منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العراق يواجه وصمة الإعاقة.. جهود حكومية لكسر التنمر وتعزيز الاندماج الاجتماعي

10 أغسطس 2026
أطفال من ذوي الإعاقة
أطفال من ذوي الإعاقة

فتحَ العراقُ جبهةً جديدةً لمواجهة الوصمة الاجتماعية والتنمر ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، في محاولة لمعالجة تحديات متراكمة لم تقتصر على الجانب الصحي أو الخدمي، بل امتدت إلى النظرة المجتمعية وفرص التعليم والعمل والمشاركة العامة، وتعمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية على تنفيذ برامج توعوية وخدمية تهدف إلى تعزيز دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، وترسيخ مفهوم أن الإعاقة قضية حقوقية وتنموية وليست سبباً للعزل أو التهميش.

وقالت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية إن جهودها الحالية تركز على مكافحة الصور النمطية السلبية المرتبطة بالإعاقة، ونشر ثقافة احترام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير الخدمات المقدمة لهم عبر هيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، التي تعد الجهة الحكومية الأساسية المعنية بملفات الرعاية والحماية الاجتماعية والتأهيل، وأكدت الوزارة أن مواجهة التنمر والتمييز تحتاج إلى تعاون المؤسسات الحكومية والمدارس ووسائل الإعلام والمجتمع المحلي في العراق لضمان توفير بيئة أكثر قبولاً واندماجاً.

أرقام تكشف حجم التحدي

أوضحت منظمة الصحة العالمية أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون نحو 16 في المئة من سكان العالم، أي ما يقارب 1.3 مليار شخص، مؤكدة أن هذه الفئة تواجه عوائق أكبر في الوصول إلى التعليم والعمل والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

وأشارت المنظمة إلى أن النزاعات والكوارث والأمراض والإصابات تعد من الأسباب الرئيسية التي تزيد أعداد الأشخاص الذين يعيشون مع إعاقات مختلفة.

وقال مكتب الأمم المتحدة في العراق إن البلاد تحمل إرثاً ثقيلاً من الأزمات المتتالية التي أثرت على أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة، بسبب عقود من الحروب والعنف والإرهاب وانتشار الألغام والمخلفات الحربية. وأكدت الأمم المتحدة أن تحسين حياة الأشخاص ذوي الإعاقة في العراق يتطلب الانتقال من نموذج الرعاية التقليدية إلى نموذج يقوم على الحقوق والمشاركة والاستقلالية.

آثار الحروب والإرهاب

أضافت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” أن عقود الصراع المسلح تركت آثاراً إنسانية واسعة على المجتمع العراقي، من بينها ارتفاع أعداد الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات أدت إلى إعاقات دائمة، إضافة إلى تأثيرات نفسية واجتماعية مرتبطة بالعنف والنزوح وفقدان مصادر الدخل.

وأشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن العراق يعد من أكثر دول العالم تضرراً من مشكلة الألغام والذخائر غير المنفجرة، نتيجة الحروب المتعاقبة منذ ثمانينيات القرن الماضي مروراً بحرب الخليج والعمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، وأكدت اللجنة أن مخلفات الحرب تواصل تهديد حياة المدنيين، خاصة في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة، وتؤدي إلى إصابات تغير حياة الضحايا وأسرهم بشكل دائم.

التنمر أزمة اجتماعية

قالت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة يتمثل في الوصمة الاجتماعية التي تؤثر على فرص اندماجهم، موضحة أن بعض الأسر والمجتمعات المحلية ما زالت تتعامل مع الإعاقة بمنظور قائم على الشفقة أو العزل بدلاً من اعتبار الشخص ذي الإعاقة فرداً منتجاً يمتلك حقوقاً وقدرات.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الأطفال ذوي الإعاقة يواجهون مخاطر أكبر في مجال التعليم والحماية الاجتماعية، مشيرة إلى أن غياب البيئة التعليمية المهيأة ونقص الدعم المتخصص قد يؤديان إلى زيادة معدلات التسرب والعزلة الاجتماعية.

وأوضحت اليونيسف أن دمج الأطفال ذوي الإعاقة داخل المدارس يتطلب توفيرَ وسائل مساعدة، ومناهجَ مناسبة، وتدريباً للكوادر التعليمية، إضافة إلى مكافحة التنمر داخل المؤسسات التعليمية، لأن البيئة المدرسية تمثل إحدى أهم المساحات التي تتشكل فيها نظرة المجتمع تجاه الإعاقة.

القانون العراقي وحماية الحقوق

قال مجلس النواب العراقي إن قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 وضع إطاراً قانونياً لحماية حقوق هذه الفئة، ونص على توفير الرعاية الصحية والتعليمية والتأهيلية، ودعم فرص العمل، وضمان مشاركتهم في المجتمع.

وأوضح قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة أن الدولة العراقية تتحمل مسؤولية توفير الخدمات التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، بما يشمل التأهيل والتدريب وتوفير التسهيلات اللازمة.

وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة أن الدول التي صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مطالبة بإزالة أشكال التمييز كافة، وضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في القرارات والسياسات التي تمس حياتهم.

ويُعد العراق من الدول التي صادقت على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2013، ما يفرض عليه التزامات دولية لتعزيز المساواة وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئة.

العمل والاستقلال الاقتصادي

واجه الأشخاص ذوو الإعاقة في العراق تحديات كبيرة في الوصول إلى فرص العمل والاستقلال الاقتصادي، رغم وجود تشريعات تلزم المؤسسات بتوفير فرص مناسبة لهم. وقالت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية إن هيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة تعمل على دعم برامج التأهيل والتدريب وتوفير الإعانات والخدمات التي تساعد المستفيدين على تحسين ظروفهم المعيشية، مؤكدة أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على الاعتماد على أنفسهم والمشاركة في سوق العمل.

وأوضح تقرير منظمة العمل الدولية أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون في العديد من الدول، ومنها الدول التي خرجت من النزاعات، عوائق إضافية في الحصول على وظائف مستقرة بسبب ضعف التدريب المهني، وصعوبة الوصول إلى أماكن العمل، واستمرار التمييز القائم على الأفكار المسبقة حول قدراتهم، وأكدت المنظمة أن توفير فرص العمل اللائق يمثل أحد أهم المسارات لتحقيق الاندماج الاجتماعي وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وأشارت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية إلى أن قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 يتضمن مواد لدعم تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير الحماية الاجتماعية لهم، إلا أن التطبيق العملي ما زال يواجه تحديات مرتبطة بالموارد المتاحة، والبنية التحتية، ومدى جاهزية المؤسسات لاستقبال العاملين من ذوي الإعاقة.

الخدمات بين الحاجة والتحديات

قالت منظمة الصحة العالمية إن الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاجون إلى خدمات متكاملة تشمل الرعاية الصحية وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الوصول إلى هذه الخدمات يمثل تحدياً كبيراً في البلدان التي مرت بأزمات طويلة أو نزاعات مسلحة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الإعاقة لا تنتج فقط عن الحالات الصحية، بل تتأثر أيضاً بالبيئة المحيطة، فالحواجز العمرانية ووسائل النقل غير المهيأة ونقص الخدمات المتخصصة قد تحول دون مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة العامة حتى مع توفر القدرة والرغبة لديهم.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة في العراق أن تحسين الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة يحتاج إلى تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، خاصة في مجالات التعليم والتأهيل النفسي وإعادة الإدماج الاقتصادي.

وأضافت الأمم المتحدة أن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعيشون في المناطق المتضررة من النزاعات أو المناطق الريفية يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على الخدمات، بسبب ضعف البنية التحتية وبعد مراكز الرعاية المتخصصة عن أماكن سكنهم.

الألغام ومخلفات الحروب

قالت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إن العراق ما زال من أكثر الدول تضرراً من الألغام والمخلفات الحربية، نتيجة عقود من النزاعات التي خلفت مساحات واسعة ملوثة بهذه المخاطر، خصوصاً في المحافظات التي شهدت عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش.

