أيدت محكمة الاستئناف في مقاطعة كولومبيا البريطانية بالإجماع إدانة الزعيم الوراثي لقبيلة ويتسويتين، دستاهيل، المعروف باسم آدم غانيون، بتهمة ازدراء المحكمة، في حكم أعاد فتح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل حول حقوق الشعوب الأصلية في كندا.
جاء القرار بعد أن اعتبرت المحكمة أن الزعيم خالف أمرا قضائيا صدر عام 2019 يمنع الاحتجاجات ضد مشروع خط أنابيب “كوستال غازلينك” على أراضي القبيلة، وفقا لمنصة “كاونترفورتكس” المعنية بقضايا حقوق الإنسان.
كتب رئيس القضاة ليونارد ميرشاند، في حيثيات الحكم، أن المحكمة قد تعترف بالدفاع القائم على الأنظمة القانونية الأصلية إذا كان خرق الأمر القضائي “الملاذ الأخير”، إلا أنها رأت أن هذا الشرط لم يتحقق، نظرا لإمكانية الطعن القانوني في الأمر، وبهذا المنطق، رفضت المحكمة الاستناد إلى قانون ويتسويتين التقليدي كذريعة قانونية لتبرير الاحتجاج، مؤكدة أن الاعتراف بالأنظمة القانونية الأصلية لا يمتد إلى السماح بخرق أوامر القضاء.
استندت القضية إلى أحداث وقعت في عام 2021، عندما نظم الزعيم دستاهيل حصارا في محاولة لوقف أعمال بناء خط الأنابيب، معتبرا أن المشروع ينتهك قوانين قبيلته التقليدية المتعلقة بحماية الأراضي، غير أن قاضي الدرجة الأولى رفض هذا الدفاع، واعتبره “هجوما جانبيا” على أمر قضائي قائم، ما مهد الطريق لإدانته لاحقا.
أثارت هذه الإدانة ردود فعل حقوقية واسعة، إذ أعلنت منظمة العفو الدولية “أمنيستي” أن دستاهيل يعد أول “سجين رأي” في تاريخ كندا الحديث، معتبرة أن العقوبة التي فرضت عليه -وهي الإقامة الجبرية لمدة 60 يوما – تمثل تجريما غير مبرر لدفاعه السلمي عن حقوق شعبه وأراضيهم، وأكدت المنظمة أن ما قام به لا ينبغي أن يصنف كجريمة، بل كفعل مشروع في سياق حماية الأرض والحقوق الجماعية.
طرح الحكم القضائي إشكالية جوهرية تتعلق بتعارض الأنظمة القانونية، حيث تمحورت القضية حول ما إذا كان يمكن الاعتداد بالقانون التقليدي لشعب ويتسويتين داخل النظام القضائي الكندي، ورغم إقرار المحكمة بتاريخ قمع القوانين الأصلية في كندا، فإنها شددت على أن هذا الاعتراف لا يبرر خرق أوامر المحكمة.
أوضحت الأستاذة المساعدة في القانون بجامعة أوتاوا، إيمي كرافت، أن ما تجاهله الأمر القضائي هو “مسألة تعارض القوانين بين الأنظمة القانونية للسكان الأصليين والأنظمة القانونية الغربية”، وهو ما يعكس فجوة عميقة في التعامل مع حقوق الشعوب الأصلية داخل الإطار القانوني الرسمي.
وانتقدت شيري باستيرناك وإيرينا سيريتش استخدام الأوامر القضائية، معتبرتين أنها تحولت إلى أداة قانونية تخدم المصالح السياسية، وتمنح سلطات إنفاذ القانون صلاحيات واسعة لتجريم الأفراد من خلال حدود جغرافية غامضة، ما يجعلها وسيلة فعالة لقمع مطالب السكان الأصليين بالسيادة على أراضيهم.
كشفت دراسة أجراها معهد يلوهيد، بعد مراجعة 100 قضية في أنحاء كندا، أن 76% من الأوامر القضائية المرفوعة ضد الأمم الأولى تم قبولها، في حين رفضت 81% من الأوامر التي رفعتها هذه الأمم ضد الشركات، ما يعكس اختلالا واضحا في ميزان العدالة لصالح المصالح الاقتصادية.
واعتبرت “كاونترفورتكس” أن هذه القضية تمثل نموذجا لصراع أوسع بين الأنظمة القانونية، حيث يستخدم القانون الرسمي لتقييد تطبيق القوانين الأصلية، خاصة في سياق مشاريع استخراج الموارد.
