها.
ورأت أمانة الدعوى الجماعية للسود أن إنشاء لجنة وطنية مستقلة سيمنح المتضررين منصة رسمية لتوثيق تجاربهم، وسيساعد على بناء أرشيف وطني يوثق تاريخ العبودية والعنصرية في كندا، وصولاً إلى توصيات تشريعية وإدارية يمكن أن تسهم في إزالة المعوقات البنيوية داخل المؤسسات، ما يعزز مبادئ العدالة والإنصاف والمصالحة المجتمعية.
أبعاد إنسانية
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن معالجة إرث العبودية لا ترتبط بإعادة قراءة التاريخ فحسب، بل تتعلق أيضاً بضمان المساواة الفعلية والكرامة الإنسانية للأشخاص المنحدرين من أصول إفريقية، مشيرة إلى أن آثار التمييز التاريخي قد تستمر عبر أجيال إذا لم تُعالج بسياسات عامة قائمة على العدالة وعدم التمييز، وترى المفوضية أن الاعتراف بالماضي، إلى جانب المساءلة والإصلاح المؤسسي، يمثل أحد المسارات الأساسية لتعزيز حقوق الإنسان وبناء مجتمعات أكثر شمولاً.
وأوضحت الأمم المتحدة أن عدداً متزايداً من الدول شرع خلال السنوات الأخيرة في مراجعة ارتباطه التاريخي بالعبودية والاستعمار، من خلال لجان تحقيق وطنية، أو برامج للاعتراف الرسمي، أو مراجعة المناهج الدراسية، أو تطوير سياسات تعالج آثار التمييز التاريخي. ويأتي الجدل الدائر في كندا ضمن هذا السياق الدولي الذي يدعو إلى مواجهة الإرث التاريخي للرق باعتباره قضية معاصرة تمس العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
عدالة انتقالية
وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن لجان الحقيقة والإنصاف تعد إحدى الأدوات المعترف بها دولياً لتوثيق الانتهاكات التاريخية والاستماع إلى الضحايا وصياغة توصيات للإصلاح، عندما تُمنح صلاحيات واضحة وتعمل بصورة مستقلة وشفافة، ويرى حقوقيون أن اللجنة المقترحة في كندا، إذا أُنشئت، قد تشكل مرجعاً وطنياً لتقييم السياسات العامة المتعلقة بالمساواة، ورصد آثار العبودية والعنصرية على امتداد قرنين تقريباً بعد إلغاء الرق.
وأكدت الحكومة الكندية أن مواجهة العنصرية تمثل أولوية ضمن سياسات حقوق الإنسان، مع استمرار تنفيذ برامج تستهدف تعزيز التنوع والمساواة ومكافحة التمييز داخل المؤسسات الفيدرالية. وفي المقابل، ترى أمانة الدعوى الجماعية للسود أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تغني عن إجراء مراجعة وطنية مستقلة وشاملة تكشف جذور التفاوتات الحالية، وتحدد المسؤوليات المؤسسية، وتقترح إصلاحات تشريعية وإدارية قابلة للتنفيذ تحت رقابة البرلمان.
قضية تتجاوز الماضي
وأوضح خبراء الأمم المتحدة المعنيون بالمنحدرين من أصل إفريقي أن استمرار الفجوات في فرص العمل، ومستويات الدخل، والتمثيل في المناصب القيادية، ومعدلات الاحتجاز داخل منظومة العدالة، يعكس الحاجة إلى سياسات طويلة الأمد تعالج الأسباب الهيكلية للتمييز. كما أكد الخبراء أن الاعتراف بإرث العبودية يجب أن يقترن بخطط قابلة للقياس، وجمع بيانات مصنفة، ومؤشرات متابعة تضمن تقييم التقدم المحرز بصورة دورية.
وتشير وكالة الصحافة الكندية إلى أن الدعوة إلى إنشاء لجنة وطنية تأتي في لحظة تشهد فيها البلاد نقاشاً متزايداً حول العدالة التاريخية والمصالحة مع الفئات التي تعرضت للتمييز، وفي مقدمتها الكنديون من أصول إفريقية والسكان الأصليون. وبينما لم تعلن الحكومة الفيدرالية حتى الآن تبني المقترح، تواصل منظمات المجتمع المدني الضغط من أجل إطلاق مشاورات رسمية تفضي إلى تأسيس لجنة مستقلة تستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتضع خارطة طريق لمعالجة الآثار المستمرة للعبودية والعنصرية الممنهجة، ما يعزز المساواة أمام القانون ويحمي الحقوق الأساسية لجميع المواطنين، ويحول الاعتراف التاريخي إلى إصلاحات مؤسسية قابلة للقياس والمساءلة، وفق الالتزامات التي تفرضها الاتفاقيات الدولية والتشريعات الكندية النافذة.