وأكدت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أن إزالة المخلفات الحربية لا تمثل فقط قضية أمنية، بل ترتبط بشكل مباشر بحقوق الإنسان والتنمية، لأن استمرار وجود هذه المخاطر يهدد المدنيين ويزيد أعداد الأشخاص الذين يتعرضون لإصابات تؤدي إلى إعاقات دائمة.

وأوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن ضحايا الألغام لا يحتاجون فقط إلى العلاج الطبي، بل إلى برامج طويلة الأمد تشمل التأهيل الجسدي والدعم النفسي ومساعدة الأسر على التكيف مع الظروف الجديدة.

حقوق الإنسان ومواجهة التمييز

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن مكافحة التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً على الدول، مؤكدة أن المساواة لا تتحقق فقط عبر إصدار القوانين، بل من خلال ضمان تطبيقها وتغيير الممارسات الاجتماعية التي تعيق المشاركة الكاملة.

وأوضحت المفوضية أن اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة تعتمد على مبدأ أساسي يتمثل في أن الأشخاص ذوي الإعاقة أصحاب حقوق كاملة، وليسوا مجرد مستفيدين من برامج الرعاية.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الأشخاص ذوي الإعاقة في مناطق النزاعات يواجهون مخاطر مضاعفة، لأن ضعف الخدمات والحواجز الاجتماعية قد يحرمهم من الحماية والمساعدة في أوقات الأزمات.

وأشارت المنظمة إلى أن الحكومات مطالبة بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في وضع السياسات والبرامج المتعلقة بهم، لأن مشاركتهم تعد عنصراً أساسياً لضمان فعالية هذه البرامج.

دور المجتمع في إنهاء الوصمة

قالت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية إن مكافحة التنمر والوصمة تحتاج إلى تغيير ثقافي طويل المدى، يبدأ من الأسرة والمدرسة ويمتد إلى مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام.

وأكدت الوزارة أن نشر الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يمثل جزءاً أساسياً من خططها، لأن توفير الخدمات وحده لا يكفي إذا بقيت النظرة المجتمعية قائمة على التمييز أو العزل.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو إن التعليم الشامل يمثل أداة رئيسية لتغيير المواقف الاجتماعية تجاه الإعاقة، لأنه يسمح للأطفال ذوي الإعاقة وغير ذوي الإعاقة بالتعلم معاً وبناء ثقافة تقوم على قبول التنوع.

وأوضحت اليونسكو أن المدارس التي توفر بيئة دامجة تساعد على تقليل التنمر وتعزيز احترام الاختلاف، مؤكدة أن الدمج التعليمي يعد خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات أكثر عدلاً.

أبعاد وتراكمات تاريخية

بدأ ملف الإعاقة في العراق يتخذ أبعاداً واسعة نتيجة تراكمات تاريخية طويلة من الحروب والصراعات المسلحة. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، مروراً بحرب الخليج عام 1991، ثم سنوات العنف الطائفي ومواجهة تنظيم داعش بعد عام 2014، تعرض آلاف المدنيين والعسكريين لإصابات خلفت إعاقات جسدية ونفسية.

واعتمد العراق خلال السنوات الأخيرة على مزيج من البرامج الحكومية والدعم الدولي للتعامل مع هذا الملف، حيث تعمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة على تقديم خدمات الرعاية والإعانات، بينما تقدم الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية برامج لدعم التأهيل والحماية الاجتماعية.

ويرى الإطار الدولي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في علاج آثار الإعاقة، بل في إزالة الحواجز التي تمنع الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حقوقهم كاملة في التعليم والعمل والحياة العامة.

وتبقى مواجهة الوصمة والتنمر في العراق مرتبطة بقدرة المؤسسات على تحويل القوانين والبرامج إلى واقع يومي يشعر فيه الأشخاص ذوو الإعاقة بأنهم جزء أساسي من المجتمع، وليسوا فئة مهمشة تحتاج فقط إلى المساعدة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان