منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعادة كتابة التاريخ.. استبدال معرض العبودية في فيلادلفيا يشعل معركة حول الذاكرة الأمريكية

16 يوليو 2026
لوحات تعريفية عن العبودية في موقع منزل جورج واشنطن
لوحات تعريفية عن العبودية في موقع منزل جورج واشنطن

كشف استبدال معرض يوثّق تاريخ العبودية في موقع “بيت الرئيس” داخل حديقة الاستقلال التاريخية الوطنية بمدينة فيلادلفيا الأمريكية عن مواجهة تجاوزت حدود تعديل لوحات تعريفية في موقع تاريخي، لتفتح جدلًا حقوقيًا حول الحق في الحقيقة وحفظ الذاكرة التاريخية، بعدما اعتبر مؤرخون وناشطون ومسؤولو المدينة أن التغييرات تمثل إعادة صياغة للرواية المرتبطة بالعبودية في الولايات المتحدة، بينما أكدت الحكومة الفيدرالية أنها تقدم “القصة الكاملة”.

وبحسب ما أوردته “واشنطن بوست” جاءت الخطوة في ظل توجه تتبناه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة النظر في المحتوى المعروض داخل المؤسسات الثقافية والتاريخية التابعة للحكومة الفيدرالية.

يقع “بيت الرئيس” في المكان الذي اعتمد فيه إعلان الاستقلال في 4 يوليو 1776، ويضم حفريات المنزل الذي أقام فيه الرئيس الأول للولايات المتحدة جورج واشنطن خلال فترة رئاسته، إلى جانب معرض افتتح عام 2010 ليروي حياة تسعة أشخاص كانوا مستعبدين وعاشوا مع جورج ومارثا واشنطن في تسعينيات القرن الثامن عشر، عندما كانت فيلادلفيا عاصمة البلاد لفترة وجيزة.

ووفقا لوكالة “أسوشيتد برس” اعتمد المعرض منذ افتتاحه على لوحات تفسيرية ومقاطع مصوّرة تناولت حياة هؤلاء المستعبدين وربطت بين مبادئ الحرية التي تأسست عليها الولايات المتحدة واستمرار نظام العبودية في تلك المرحلة.

تزييف للتاريخ

اعتبر العضو المؤسس في جماعة “تحالف الانتقام للأجداد” مايكل كوارد أن اللوحات الجديدة “تزيف تاريخ الأمة”، لأنها أزالت مواد كانت تعرض بصورة مباشرة طبيعة تجارة الرقيق والعبودية، ومن بينها لوحة بعنوان “تجارة العبودية القذرة”.

كانت تلك اللوحة توضح أن واضعي الدستور الأمريكي صاغوا وثيقة تقوم على مبادئ الحرية، في وقت ظلت فيه الحرية والعبودية مرتبطتين ارتباطًا وثيقًا، كما أشارت إلى أن بريطانيا حظرت تجارة الرقيق قبل الولايات المتحدة، وأن عدد المستعبدين واصل الارتفاع حتى بعد وقف استيرادهم عام 1808، بما في ذلك نتيجة ولادات النساء المستعبدات الناجمة عن الاغتصاب والإنجاب القسري.

وصفت لوحة أخرى في المعرض الأصلي جورج واشنطن بأنه سيطر، بما في ذلك داخل مزرعة ماونت فيرنون، على حياة أكثر من 300 إفريقي مستعبد وذريتهم، بينما قال كوارد إن اللوحات البديلة “لن تكشف الحقيقة كاملة”، مضيفًا أن استبدالها يمثل عملًا عنصريًا يتنافى مع التاريخ.

وشبّه ما حدث بما سماه “وزارة الحقيقة” في رواية جورج أورويل “1984”، معتبرًا أن الحكومة تحاول تحويل الحقيقة إلى كذبة والكذبة إلى حقيقة.

أكدت عمدة مدينة فيلادلفيا شيريل إل. باركر أن الحكومة الفيدرالية أزالت اللوحات السابقة “بين ليلة وضحاها وتحت جنح الظلام”، رغم أن المحكمة سمحت لها بتنفيذ التغيير. وقالت إن إزالة لوحات كانت تروي تاريخ فيلادلفيا بهذه الطريقة تدل على أن القائمين عليها يدركون أن ما فعلوه “مشين” وينتهك ثقة المجتمع، مؤكدة أن المدينة ستواصل الطعن في القضية بسبب ما وصفته بمسائل قانونية جوهرية وردت في قرارات محكمة الاستئناف.

معركة قانونية حول الذاكرة

بدأت المواجهة القانونية مطلع العام الحالي عندما شرعت إدارة المتنزهات الوطنية في إزالة اللوحات القديمة، قبل أن تأمر محكمة أدنى درجة في فبراير الحكومة الفيدرالية بالتوقف عن تنفيذ الخطوة إلى حين الفصل في الطعون.

وأعادت الإدارة بعد ذلك تركيب نحو نصف اللوحات، بينما بقي النصف الآخر مفقودًا، قبل أن تقضي هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة بمحكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الثالثة، في 3 يوليو، بإمكانية استئناف تركيب اللوحات البديلة، ووصفت خططها بأنها “غنية بالسياق التاريخي”، رغم اعتراضات المؤرخين ومسؤولي المدينة الذين اعتبروا محتواها مزيفًا للتاريخ.

رفعت مدينة فيلادلفيا دعوى قضائية ضد الحكومة الفيدرالية، مؤكدة أن أي تعديل في موقع “بيت الرئيس” يجب أن يسبقه تشاور مع المدينة، بينما تمسكت وزارة العدل بأن إدارة المتنزهات الوطنية وحدها تملك صلاحية تحديد الروايات التي تُعرض داخل المواقع التابعة لها، كما انضم “تحالف الانتقام للأجداد” إلى الدعوى، وأكد كوارد استمرار العمل على مسارات قانونية لمعارضة تغيير اللوحات التذكارية.

ارتبطت القضية كذلك بالأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس دونالد ترامب بشأن المؤسسات الثقافية والتاريخية، ففي عام 2025 أصدر أمرًا تنفيذيًا يدعو المواقع التاريخية المملوكة أو الخاضعة للحكومة الفيدرالية إلى عدم عرض معلومات “تسيء إلى الأمريكيين، سواء كانوا من الماضي أو الأحياء”، والتركيز بدلًا من ذلك على “عظمة إنجازات الشعب الأمريكي وتقدمه”.

كما أعلن في مارس عزمه إجراء تغييرات داخل مؤسسة سميثسونيان تستهدف وقف تمويل البرامج التي تروج، بحسب وصفه، لـ”خطابات مثيرة للانقسام” و”أيديولوجيات غير سليمة”، في إطار حملة أوسع شملت أيضًا مبادرات التنوع والشمول وبعض المؤسسات التعليمية.

روايتان متعارضتان

دافعت وزارة الداخلية، المشرفة على إدارة المتنزهات الوطنية في الولايات المتحدة، عن التغييرات، مؤكدة أن تركيب اللوحات الجديدة جاء عقب صدور أحكام قضائية لصالح الحكومة الفيدرالية في الدعوى المتعلقة بالموقع.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الداخلية كاتي مارتن إن المحاكم انحازت إلى إدارة الرئيس ترامب في “استعادة الحقيقة والمنطق”، مضيفة أن اللوحات الجديدة “غنية بالسياق التاريخي”، وتسلط الضوء على الأحداث المهمة التي شهدها منزل الرئيس والمواقع الأخرى داخل متنزه الاستقلال التاريخي الوطني.

أوضحت مارتن أن اللوحات الجديدة لا تزال تُقر بمساوئ العبودية، بما في ذلك ما وصفته بمظالمها ونفاقها، وتواصل سرد قصص الأشخاص التسعة الذين كانوا مستعبدين داخل منزل الرئيس، مؤكدة أنها تقدم “القصة كاملة”، كما جاء في بيان أصدرته الوزارة أن اللوحات الجديدة تذكر بإنسانية هؤلاء المستعبدين من خلال عرض قصصهم داخل البيت الرئاسي.

تضمنت اللوحات الجديدة نحو 200 إشارة إلى المستعبدين أو العبودية، واشتملت على أربع لوحات تركز بصورة مباشرة على العبودية، من بينها لوحة بعنوان “النضال من أجل الحرية”، كما حافظت على معلومات تتناول الأشخاص المستعبدين الذين عاشوا في المنزل، وحركة إلغاء العبودية، وكيف تعامل الدستور الأمريكي مع قضية العبودية، ونهاية العبودية في ولاية بنسلفانيا، إضافة إلى كيفية نظر جورج واشنطن وخليفته جون آدامز إلى العبودية وتعامل كل منهما معها، فضلًا عن معلومات تتعلق بحركة الحقوق المدنية في القرن العشرين.

لفتت جماعات مناصرة، في المقابل، إلى أن اللوحات البديلة حذفت عددًا من العناصر التي كانت موجودة في المعرض الأصلي، من بينها خريطة طرق تجارة الرقيق، وجدول زمني للعبودية، وعناوين رئيسية ناقدة مثل “تجارة العبودية القذرة”.

كما رأت أن اللوحات الجديدة خففت من حدة وصف نظام العبودية، إذ ركزت على امتثال جورج واشنطن للقوانين السارية آنذاك واعتماده الاقتصادي على نظام العبودية، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تعبيراته الشخصية عن استيائه من العبودية وتوقيعه على تدابير قيدت العبودية وأدامتها في آن واحد.

شهد الموقع، بحسب ما أوردته “الغارديان”، نزاعًا استمر ستة أشهر بين إدارة ترامب ومدينة فيلادلفيا، وتمحور حول 34 لوحة أزالتها إدارة المتنزهات الوطنية في 22 يناير 2026، فيما ظل نحو نصفها محفوظًا في المخازن، وخلال تلك الفترة، تمسكت الحكومة الفيدرالية بأن المعرض القديم يسيء إلى شخصيات تاريخية أمريكية، بينما أكدت المدينة والناشطون أنه يروي القصة الكاملة لتأسيس الولايات المتحدة.

عبّرت الزائرة تيفاني كوبر، وهي مدربة يوغا من مقاطعة باكس بولاية بنسلفانيا، عن حزنها لرؤية الجدار الذي أزيلت منه معظم اللوحات، ولم يبق عليه سوى لوحة واحدة ومسامير تثبت أماكن اللوحات السابقة، وقالت إنها شعرت بأن المعرض أصبح “غير مكتمل”، مؤكدة أن ما يحدث مؤلم، خاصة مع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، ومعتبرة أن إزالة اللوحات تمثل جزءًا مما وصفته بتقويض قانون حقوق التصويت.

الدفاع عن الذاكرة

أسس المحامي ومؤسس ائتلاف “الانتقام للأجداد” مايكل كوارد، وفق الغارديان، الائتلاف عام 2002 بعد اكتشاف أثري كشف وجود مساكن للأشخاص المستعبدين داخل منزل الرئيس، موضحا أنه لم يكن يعلم قبل ذلك أن أفارقة مستعبدين عاشوا في هذا الموقع، قبل أن يقود مع نشطاء ومؤرخين ومتخصصين في الحفاظ على التراث حملة استمرت ثماني سنوات انتهت بافتتاح النصب التذكاري عام 2010.

أشار كوارد إلى أن تهديد إدارة ترامب بإزالة الموقع أسهم، من وجهة نظره، في توسيع دائرة الدعم له، قائلًا إن الهجوم على المعرض أدى إلى بناء تحالف لم يكن من الممكن تشكيله في الظروف العادية.

وأضاف أن الائتلاف واصل تحركاته القانونية بعد انضمامه إلى الدعوى التي رفعتها مدينة فيلادلفيا، كما نظم “يوم الاستقلال الأسود” أمام منزل الرئيس في 4 يوليو، وعقد اجتماعات شهرية عبر تطبيق “زووم” ارتفع عدد المشاركين فيها مؤخرًا إلى نحو 400 شخص.

زار كوارد، برفقة محامين آخرين، اللوحات التي أزيلت من الموقع بعد سماح قاض فيدرالي لهم بذلك في أوائل فبراير، وقال إن اللوحات كانت موضوعة على أرضية خرسانية داخل موقع تخزين دون وسائل حماية مناسبة، وهو ما زاد من اعتراضه على طريقة التعامل مع المعرض الأصلي.

انضمت الفنانة والناشطة ومؤسسة حركة “ريبيل للفنون” أليسا بيجبي إلى الاحتجاجات والاجتماعات الشهرية التي نظمها الائتلاف منذ إزالة اللوحات في يناير، مؤكدة أن دفاعها عن المعرض يرتبط برغبتها في الحفاظ على تاريخ المدينة ونقله إلى ابنها، حتى يدرك أهمية الوقوف في مواجهة ما تعتبره تشويهًا للتاريخ، وعدم التزام الصمت عندما يتعلق الأمر بقضية تؤمن بها.