في مقاطعة ألبرتا، القلب النفطي لكندا، عاد خطاب الانفصال بقوة غير مسبوقة منذ تجربة كيبيك عام 1995، لم يعد الأمر مجرد شعارات غاضبة من أوتاوا أو احتجاجات على الضرائب والسياسات البيئية، بل تحول إلى مسار منظم عبر عريضة مواطنين تطالب باستفتاء على حق سكان ألبرتا في تقرير مصيرهم بالانفصال عن كندا أو البقاء.
تقود الحملة الحالية شبكة انفصالية بارزة، من بينها حركة Stay Free Alberta وفاعلون مرتبطون بـ Alberta Prosperity Project، مستندين إلى شعور قديم لدى قطاع من سكان المقاطعة بأن الحكومة الفيدرالية أضعفت اقتصاد ألبرتا النفطي عبر سياسات بيئية وضريبية وتنظيمية يعتبرونها مجحفة.
لكن هذا المسار، رغم زخمه، يواجه عقبات كبرى.. أغلبية شعبية لا تزال تفضل البقاء في كندا، معارضة اتحادية وسياسية، دعاوى قضائية من أمم السكان الأصليين، وقيود دستورية تجعل الانفصال الأحادي غير قانوني.
جذور الغضب
تنبع النزعة الانفصالية في ألبرتا من إحساس متراكم بأن المقاطعة تدفع ثمن ثروتها النفطية داخل الاتحاد الكندي، فالمقاطعة تنتج الجزء الأكبر من النفط والغاز الكندي، وتعد من أهم محركات الاقتصاد الوطني، لكنها ترى في سياسات أوتاوا البيئية، ولا سيما القيود على الانبعاثات ومشروعات خطوط الأنابيب، تهديدًا مباشرًا لنموذجها الاقتصادي.
وتشير وكالة رويترز إلى أن ألبرتا محافظة سياسيًا وتنتج معظم النفط والغاز في كندا، وأن قطاع الطاقة فيها يمثل مصدرًا مهمًا للوظائف والإيرادات الحكومية، بينما يشعر كثير من المؤيدين للانفصال بأن الحكومات الليبرالية المتعاقبة في أوتاوا قيدت ربحية الصناعة عبر لوائح بيئية صارمة.
ولا يمكن فهم ملف الانفصال دون فهم موقع ألبرتا الاقتصادي. فالمقاطعة تمتلك أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد بين المقاطعات الكندية، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها 71,037 دولارًا كنديًا عام 2024، ويرتبط ذلك خصوصًا بثروتها الطبيعية وقطاع التعدين والمحاجر والنفط والغاز.
كما يشير بنك الوظائف الكندي إلى أن قطاع النفط والغاز يشكل أكثر من 21% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لألبرتا، ويوفر نحو 6% من العمالة في المقاطعة، ما يشرح لماذا تتحول أي سياسة فيدرالية تمس الطاقة إلى قضية هوية اقتصادية وسياسية داخل ألبرتا.
من الشعار إلى العريضة
التحول الأبرز في 2026 هو انتقال فكرة الانفصال إلى عريضة رسمية ضمن آلية مبادرة المواطنين، فقد أصدرت هيئة الانتخابات في ألبرتا في 2 يناير 2026 عريضة مبادرة مواطنين بعنوان “استفتاء متعلق باستقلال ألبرتا”، وتتضمن السؤال: “هل توافق على أن تتوقف مقاطعة ألبرتا عن أن تكون جزءًا من كندا لتصبح دولة مستقلة؟”.
وحددت هيئة الانتخابات فترة جمع التوقيعات من 3 يناير إلى 2 مايو 2026، مع اشتراط جمع 177,732 توقيعًا، أي ما يعادل 10% من إجمالي الأصوات المدلى بها في انتخابات المقاطعة لعام 2023.
وساعدت حكومة ألبرتا، بقيادة دانييل سميث، على تسهيل الطريق أمام الاستفتاءات ومبادرات المواطنين عبر قانون تعديل قوانين الانتخابات لعام 2025 المعروف سابقًا باسم Bill 54، والذي حصل على التصديق الملكي في 15 مايو 2025.
وتقول حكومة ألبرتا إن التعديلات تهدف إلى توحيد قواعد الديمقراطية المباشرة وزيادة الشفافية والثقة في العمليات الانتخابية.
ومن بين التعديلات المهمة، خفض عتبة التوقيعات المطلوبة لمبادرات المواطنين إلى 10% من إجمالي الأصوات في آخر انتخابات عامة، ومد فترة جمع التوقيعات إلى 120 يومًا بدلًا من 90 يومًا، مع إلزام هيئة الانتخابات بالتحقق من العريضة خلال 21 يومًا من تقديمها بدلًا من 60 يومًا سابقًا.
موقف الحكومة المحلية
تقول حكومة ألبرتا إنها لا تتبنى الانفصال رسميًا، وتؤكد دعمها لألبرتا قوية داخل كندا موحدة، لكنها في الوقت ذاته تدافع عن حق المواطنين في طرح أسئلة كبرى عبر الاستفتاءات.
ووفق رويترز، قالت دانييل سميث إن حكومتها تدعم “ألبرتا قوية وذات سيادة داخل كندا موحدة”، لكنها اعتبرت أن الاستفتاءات التي يقودها المواطنون تتيح التعبير عن آراء مختلفة.
هذا الموقف يمنح الحكومة مساحة مزدوجة: فهي لا تعلن قيادة الانفصال، لكنها لا تغلق الباب أمامه سياسيًا، بل تستخدمه أيضًا كأداة ضغط على أوتاوا في ملفات الطاقة، والضرائب، والصلاحيات الإقليمية.
ورغم الزخم الإعلامي والسياسي، لا يزال الاستقلال بعيدًا عن أن يكون موقف الأغلبية، فقد نقلت رويترز عن استطلاع حديث لمؤسسة Leger أن 71% من سكان ألبرتا يريدون البقاء داخل كندا، مقابل نحو واحد من كل خمسة يؤيدون استقلال المقاطعة.
ويعني هذا أن الحركة الانفصالية نجحت في نقل القضية إلى أجندة النقاش العام، لكنها لم تنجح بعد في تحويلها إلى مشروع أغلبي، والأرجح أن جزءًا من قوتها الحالية نابع من قدرتها على تهديد الوحدة الكندية سياسيًا أكثر من قدرتها الفعلية على تحقيق الانفصال قانونيًا.
عقبة السكان الأصليين
أقوى تحدٍ قانوني وسياسي أمام مشروع الانفصال يأتي من أمم السكان الأصليين، فقد رفعت أمم أولى في ألبرتا دعاوى قضائية ضد مسار العريضة، معتبرة أن أي نقاش حول انفصال ألبرتا يمس مباشرة حقوق المعاهدات، والسيادة الأصلية، والعلاقة التاريخية بين الأمم الأصلية والتاج الكندي.
وأعلنت أمة Piikani أن أممًا من اتحاد بلاكفوت، إلى جانب أمة Athabasca Chipewyan First Nation، بدأت مراجعات قضائية ضد قرار رئيس هيئة الانتخابات إصدار عريضة الانفصال، وأن القضايا تشمل ما إذا كان القرار غير معقول أو غير صحيح، وما إذا كان التاج قد أخل بواجب التشاور مع الأمم الأولى، وما إذا كانت أجزاء من قانون مبادرة المواطنين غير دستورية.
وفي 10 أبريل الماضي، منحت محكمة الملك في ألبرتا وقفًا مؤقتًا لا يوقف جمع التوقيعات، لكنه يمنع رئيس هيئة الانتخابات من التصديق على نتائج العريضة أو إحالتها إلى وزير العدل إلى حين الفصل في الطعون القضائية.
وذكرت أمة Piikani أن المحكمة رأت أن الأمم الأولى طرحت أسئلة قانونية جدية، وأنها قد تتعرض لضرر لا يمكن تعويضه إذا مضت العملية دون التشاور معها.
هذا الوقف لا يُنهي الحملة الانفصالية، لكنه يعلق المسار الرسمي الذي يمكن أن يحول العريضة إلى استفتاء، لذلك فإن معركة ألبرتا لم تعد فقط بين الانفصاليين والوحدويين، بل بين تصورين للسيادة.. سيادة المقاطعة كما يطرحها الانفصاليون، وسيادة وحقوق المعاهدات كما تطرحها الأمم الأصلية.
وتنظر بعض الأمم الأصلية إلى الانفصال بوصفه تهديدًا وجوديًا لا مجرد خلاف سياسي، فقد نقلت صحيفة الغارديان عن أمة Sturgeon Lake Cree Nation قولها إن محاولة الانفصال “غير مسؤولة ومهينة”، وإنها قد تنتهك حقوق المعاهدة رقم 8، كما أشارت الدعوى إلى أن ألبرتا لا تملك حق الانفصال عن كندا ولا حق أخذ أراضي المعاهدة رقم 8 معها.
ومن منظور حقوقي، تكشف هذه الدعاوى نقطة جوهرية.. حدود ألبرتا الحالية لا تعني أن حكومة المقاطعة تملك سيادة مطلقة على الأرض، فهناك معاهدات تاريخية وحقوق دستورية للسكان الأصليين، وأي مسار انفصالي لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها كمسألة لاحقة.
القانون الكندي
دستوريًا، لا تستطيع أي مقاطعة كندية الانفصال من جانب واحد، فالقاعدة الحاكمة تعود إلى رأي المحكمة العليا الكندية في قضية انفصال كيبيك عام 1998، ثم إلى قانون الوضوح لعام 2000.
وينص قانون الوضوح على أنه لا يوجد حق دستوري لمقاطعة كندية في الانفصال الأحادي، وأن أي انفصال يتطلب تعديلًا دستوريًا ومفاوضات تشمل على الأقل الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات، كما يشترط أن يقرر مجلس العموم الكندي ما إذا كان سؤال الاستفتاء واضحًا، وما إذا كانت النتيجة تمثل أغلبية واضحة.
وبذلك، حتى لو نجحت العريضة وجرى استفتاء وفاز خيار الاستقلال، فإن النتيجة لن تعني قيام دولة ألبرتا تلقائيًا، بل ستفتح، في أفضل الأحوال، بابًا سياسيًا وقانونيًا معقدًا لمفاوضات دستورية شديدة الصعوبة.
وتستعيد ألبرتا اليوم شبح استفتاء كيبيك عام 1995، حين كادت كندا تواجه تفككًا دستوريًا، لكن هناك اختلافات مهمة، ففي كيبيك كان المشروع الانفصالي قائمًا على لغة وثقافة وهوية قومية تاريخية، أما في ألبرتا، فالدافع الأقوى اقتصادي وسياسي، مرتبط بالنفط والضرائب والصلاحيات الفيدرالية.
مخاطر اقتصادية
يطرح الانفصال أسئلة اقتصادية هائلة: العملة، الدين العام، الجنسية، الحدود، التجارة بين المقاطعات، عقود الطاقة، حقوق السكان الأصليين، صادرات النفط، الوصول إلى الموانئ، وعضوية المؤسسات الدولية، وكل هذه المسائل لن تُحسم بمجرد تصويت محلي.
كما أن ألبرتا، رغم قوتها النفطية، تعتمد على شبكة كندية أوسع للوصول إلى الأسواق والبنية التحتية والمؤسسات المالية والاتفاقيات التجارية.
لذلك، فإن خطاب “ألبرتا الغنية تستطيع وحدها” يصطدم بتعقيد عملي: الثروة النفطية لا تكفي لبناء دولة مستقرة دون اتفاقات حدودية وتجارية ودستورية مع كندا والولايات المتحدة والأمم الأصلية.