الحق في الأرض
اندلعت احتجاجات واسعة في عام 2020 ضد مشروع “كوستال غازلينك”، حيث رفض الزعماء الوراثيون لشعب ويتسويتين المشروع، رغم توقيع اتفاقيات مع 20 مجلسا منتخبا من مجالس الأمم الأولى.
وأكد محامون من السكان الأصليين أن هذه المجالس لا تملك سلطة اتخاذ القرار خارج أراضي المحميات، ما يثير تساؤلات حول شرعية الموافقة على المشروع في الأراضي التقليدية غير المتنازل عنها.
ومن جانبها حذرت منظمة بي بي آي كندا المعنية بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان (Peace Brigades International Canada)، على موقعها الرسمي، من أن استمرار استخدام الأوامر القضائية وتهميش القوانين الأصلية يعرض المدافعين عن الأرض والبيئة للخطر، ويقوض سلامتهم وأمنهم أثناء محاولتهم حماية أراضيهم من مشاريع الاستخراج.
وثّقت تقارير سابقة اتهامات للشرطة الملكية الكندية بتنفيذ اعتقالات تعسفية، وممارسات ترهيب ومراقبة غير قانونية ضد شعب ويتسويتين وحلفائهم، بما يتعارض مع حقهم في حرية التجمع السلمي، وتعكس هذه الاتهامات نمطا من القمع المرتبط بمحاولات فرض مشاريع البنية التحتية الكبرى دون موافقة المجتمعات المتأثرة.
وحذّرت منظمة العفو الدولية من أن كندا انتهكت حق شعب ويتسويتين في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي لحقوق الشعوب الأصلية، كما أشارت إلى انتهاك حقهم في التنقل عبر أراضيهم التاريخية وتهديد نمط حياتهم التقليدي.
تجريم الدفاع عن البيئة
أدين الزعيم دستاهيل في 20 فبراير 2024، بعد أن وقعت أفعاله بين 17 و26 أكتوبر 2021، وصدر الحكم عليه في 3 يوليو 2024 بالإقامة الجبرية لمدة شهرين، بعد أن طالبت النيابة العامة بسجنه لمدة تتراوح بين 60 و90 يوما.
وفي 31 يوليو 2024، أعلنت منظمة العفو الدولية تصنيفه كسجين رأي، في سابقة هي الأولى من نوعها في كندا، وانتقدت الأمينة العامة كيتي نيفياباندي، في بيان رسمي، تجريم الدولة الكندية للزعيم دستاهيل، مؤكدة أن الدفاع السلمي عن الأراضي لا ينبغي أن يقابل بالعقاب، بل بالحماية والدعم، كما دعت الحكومة الكندية إلى التوقف عن ملاحقة المدافعين عن حقوق الشعوب الأصلية، خاصة في ظل التحديات البيئية العالمية.
وأشارت المنظمة إلى أن هذه القضية تأتي في سياق أوسع من السياسات التي تسعى إلى تسريع الموافقة على مشاريع الوقود الأحفوري، ما يهدد حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير.
وقد اضطرت حكومة مقاطعة كولومبيا البريطانية مؤخرا إلى التراجع عن خطوات كانت تهدف إلى تعديل تشريعات مرتبطة بحقوق هذه الشعوب.
وحذّرت منظمات بيئية وحقوقية من تكرار السيناريو ذاته مع مشروع “برينس روبرت” لنقل الغاز، حيث قد تستخدم الأوامر القضائية مرة أخرى لقمع الاحتجاجات، مع احتمال نشر وحدات أمنية لتنفيذ عمليات إنفاذ بالقوة ضد المدافعين عن الأرض.
تعكس قضية الزعيم دستاهيل صراعا عميقا بين القانون الرسمي والعدالة الحقوقية، حيث يستخدم النظام القضائي لتجريم أفعال تعتبرها المجتمعات الأصلية واجبا أخلاقيا وقانونيا في إطار أنظمتها الخاصة، فبينما تؤكد السلطات التزامها بسيادة القانون، ترى المنظمات الحقوقية أن هذا القانون نفسه يستخدم لتقويض حقوق أساسية.
وتظهر هذه القضية أن الاعتراف الشكلي بالقوانين الأصلية لا يترجم بالضرورة إلى حماية فعلية لها، خاصة عندما تتعارض مع مصالح اقتصادية كبرى، وفي ظل هذا التناقض، يجد المدافعون عن الأرض أنفسهم أمام خيارين: الامتثال لقانون لا يعترف بأنظمتهم، أو مواجهة التجريم.
