يشهد الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب في الجزائر جدلا متصاعدا على المستويين الحقوقي والدولي، في ظل اتهامات متكررة من منظمات أممية وحقوقية باستخدامه في ملاحقة أنشطة سلمية تتعلق بحرية التعبير والتجمع والعمل المدني، ويتركز هذا الجدل حول المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي توسعت تدريجيا منذ إدراجها عام 1995 لتشمل نطاقاً واسعا من الأفعال، ما دفع خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى التحذير من غموضها القانوني وإمكانية إساءة استخدامها.
الإطار القانوني ونشأة المادة 87 مكرر
تُشكل المادة 87 مكرر حجر الأساس في التشريع الجزائري لمكافحة الإرهاب، حيث أُدرجت لأول مرة في عام 1995 ضمن سياق أمني داخلي معقد، وقد عرفت هذه المادة الأفعال الإرهابية أو التخريبية بصياغات واسعة تشمل المساس بأمن الدولة أو استقرار مؤسساتها أو الوحدة الوطنية، وفق ما ورد في تحليل منظمة “منا لحقوق الإنسان”.
ومع مرور الوقت، شهدت المادة سلسلة من التعديلات في أعوام 2014 و2016 و2021 و2024، أدت إلى توسيع نطاق التجريم ليشمل أفعالا مرتبطة بالفضاء الرقمي، والتعبير السياسي، ومحاولات التغيير السياسي خارج الأطر الدستورية، بحسب ما وثّقته تقارير منظمة العفو الدولية لعام 2025.
توسع تدريجي في التجريم القانوني
تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن التعديلات المتتالية على المادة 87 مكرر أدت إلى إدخال مفاهيم غير محددة بدقة قانونية، مثل الإضرار بالمصلحة الوطنية أو التحريض على زعزعة الاستقرار، وتؤكد المنظمة أن هذا الغموض يسمح بتفسيرات واسعة قد تشمل أنشطة سلمية لا ترتبط بالعنف.
كما أضافت تعديلات عام 2021 جريمة تتعلق بالسعي إلى تغيير النظام خارج الطرق الدستورية، وهو ما اعتبره خبراء الأمم المتحدة في تقرير صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان لعام 2025 توسعا يهدد مبدأ اليقين القانوني.
موقف الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية
أعربت آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بما في ذلك المقرر الخاص المعني بمكافحة الإرهاب والمقرر الخاص بحرية التجمع السلمي، في تقاريرهم بين عامي 2025 و2026 عن قلقهم من عدم توافق المادة 87 مكرر مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن تعريف الإرهاب في التشريع الجزائري لا يستوفي معايير الدقة القانونية، ما قد يؤدي إلى تجريم الممارسة السلمية للحقوق الأساسية، كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن هذا الإطار القانوني يفتقر إلى الضمانات الكافية لحماية حرية التعبير.
تأثير الحراك الشعبي
بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019، سجلت منظمات حقوقية ارتفاعا ملحوظا في استخدام المادة 87 مكرر في القضايا ذات الطابع السياسي، ووفق تقديرات منظمة منا لحقوق الإنسان، فقد تمت متابعة أكثر من ألف وأربعمائة شخص في سياقات مرتبطة بالحراك، بعضهم وُجهت إليهم تهم تتعلق بالإرهاب أو أمن الدولة.
وترى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن هذا الاتجاه يعكس توسعا في استخدام السلطات الجزائرية القوانين ذات الطابع الأمني لتقييد المجال المدني في الجزائر.
آليات إضافية لتعزيز الطابع الأمني
أدخلت تعديلات عام 2021 إنشاء قائمة وطنية للأشخاص والكيانات المصنفة إرهابية، وهو ما اعتبرته منظمة هيومن رايتس ووتش خطوة مثيرة للقلق بسبب غياب رقابة قضائية كافية على آلية الإدراج.
وفي عام 2024، تم توسيع نطاق هذه الآلية لتشمل تمويل أنشطة مرتبطة بالإرهاب وتجريم الدعم غير المباشر، مع تشديد العقوبات لتصل في بعض الحالات إلى السجن المؤبد، وفق تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026.
الانتقادات المتعلقة بحرية التعبير
تؤكد منظمة “مراسلون بلا حدود” أن البيئة القانونية في الجزائر أصبحت أكثر تقييدا لحرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع إدراج أنشطة إعلامية أو رقمية ضمن نطاق المواد المرتبطة بالإرهاب أو الإضرار بالمصلحة الوطنية.
كما حذّرت منظمة العفو الدولية من أن استخدام هذه النصوص ضد الصحفيين والمدونين يخلق مناخاً من الرقابة الذاتية ويحد من النقاش العام.
المحاكمات والقضايا ذات الطابع السياسي
وثقت منظمة “منا لحقوق الإنسان” عدداً من القضايا التي تم فيها توجيه تهم تتعلق بالإرهاب ضد نشطاء سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وتشير هذه القضايا إلى نمط متكرر من الملاحقات القانونية المرتبطة بالنشاط النقابي أو التعبير السياسي.
وتشير المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أن بعض هذه القضايا انتهت بأحكام قاسية، في حين تمت تبرئة آخرين بعد سنوات من الإجراءات القضائية، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار القانوني.
الإطار الدولي للقانون ومبدأ الشرعية
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه الجزائر عام 1989، على ضرورة أن تكون القوانين الجنائية واضحة ودقيقة وغير قابلة للتأويل الواسع، وتؤكد لجنة حقوق الإنسان أن مبدأ الشرعية يتطلب تحديداً صارماً للأفعال المجرمة.
غير أن خبراء الأمم المتحدة يرون أن المادة 87 مكرر لا تتوافق بشكل كامل مع هذا المبدأ، بسبب غموض المصطلحات المستخدمة واتساع نطاق التجريم.
القائمة الوطنية للإرهاب وإشكالية الضمانات
أثار إنشاء القائمة الوطنية للأشخاص المصنفين كإرهابيين مخاوف حقوقية تتعلق بغياب ضمانات المحاكمة العادلة في مرحلة الإدراج الأولي، وتعتبر منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذه الآلية قد تؤدي إلى آثار قانونية فورية على الأفراد دون حكم قضائي نهائي.
كما حذرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان من أن هذه الإجراءات قد تتعارض مع افتراض البراءة، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي.
الأبعاد الإنسانية والاجتماعية
تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن القيود القانونية المرتبطة بالإرهاب تؤثر على المجتمع المدني من خلال تقليص مساحة العمل العام وارتفاع مستويات الخوف من الملاحقة القانونية.
كما توضح منظمة العفو الدولية أن هذا الوضع يؤدي إلى تراجع المشاركة المدنية، ويؤثر على قدرة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان على أداء عملهم بحرية.
يرتبط تطور تشريع مكافحة الإرهاب في الجزائر بفترة النزاع الداخلي في تسعينيات القرن الماضي، حيث تم اعتماد تدابير قانونية صارمة لمواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت عام 2019 أعادت طرح النقاش حول حدود استخدام هذه القوانين.
وترى منظمة “منا لحقوق الإنسان” أن استمرار توسيع هذه التشريعات يعكس اتجاهاً نحو استخدام الأدوات القانونية في إدارة المجال السياسي.
التداعيات القانونية على حرية التعبير
تشير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن استخدام نصوص فضفاضة في قوانين الإرهاب قد يؤدي إلى تقييد غير مباشر لحرية التعبير، خصوصاً عندما تُستخدم في قضايا تتعلق بالنقد السياسي أو النشاط الرقمي.
كما تؤكد منظمة العفو الدولية أن هذا النهج يخلق حالة من التوتر بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق الأساسية.
تجمع التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية على أن الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب في الجزائر، وخاصة المادة 87 مكرر، يثير مخاوف جدية تتعلق بتوازن التشريع بين الأمن الوطني وضمان الحريات الأساسية، وبينما تؤكد السلطات أن هذه القوانين ضرورية لحماية الاستقرار ومكافحة التهديدات الأمنية، ترى منظمات حقوق الإنسان أن اتساع نطاقها وغموضها القانوني قد يؤديان إلى تقييد المجال المدني بشكل متزايد.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، تدعو الهيئات الحقوقية الدولية إلى مراجعة شاملة للإطار القانوني بما يضمن مواءمته مع المعايير الدولية، ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق الأساسية.

