منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أرباح في قلب الخطر.. ارتفاع أسعار المعادن يعيد إحياء “حمّى الفضة” في بوليفيا

07 مايو 2026
ارتفاع أسعار المعادن في بوليفيا يدفع الشباب للخطر
ارتفاع أسعار المعادن في بوليفيا يدفع الشباب للخطر

في مدينة بوتوسي البوليفية، عاد منجم “سيرو ريكو” إلى واجهة الاهتمام من جديد، ليس فقط بوصفه أحد أشهر المواقع التعدينية في التاريخ، بل أيضاً باعتباره ساحة يومية لمخاطر قاتلة يخوضها شبان بوليفيون، بعضهم في سن المراهقة، مدفوعين بارتفاع أسعار الفضة والزنك والقصدير.

وبينما رفعت الطفرة السعرية جاذبية العمل داخل الأنفاق، زادت كذلك من كلفة العمل البشرية، وسط اتهامات باستمرار أنماط تشغيل هشّة، وضعف الحماية الاجتماعية، واستمرار التهديد الذي يطول العمال والتراث والبيئة في آن واحد.

ويقع سيرو ريكو على ارتفاع يقارب 4,800 متر فوق سطح البحر، ويُعد رمزاً تاريخياً لمدينة بوتوسي المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

لكن هذا الجبل المثقّب بالأنفاق يتعرض منذ سنوات لضغط متواصل بسبب النشاط الاستخراجي، إلى درجة أن لجنة التراث العالمي أبقت مدينة بوتوسي على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، وأعادت في 2025 مطالبة الدولة البوليفية بإغلاق المقاطع التعدينية الواقعة فوق 4,400 متر وإعطاء أولوية لاستقرار منحدرات الجبل.

لماذا عادت “حمّى المعادن”؟

المحرك الأساسي للموجة الجديدة هو الأسعار العالمية. فبيانات البنك الدولي تُظهر أن متوسط سعر الفضة ارتفع إلى 39.8 دولار للأوقية في 2025، في حين بلغ متوسط الربع الأول من 2026 نحو 84 دولاراً للأوقية.

كما ارتفع متوسط سعر القصدير إلى 34,059 دولاراً للطن في 2025 ثم إلى 48,519 دولاراً للطن في الربع الأول من 2026، في حين بلغ متوسط سعر الزنك 2,868 دولاراً للطن في 2025 و3,240 دولاراً للطن في الربع الأول من 2026، هذا الارتفاع عزّز الإقبال على التعدين، خاصة مع زيادة الطلب الصناعي المرتبط بالطاقة النظيفة والإلكترونيات.

وثمة تقارير إعلامية حديثة من داخل بوتوسي تربط بوضوح بين هذه القفزة السعرية وبين اندفاع عمال جدد، خصوصاً الشباب، نحو الأنفاق الخطرة. ووفق هذه التقارير، فإن ارتفاع الطلب العالمي على الفضة والقصدير أدى إلى اندفاعة تعدين جديدة داخل سيرو ريكو، مع تسجيل زيادة حادة في عدد الحوادث والوفيات، في ظل ظروف سلامة وُصفت بأنها متدهورة.

وأشارت إلى أن بعض العمال ينجذبون إلى دخل قد يصل إلى نحو 1000 دولار شهرياً، وهو أعلى من الحد الأدنى للأجور بأكثر من الضعف.

العمل في بيئة غير آمنة

الوجه الآخر للطفرة هو تصاعد الخسائر البشرية، ففي يناير وفبراير 2026 وحدهما سُجل 32 قتيلاً على الأقل من عمال المناجم في إدارة بوتوسي، بحسب ما نقلته تقارير صحفية عن مكتب أمين المظالم.

وارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالتعدين في إدارة بوتوسي من 77 وفاة في 2022 إلى 123 وفاة في 2025، وهو ارتفاع يعكس هشاشة شروط السلامة في الممرات المنهارة والأنفاق المليئة بالغازات السامة.

ولا تقتصر المخاطر على الانهيارات أو السقوط فقط، بل تشمل أيضاً التسمم بأول أكسيد الكربون، واختناق العمال، وغياب معدات الوقاية الأساسية.

التقرير نفسه يشير إلى أن من تمت مشاهدتهم داخل المنجم لم يكونوا يرتدون أقنعة للحماية من الغازات، بل مجرد خوذ في أحسن الأحوال، في حين يفتقر كثير من العمال إلى التأمين الصحي.

ونقل عن باحث في شؤون التعدين وصفه لبعض ترتيبات العمل داخل التعاونيات بأنها تقترب من “حالة شبيهة بالعبودية” بسبب الاستعانة بشبان للعمل في ظروف قاسية ومن دون حماية كافية.

المراهقون وعمالة الأطفال

القلق الحقوقي لا يرتبط فقط بالوفيات، بل أيضاً بوجود قصّر ومراهقين في بيئة عمل عالية الخطورة، فالتقارير من بوتوسي تفيد بأن ضحايا الحوادث هم غالباً من الفئة العمرية 20 إلى 25 عاماً، لكنها سجلت أيضاً وفاة عامل قاصر واحد على الأقل، مع تدفق شبان من مناطق أخرى إلى بوتوسي سعياً وراء دخل أسرع.

