منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة تمويل تضرب الأمم المتحدة وتدفع وكالاتها لمغادرة جنيف

07 مايو 2026
قصر ولسون، مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمقر السابق لعصبة الأمم، في جنيف
قصر ولسون، مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمقر السابق لعصبة الأمم، في جنيف

تعيش مدينة جنيف السويسرية التي طالما ارتبط اسمها بالدبلوماسية الدولية وصناعة السلام تحولاً غير مسبوق مع بدء تراجع الوجود الأممي داخلها بصورة متسارعة، في مشهد يعيد إلى الأذهان المراحل الأخيرة لعصبة الأمم قبل انهيارها الكامل مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، فالمباني التي احتضنت لعقود أهم مؤسسات النظام الدولي باتت اليوم شاهدة على موجة انسحابات وتقليصات وظيفية تعكس أزمة عميقة تواجه الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها.

وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز، فإن عدداً متزايداً من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بدأ تقليص عملياته في جنيف أو نقل أجزاء كبيرة من موظفيه إلى مدن ودول أقل تكلفة، نتيجة تراجع التمويل الدولي وتزايد الضغوط المالية التي تضرب المنظمة الأممية منذ سنوات، خاصة بعد تقليص الولايات المتحدة ودول مانحة أخرى إسهاماتها المالية.

ويحمل المشهد دلالات رمزية ثقيلة، إذ من المقرر أن تخلي الأمم المتحدة هذا الصيف قصر ولسون التاريخي، المقر الذي كانت تشغله سابقاً عصبة الأمم قبل انهيارها في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ويعد القصر واحداً من أبرز الرموز السياسية المرتبطة بفكرة النظام الدولي متعدد الأطراف، ما يجعل مغادرته حدثاً يتجاوز الجانب الإداري أو المالي إلى أبعاد سياسية وتاريخية أعمق.

تقليص واسع للوظائف

وأظهر مسح أجرته رويترز شمل عشرات الوكالات والسلطات المحلية، إلغاء أو نقل أكثر من 3000 وظيفة تابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف منذ عام 2025، وهو ما يمثل نحو خمس الوظائف الأممية في المدينة، وتشير هذه الأرقام إلى تحول هيكلي كبير داخل المؤسسات الدولية العاملة في سويسرا التي كانت لعقود مركزاً رئيسياً للقرارات السياسية والإنسانية العالمية.

وتأتي مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مقدمة الجهات التي بدأت إعادة هيكلة وجودها داخل جنيف، بعدما قررت مغادرة قصر ولسون والانتقال إلى جناح داخل قصر الأمم القريب، مبررة ذلك بما وصفته بأزمة مالية متفاقمة، كما أخلت منظمة العمل الدولية طابقين كاملين من مقرها الرئيسي، في مؤشر إضافي على تقلص الأنشطة وتقليص النفقات.

أما منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف، فتستعد لنقل نحو 70 بالمئة من موظفيها البالغ عددهم 400 موظف خارج جنيف، في خطوة تعكس حجم الضغوط الواقعة على الوكالات الإنسانية والتنموية التابعة للأمم المتحدة.

مخاوف من إغلاق وكالات أممية

ولا يقتصر الأمر على تقليص المكاتب أو نقل الموظفين فقط، بل يمتد إلى احتمال إغلاق بعض الوكالات بشكل كامل، ومن الجهات المهددة برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، في ظل أزمة تمويل حادة تواجهه منذ سنوات.

كما خفضت المنظمة الدولية للهجرة عدد موظفيها في جنيف من 1000 موظف إلى نحو 600 فقط، مع نقل عدد من العاملين إلى مدن أخرى مثل سالونيك في اليونان ونيروبي في كينيا وبانكوك في تايلاند وبنما، وفي الوقت نفسه، تراجع عدد موظفي المنظمة عالمياً من 23000 إلى 16000 موظف، في واحدة من كبريات عمليات التقليص التي تشهدها مؤسسة دولية خلال السنوات الأخيرة.

وتؤكد هذه الإجراءات أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بجنيف بوصفها مدينة تستضيف مقرات أممية، بل ترتبط بمستقبل النظام الدولي بأكمله، خاصة مع تنامي الاتجاهات السياسية التي تفضل الانكفاء الوطني وتقليص الإنفاق على المؤسسات متعددة الأطراف.

أزمة تمويل غير مسبوقة

وتوصف الأزمة المالية الحالية بأنها الأشد في تاريخ الأمم المتحدة الممتد منذ 80 عاماً. فحتى الآن، لا تزال هناك حالة غموض بشأن سداد الولايات المتحدة أكثر من ملياري دولار مستحقة عليها ضمن الميزانية الأساسية للمنظمة، في حين قامت دول مانحة أخرى بتقليص إسهاماتها من أجل توجيه مزيد من الأموال إلى الإنفاق الدفاعي والعسكري، في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية المتزايدة.

ويفاقم هذا الوضع الضغوط على جنيف التي تضم مكاتب أممية ومنظمات دولية تمتد على مساحة توازي تقريبا مساحة مدينة الفاتيكان، تتمركز حول قصر الأمم الذي شيد في الأصل ليكون مقراً لعصبة الأمم قبل أن يتحول لاحقاً إلى أحد أهم مراكز الأمم المتحدة في العالم.

الأزمة الحالية كشفت حجم الاعتماد الكبير للمؤسسات الدولية على التمويل الغربي، خاصة الأمريكي، ما جعلها أكثر هشاشة أمام التحولات السياسية والاقتصادية في الدول الكبرى.

انتقادات للبيروقراطية الأممية

في المقابل، يرى بعض المسؤولين والدبلوماسيين أن ما يحدث حالياً يمثل عملية تصحيح ضرورية داخل المنظومة الأممية التي تعرضت خلال السنوات الماضية لانتقادات متكررة بسبب تضخم هياكلها الإدارية وارتفاع نفقاتها التشغيلية.

وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن الموظفين الدوليين في جنيف يحصلون على امتيازات مالية مرتفعة نسبياً، منها زيادة تصل إلى 89.4 بالمئة فوق الرواتب الأساسية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في سويسرا، إلى جانب بدلات إضافية للزوج أو الزوجة والتعليم ومزايا أخرى متعددة.

ويعد منتقدو النظام الأممي هذه الامتيازات أسهمت في خلق جهاز بيروقراطي ضخم يصعب تمويله في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية الحالية، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى المطالبة بإعادة هيكلة الأمم المتحدة وتقليص نفقاتها.

مخاوف على مستقبل النظام الدولي

ورغم المبررات المالية، يحذر دبلوماسيون ومسؤولون حاليون وسابقون في الأمم المتحدة من التداعيات السياسية والاستراتيجية لتراجع الوجود الأممي في جنيف، معتبرين أن الأمر لا يتعلق فقط بإغلاق مكاتب أو نقل موظفين، بل بتفكيك أحد أبرز الرموز التي قامت عليها فكرة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

ويشير هؤلاء إلى أن جنيف لم تكن مجرد مقر إداري، بل شكلت لعقود مساحة محايدة للحوار بين الدول المتنازعة، ومركزاً رئيسياً للمفاوضات المتعلقة بحقوق الإنسان ونزع السلاح والأزمات الإنسانية والصحية العالمية.

كما تكشف وثائق داخلية أن الأمم المتحدة تتجه نحو نموذج أصغر حجماً وأكثر تشتتاً جغرافياً، مع دخول دول جديدة على خط المنافسة لاستضافة مكاتب المنظمة الدولية، منها قطر وقازاخستان ورواندا، في محاولة للاستفادة من الثقل السياسي والاقتصادي الذي توفره استضافة المؤسسات الدولية.

يذكر أن عصبة الأمم تأسست عام 1920 عقب الحرب العالمية الأولى بهدف منع اندلاع الحروب وتعزيز التعاون الدولي، واتخذت من جنيف مقراً رئيسياً لها، لكنها فشلت في احتواء التوترات الدولية التي سبقت الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتم حلها رسمياً عام 1946، وبعد الحرب، تأسست الأمم المتحدة عام 1945 باعتبارها البديل الجديد للنظام الدولي متعدد الأطراف، واختارت جنيف لتكون أحد أهم مراكزها العالمية إلى جانب نيويورك وفيينا ونيروبي، وتحتضن جنيف حالياً عشرات الوكالات والمنظمات الدولية، منها منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية ومفوضية حقوق الإنسان، ما جعلها توصف لعقود بأنها عاصمة الدبلوماسية الدولية ومدينة السلام.