تقدم طفل فنزويلي يبلغ من العمر عشر سنوات إلى قاعة محكمة الهجرة في مدينة هيوستن، واقفًا بمفرده أمام قاضٍ يبت في مصيره، بينما كانت والدته محتجزة لدى السلطات، في مشهد يلخص واحدة من أكثر الإشكاليات الحقوقية تعقيدًا داخل نظام الهجرة الأمريكي.
قال الطفل، ويلفريدو، في شهادته لقناة “يونيفزيون”: “كنت خائفًا لأنها كانت المرة الأولى التي أحضر فيها جلسة محكمة”، وهي عبارة تختزل هشاشة وضع الأطفال الذين يدفعون إلى مواجهة إجراءات قانونية معقدة دون أي دعم.
تكشف هذه الواقعة، وفقًا لما نشرته مجلة “نيوزويك”، عن نمط أوسع من التعامل مع الأطفال المهاجرين، حيث يواجه آلاف القاصرين إجراءات الترحيل دون تمثيل قانوني، في وقت تتصاعد فيه سياسات إنفاذ الهجرة.
ووفق تحليل لبيانات رسمية، احتجزت السلطات أكثر من 6200 طفل خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، فيما تم ترحيل أكثر من 3600 طفل من مراكز الاحتجاز منذ بداية هذه الولاية.
توضح وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، في تعليقها، أن والدة الطفل “اختارت دخول البلاد بطريقة غير شرعية“، مضيفة أنها “اختارت اصطحاب ابنها معها”، في خطاب يعكس مقاربة أمنية تحمل الأسر مسؤولية مصيرها القانوني، غير أن هذه الرواية الرسمية تصطدم بواقع قانوني أكثر تعقيدًا، إذ تشير الوقائع إلى أن الطفل ووالدته دخلا الولايات المتحدة في 24 أغسطس 2023، وأفرج عنهما حينها بانتظار استكمال إجراءات الهجرة.
تكشف بيانات الاحتجاز أن والدة الطفل، نيكسولي أنيس غوميز براشو، لا تزال قيد الاحتجاز الفيدرالي منذ أواخر عام 2025، عقب توقيف مروري في هيوستن، بينما يواجه ابنها مسارًا قانونيًا منفصلًا، رغم وجود طلبات لجوء معلقة لكليهما، هذا الفصل الإجرائي بين الأم والطفل، وإن لم يصنف رسميًا كفصل عائلي، يخلق واقعًا عمليًا يجبر الطفل على خوض معركته القانونية منفردًا.
محاكمة بلا محامٍ
يفرض النظام القضائي للهجرة في الولايات المتحدة على القاصرين، في كثير من الحالات، تمثيل أنفسهم أمام المحكمة، وهو ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع إجراءات قانونية معقدة.
يوضح الباحث البارز آرون رايشلين-ميلنيك، من المجلس الأمريكي للهجرة، أن مشهد “طفل في العاشرة يمثل نفسه” قد يبدو صادمًا، لكنه “شائع نسبيًا في نظامنا العبثي”.
ومن جانبها رصدت “هيومن رايتس ووتش” أن ويلفريدو ليس حالة استثنائية، بل واحداً من آلاف الأطفال غير المصحوبين بذويهم أو غير الممثلين قانونيًا، الذين يجبرون على الدفاع عن أنفسهم في قضايا ترحيل قد تغير مصير حياتهم بالكامل.
وتؤكد المنظمة أن غياب التمثيل القانوني يزيد بشكل كبير من احتمالات الترحيل، ويقوض ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.
تربط هذه الأزمة بشكل مباشر بقرار اتخذته إدارة ترامب في فبراير 2025، حين أمرت المنظمات غير الربحية التي تقدم خدمات قانونية للأطفال بتعليق عملها، ما أدى فعليًا إلى تعطيل برنامج كان يوفر التمثيل القانوني لأكثر من 26 ألف طفل في قضايا الهجرة.. هذا القرار، وفق المنظمة، خلق “موجة جديدة من الفوضى” داخل نظام الهجرة، خاصة بالنسبة للأطفال الأكثر هشاشة.
تحذر مجموعة من الخبراء المستقلين في الأمم المتحدة من أن حرمان الأطفال من التمثيل القانوني وإجبارهم على خوض إجراءات الهجرة المعقدة دون مساعدة يعد “انتهاكًا جسيمًا لحقوقهم”.. يعكس هذا التوصيف حجم التدهور في الضمانات القانونية الأساسية، خصوصًا في قضايا تتعلق بمصير الأطفال.
تظهر خطورة هذا الوضع بشكل أكبر في حالات مثل ويلفريدو، حيث بدأت وزارة الأمن الداخلي إجراءات ترحيله في 25 مارس 2026، رغم أن طلب اللجوء الخاص به وبوالدته لا يزال قيد النظر، وبدون تمثيل قانوني، يجد الطفل نفسه في مواجهة نظام قانوني معقد، لا يمتلك الأدوات لفهمه أو التعامل معه.
ترحيل إلى المجهول
تسعى السلطات الأمريكية، بحسب ما أعلنه النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، إلى ترحيل الطفل إلى الإكوادور، وهي دولة لم يزرها من قبل، ولا يملك فيها أي روابط عائلية، هذا التوجه يثير مخاوف مضاعفة، إذ لا يقتصر الخطر على الترحيل ذاته، بل يمتد إلى الوجهة التي قد يرحل إليها الطفل.
تدير الوصية القانونية ماريفي موسكيرا شؤون الطفل حاليًا، في ظل غياب أي فرد من أسرته المباشرة يمكنه مرافقته، وتقول موسكيرا إن أحد أبرز المخاوف يتمثل في احتمال احتجاز الطفل أو ترحيله، مؤكدة أن “ويلفريدو ليس لديه سوى والدته”، وتكشف رسالة حديثة تلقتها أن السلطات حاولت بالفعل المضي قدمًا في إجراءات ترحيله إلى الإكوادور.
تؤكد وزارة الأمن الداخلي، من جانبها، أن الطفل سيحصل على “كامل حقوقه القانونية”، وأنه وضع تحت وصاية شخص آمن بناءً على قرار والدته، كما تنفي أن تكون سياساتها تؤدي إلى فصل العائلات، مشيرة إلى أن الآباء يمنحون خيار المغادرة مع أطفالهم أو تركهم تحت رعاية وصي.
غير أن هذا الطرح الرسمي يتعارض مع ما توثقه المنظمات الحقوقية، التي ترى أن فصل مسارات القضايا، واحتجاز أحد الوالدين، وغياب التمثيل القانوني، كلها عوامل تؤدي عمليًا إلى تقويض وحدة الأسرة وتعريض الأطفال لخطر الترحيل دون حماية كافية.
تحذر “هيومن رايتس ووتش” من أن ترحيل الأطفال إلى دول ثالثة دون وجود أقارب أو أولياء أمور يشكل خطرًا بالغًا، خاصة عندما لا يكون للطفل أي ارتباط فعلي بتلك الدول، وتشدد على أن هذه الممارسات قد تخلف عواقب إنسانية خطيرة، وتضع الأطفال في أوضاع من الهشاشة القصوى.
تعكس قضية ويلفريدو تحولًا أوسع في سياسات الهجرة، حيث كثّفت إدارة ترامب عمليات الاعتقال ووسعت نطاق الاحتجاز، مع تشديد الوصول إلى مسارات الهجرة القانونية، بما في ذلك طلبات اللجوء، وأدى هذا النهج إلى تسريع إجراءات الترحيل، وتقليص الضمانات المرتبطة بالإجراءات القانونية الواجبة.
تجادل منظمات المساعدة القانونية بأن تعليق تمويل برامج التمثيل القانوني للأطفال ينتهك الحماية الفيدرالية للفئات المستضعفة، وقد دفعت هذه الخطوة إلى رفع دعاوى قضائية، أسفرت عن أمر قضائي مؤقت بإعادة التمويل، غير أن حالة البرنامج لا تزال غير مستقرة، في ظل استمرار الطعون ومحاولات تقييد التنفيذ.
يترك هذا الوضع آلاف الأطفال في منطقة رمادية قانونيًا، حيث تتداخل الإجراءات القضائية مع القرارات السياسية، دون وجود ضمانات ثابتة تحمي حقوقهم الأساسية، وفي ظل هذا المشهد، يصبح الأطفال، مثل ويلفريدو، أكثر عرضة للترحيل، وأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
تختزل هذه القضية، في جوهرها، صراعًا بين مقاربتين: الأولى أمنية تسعى إلى تشديد إنفاذ قوانين الهجرة، والثانية حقوقية تؤكد ضرورة حماية الأطفال وضمان حقهم في الإجراءات القانونية العادلة، وبين هاتين المقاربتين، يقف طفل في العاشرة من عمره، وحيدًا في قاعة محكمة، يواجه مصيرًا قد يُحدد دون أن يمتلك حتى صوتًا قانونيًا يدافع عنه.