وعلى المستوى الوطني، تؤكد وزارة العمل الأمريكية في أحدث تقاريرها عن بوليفيا أن 8.3% من الأطفال بين 5 و14 سنة، أي 162,834 طفلاً، كانوا يعملون، كما أن 2.4% من الفئة العمرية 15-17 سنة، أي 16,085 طفلاً/يافعاً، كانوا في أعمال خطرة.

ويورد التقرير أن الأطفال في بوليفيا يشاركون في التعدين، ومنه استخراج الذهب والفضة والقصدير والرصاص والزنك، كما يدرج التعدين ضمن أسوأ أشكال عمل الأطفال عندما يكون قسرياً أو خطراً.

ومن الناحية القانونية، تشير منظمة العمل الدولية إلى أن بوليفيا حددت 14 عاماً حداً أدنى للعمل. لكن التقارير الدولية تعد الإطار القانوني لا يزال يعاني ثغرات تنفيذية وتشريعية؛ لأن بعض الاستثناءات أو أوجه القصور في تنظيم التدريب المهني والعمل قبل استكمال الدراسة قد تفتح الباب أمام خروج الأطفال من المدرسة مبكراً.

وأوصت وزارة العمل الأمريكية بوليفيا برفع الحد الأدنى للعمل لينسجم مع سن التعليم الإلزامي، وتعزيز التفتيش العمالي، مشيرة إلى أن البلاد تحتاج إلى 452 مفتشاً على الأقل لتغطية سوق العمل البالغ نحو 6.8 ملايين عامل.

مشكلات مترابطة

حقوقياً، تكشف الحالة في سيرو ريكو عن ثلاث مشكلات مترابطة؛ هي العمل الخطر وغير المهيكل داخل التعاونيات، واستقطاب شباب ومراهقين بفعل الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار، وضعف الحماية الاجتماعية والرقابة.

وهذه العناصر تجعل القضية تتجاوز كونها مسألة “فرص اقتصادية” لتصبح قضية حق في الحياة، وحق في ظروف عمل آمنة، وحق الطفل في الحماية والتعليم.

اقتصادياً، لا يمكن فهم ما يجري في بوتوسي بمعزل عن الوزن الكبير للقطاع المعدني في الاقتصاد البوليفي، فبيانات البنك المركزي البوليفي تُظهر أن صادرات المعادن ارتفعت في 2025 إلى 5.625 مليار دولار مقارنة بـ 4.479 مليار دولار في 2024، أي بزيادة 25.6%.

وبلغت صادرات الفضة وحدها 1.914 مليار دولار، وصادرات الزنك 1.420 مليار دولار، وصادرات القصدير 531 مليون دولار، ويشير البنك المركزي إلى أن الزيادة كانت مدفوعة أساساً بارتفاع الأسعار الدولية.

بوتوسي.. القلب المعدني

كما أن بوتوسي نفسها تظل القلب المعدني للبلاد، ووفقاً لوزارة التعدين والمعادن البوليفية، قادت التعاونيات التعدينية الإنتاج خلال الربع الأول من 2025 بحصة 47.6% من القيمة الإجمالية للإنتاج المعدني.

وجاءت بوتوسي في الصدارة بإنتاج 83.8% من قيمة الزنك و88.7% من قيمة الفضة على المستوى الوطني خلال الفترة نفسها، ما يفسر لماذا يبقى أي تشديد مفاجئ على العمل أو السلامة أو الإغلاقات مسألة شديدة الحساسية اقتصادياً واجتماعياً.

ويضاف إلى ذلك أن الصين باتت أكبر مشترٍ للفضة البوليفية، إذ بلغت صادرات الفضة البوليفية إليها 532 مليون دولار في 2024، بزيادة 88% خلال عامين، بحسب تقارير صحفية حديثة.

وهذا يوضح أن النشاط في سيرو ريكو لم يعد مرتبطاً فقط بإرث محلي قديم، بل أيضاً بسلاسل الإمداد العالمية للطاقة النظيفة، والإلكترونيات، وأشباه الموصلات.

البعد الدولي والبيئي

القضية هنا ليست عمالية فقط، بل دولية وتراثية وبيئية أيضاً. فاليونسكو ترى أن التأخر في تنفيذ خطط الإنقاذ والحماية، واستمرار الأنشطة المهددة لاستقرار الجبل، أبقى المدينة على قائمة الخطر.

واللجنة شددت مجدداً على ضرورة إغلاق مناطق التعدين الواقعة في الارتفاعات العليا، ومواصلة مراقبة جودة المياه والمنحدرات، مع طلب تقرير محدث عن حالة الموقع، وبعبارة أخرى، فإن استمرار الاستخراج غير المنضبط لا يهدد العمال وحدهم، بل يهدد أحد أهم المواقع التاريخية في أمريكا اللاتينية.

والنقاش الدولي حول سيرو ريكو يتجه أكثر فأكثر نحو سؤال أوسع.. من يدفع ثمن المعادن التي تدخل في الصناعات الخضراء والتكنولوجية؟ فإذا كانت الفضة والقصدير عنصرين مهمين في الألواح الشمسية، والمركبات الكهربائية، وأشباه الموصلات، فإن ما يحدث في بوتوسي يذكّر بأن الانتقال الطاقي العالمي قد يُبنى أحياناً فوق سلاسل توريد تعاني من هشاشة اجتماعية، ومن ضعف الرقابة على شروط العمل.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية