منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ملاجئ بلا حصانة.. نساء العراق يهربن من العنف ليصطدمن بفراغ الدولة

27 مايو 2026
مخاوف بين نساء العراق من العنف القائم على النوع الاجتماعي
مخاوف بين نساء العراق من العنف القائم على النوع الاجتماعي

في العراق، لا تعمل الملاجئ النسائية ضمن منظومة حماية اجتماعية مكتملة، بل ضمن بنية إيواء محدودة تتقاطع فيها هشاشة التشريع مع ضغط الأعراف الاجتماعية وضعف التمويل وتفاوت الاستجابة المؤسسية.

وبينما تتزايد الحاجة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، تبقى هذه المراكز أقرب إلى استجابة طارئة منها إلى نظام حماية مستدام تديره الدولة.

وتؤكد بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) أن العراق لا يزال بحاجة إلى توسيع خدمات الحماية للنساء والفتيات الناجيات من العنف، عبر مراكز إيواء ودعم نفسي وقانوني وإعادة إدماج، تُنفذ بالشراكة مع الحكومة العراقية والجهات المحلية.

ومع ذلك، لا تزال البيانات الوطنية الموحدة حول عدد الملاجئ وقدرتها الاستيعابية غير مكتملة، ما يعكس غياب قاعدة بيانات مركزية تنظم هذا القطاع.

بنية إيواء محدودة

تشير بيانات الأمم المتحدة، ولا سيما برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، إلى أن منظومة الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي في العراق تعتمد على عدد محدود من مراكز الإيواء الرسمية أو المدعومة دوليًا، والتي تعمل ضمن إطار شراكات متعددة الأطراف بين UNFPA والحكومة العراقية والسلطات المحلية في المحافظات.

وتضم هذه المنظومة مراكز حماية تقدم خدمات متعددة تشمل الإيواء الطارئ، والدعم النفسي، والمشورة القانونية، إضافة إلى خدمات الإحالة إلى الجهات القضائية والاجتماعية المختصة.

وخلال عام 2025، شهد العراق افتتاح أو إعادة تأهيل عدد من مراكز الحماية ضمن مشاريع مشتركة بين الحكومة العراقية وجهات دولية مانحة، من بينها فرنسا، وذلك في إطار تعزيز الاستجابة المؤسسية لحالات العنف ضد النساء في محافظات مختلفة مثل بغداد والديوانية ونينوى.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن هذه الجهود تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين خدمات الحماية وتوسيع نطاق الوصول إلى الناجيات في البيئات الأكثر هشاشة.

في المقابل، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن العنف ضد النساء والفتيات في العراق لا يزال يمثل تحديًا واسع النطاق ومتعدد الأبعاد، يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وقانونية متداخلة.

هذا الواقع يضع ضغطًا متزايدًا على مراكز الحماية المحدودة من حيث العدد والقدرة التشغيلية، ويكشف في الوقت نفسه عن فجوة واضحة بين حجم الطلب المتزايد على خدمات الإيواء والدعم، وبين قدرة البنية المؤسسية الحالية على الاستجابة بشكل كافٍ ومستدام.

وتشير تقارير UNFPA إلى أن خدمات الحماية في العراق تُعد جزءًا من استجابة إنسانية وتنموية مشتركة، لكنها لا تزال بحاجة إلى توسيع كبير في البنية التحتية، بما يضمن وصولًا أوسع للنساء والفتيات المعرضات للعنف.

إطار قانوني غير مكتمل

تعمل الملاجئ النسائية في العراق ضمن إطار قانوني غير موحد، إذ لا يوجد حتى عام 2026 قانون اتحادي شامل ومخصص لمناهضة العنف الأسري بشكل كامل وملزم على مستوى الدولة، رغم استمرار النقاشات التشريعية والمبادرات البرلمانية في هذا الاتجاه خلال السنوات الأخيرة.

ويؤدي هذا الغياب التشريعي إلى خلق فراغ قانوني في تنظيم عمل مراكز الحماية، حيث تعتمد بعض الإجراءات على تعليمات وزارية أو بروتوكولات إدارية أو تفاهمات بين الجهات التنفيذية، بدل أن تكون محكومة بقانون واضح ومستقر وملزم.

وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن النظام القانوني في العراق لا يزال يتضمن ثغرات جوهرية تسمح في بعض الحالات بالإفلات من العقاب في قضايا العنف ضد النساء، بما في ذلك الجرائم التي تُصنّف اجتماعيًا ضمن ما يُعرف بـ”جرائم الشرف”.

ويؤدي هذا الواقع إلى إضعاف فعالية الردع القانوني، ويؤثر بشكل مباشر على ثقة الناجيات في قدرة منظومة العدالة على حمايتهن أو إنصافهن.

في المقابل، يمتلك إقليم كردستان قانونًا خاصًا بالعنف الأسري، إلا أن تطبيقه يواجه تحديات مرتبطة بالقدرات المؤسسية، وباختلاف مستويات التنفيذ بين المدن والمناطق، هذا التفاوت في التطبيق لا يرتبط فقط بالإطار القانوني، بل أيضًا بمدى جاهزية المؤسسات الأمنية والقضائية والاجتماعية للتعامل مع حالات العنف بشكل موحّد وفعال.

وينتج عن هذا الوضع تباين واضح في مستوى الحماية القانونية داخل الدولة الواحدة، حيث تختلف فرص الوصول إلى العدالة والخدمات بشكل ملحوظ بين المحافظات الخاضعة للإطار الاتحادي وتلك التي تعمل ضمن الإطار الإقليمي.

الناجيات وخطر العودة للعنف

تستقبل مراكز الحماية في العراق نساء ناجيات من أنماط متعددة من العنف، تشمل العنف الأسري، التهديد بالقتل، الزواج القسري، والاعتداءات الجنسية.

وتشير برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن خدمات هذه المراكز لا تقتصر على توفير الإيواء الآمن فحسب، بل تشمل أيضًا الدعم النفسي المتخصص، والمشورة القانونية، وخدمات إعادة الإدماج الاجتماعي، بما يهدف إلى مساعدة الناجيات على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الشخصي والاجتماعي.

لكن التحدي الأكثر تعقيدًا لا يرتبط بمرحلة الدخول إلى هذه المراكز، بل بالمرحلة التي تلي الخروج منها، ففي غياب برامج اقتصادية واجتماعية مستدامة، قد تجد بعض الناجيات أنفسهن أمام مخاطر العودة إلى بيئات العنف نفسها التي فررن منها، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها ضعف الاستقلال المالي، وغياب البدائل السكنية الآمنة، إضافة إلى الضغوط العائلية والاجتماعية التي قد تدفع باتجاه إعادة الدمج القسري داخل بيئات غير آمنة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الفعالة للعنف ضد النساء تتطلب منظومة متكاملة تشمل الوقاية، والحماية، والمساءلة القانونية، وليس فقط توفير الإيواء المؤقت، غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن هذه العناصر لا تزال غير مكتملة التكامل في السياق العراقي، ما يترك فجوة واضحة بين الحماية النظرية والحماية الفعلية على الأرض.

فجوة الدولة واستدامة الحماية

تكشف أوضاع الملاجئ النسائية في العراق عن فجوة بنيوية في منظومة الحماية الاجتماعية، حيث تعتمد الاستجابة للعنف ضد النساء بشكل كبير على الدعم الدولي والمبادرات الجزئية، بدل أن تكون جزءًا من سياسة وطنية موحدة ومستقرة التمويل والتنفيذ.

وتشير بيانات UNFPA إلى أن برامج الحماية تُنفذ ضمن شراكات متعددة مع الحكومة العراقية، لكنها لا تزال تفتقر إلى نظام وطني موحد لإدارة الملاجئ أو توحيد معايير تشغيلها، بما يشمل التمويل، الطاقة الاستيعابية، وآليات الإحالة بين المحافظات.

ورغم افتتاح وتوسيع عدد من مراكز الحماية خلال عام 2025 في عدد من المحافظات، فإن هذه الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة الفعلية، خصوصًا في ظل غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة تحدد أعداد النساء المحتاجات إلى الحماية أو توزيع الخدمات المتاحة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن تعزيز الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي يتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تشريع قانون شامل لمناهضة العنف الأسري، وتوسيع شبكة الملاجئ، وتوحيد نظام إدارتها، إضافة إلى زيادة التمويل الحكومي المباشر.

لكن حتى عام 2026، لا تزال هذه العناصر غير مكتملة، ما يجعل الملاجئ النسائية في العراق تعمل بوصفها خط دفاع أخير، يوفر الحماية المؤقتة دون أن يشكل منظومة مستدامة قادرة على معالجة جذور العنف أو ضمان إعادة إدماج الناجيات بشكل آمن ودائم.

 

نساء العراق بين العنف والوصم

أكّدت الدكتورة سمية سعيد خالد، الناشطة في مجال حقوق الإنسان وخبيرة العنف والسياسات الاجتماعية، أن أوضاع النساء في العراق ما تزال تواجه تحديات عميقة تتصل بالبنية الاجتماعية والثقافية والقانونية، مشيرة إلى أن جزءاً واسعاً من النساء يقعن تحت ضغط “إرهاب فكري ديني” ينعكس على حياتهن اليومية وحقوقهن الأساسية.

وقالت د. سمية، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن النقاشات التشريعية التي أُثيرت خلال السنوات الأخيرة حول بعض القوانين ذات الطابع الأسري أثارت مخاوف واسعة لدى الناشطات في مجال حقوق المرأة، مؤكدة أن بعض الصياغات القانونية المقترحة “أشبه بمحاولة لإعادة إنتاج أنماط اجتماعية تعود إلى قرون سابقة”، بما قد يمسّ حق المرأة في الاختيار والعدالة والمساواة. ونبّهت إلى أن أي تشريع لا يضمن حماية متوازنة للمرأة قد يتحول إلى أداة لإضعافها بدل تمكينها.

وأشارت إلى أن الفجوة بين المركز والأطراف داخل العراق ما تزال واضحة، حيث تتفاوت مستويات الوعي بحقوق المرأة والخدمات الاجتماعية المقدمة لها، مؤكدة أن الفقر والضغط الاقتصادي في بعض المحافظات يضاعف من هشاشة النساء ويجعلهن أكثر عرضة للاستغلال أو العنف أو التهميش، مضيفة أن “المرأة ليست فئة هامشية، بل هي القاعدة الصامتة في المجتمع، وإذا اهتزّ أمنها الاجتماعي اهتزّ توازن المجتمع بأكمله”.

وأكدت الدكتورة سمية، أن ظاهرة زواج المتعة، كما وصفتها في بعض الحالات المنتشرة، تحتاج إلى معالجة اجتماعية وقانونية دقيقة، محذّرة من استغلال الهشاشة الاقتصادية للنساء تحت غطاء ديني أو اجتماعي، بما يؤدي إلى تكريس أنماط من الاستغلال المقنّع. وأشارت إلى أن غياب الرقابة الاجتماعية والقانونية الفاعلة يفتح الباب أمام ممارسات قد تضر بكرامة المرأة وحقوقها الإنسانية.

ونبهت إلى أن مراكز حماية المرأة في العراق، رغم وجود بعضها، ما تزال بحاجة إلى تطوير شامل من حيث البنية القانونية والإدارية ومستوى الكوادر العاملة فيها، مؤكدة أن التجربة في إقليم كردستان تمثل نموذجاً أكثر تنظيماً من حيث التعاون بين المنظمات الدولية والحكومة في إدارة مراكز الحماية وتوفير الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي للنساء المعنفات.

وقالت الدكتورة سمية، إن تلك التجربة أظهرت أهمية التدريب المتخصص للعاملين في هذا المجال، وتوفير منظومة متكاملة تشمل الحماية الفورية، والدعم القانوني، والرعاية النفسية، إضافة إلى برامج التأهيل المهني والاجتماعي لما بعد الخروج من المركز. ونبّهت إلى أن غياب “الرعاية اللاحقة” يمثل أحد أبرز التحديات، إذ قد يترك النساء عرضة للعودة إلى دوائر العنف أو الاستغلال أو الوصم الاجتماعي.

وأكدت أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في توفير الملاجئ، بل في قدرة المجتمع على قبول فكرة وجودها دون وصم أو إقصاء، مشيرة إلى أن العديد من النساء اللواتي يطلبن الحماية يواجهن نظرة اجتماعية سلبية قد تلاحقهن حتى بعد انتهاء الأزمة. وأضافت أن هذه الوصمة تشبه ظلّاً ثقيلاً يرافق المرأة حتى بعد نجاتها من العنف.

وشدّدت على ضرورة تعديل قانون الرعاية الاجتماعية بما ينسجم مع التطورات الحديثة في مجال حماية حقوق الإنسان، وبما يضمن دمج مراكز الحماية ضمن منظومة رسمية متكاملة تشمل التدريب، والتأهيل، والتشغيل، والدعم النفسي المستمر. وأكدت أن غياب هذا التكامل يجعل الجهود الحالية غير كافية لإحداث تغيير جذري.

كما أكّدت أن حماية النساء ليست مسؤولية مؤسساتية فقط، بل هي مسؤولية مجتمعية وثقافية، مشيرة إلى أهمية نشر الوعي حول حقوق المرأة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان. ونبّهت إلى أن استمرار الخطاب الرافض لمراكز الحماية أو المشكك بدورها يعمّق الأزمة بدلاً من حلها.

وختمت الدكتورة سمية خالد تصريحها بالتأكيد على أن مستقبل حماية المرأة في العراق يتطلب إرادة سياسية وتشريعية واضحة، إلى جانب تغيير ثقافي طويل الأمد، معتبرة أن “حماية المرأة ليست رفاهية اجتماعية، بل هي حجر الأساس لبناء مجتمع آمن ومتوازن”.

النساء بين الملجأ والخطر

من جانبها، قالت بهار علي، مديرة منظمة “ئيمة التنمية البشرية” في العراق، إن واقع الملاجئ النسائية في العراق وإقليم كردستان لا يزال يعكس فجوة عميقة بين الحاجة إلى الحماية الفعلية للنساء المعنّفات وبين محدودية البنية المؤسسية والقانونية والاجتماعية التي يُفترض أن توفر هذه الحماية، مؤكدة أن “الملاجئ ما تزال تعمل في مساحة حساسة تتقاطع فيها الخصوصية مع الرقابة، والحماية مع الخوف”.

وأشارت بهار علي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن الملاجئ في إقليم كردستان شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا مهمًا في مستوى إدارة الخصوصية، موضحة أن “الحفاظ على خصوصية الحالات داخل الملاجئ أصبح اليوم أكثر صرامة مقارنة بالسنوات السابقة”، حيث كان في الماضي.

وبحسب قولها، “من الممكن للإعلام أو بعض المنظمات أو الشخصيات الدخول إلى الملاجئ وإجراء مقابلات أو تقديم مساعدات مباشرة”، لكنها نبهت إلى أن هذا الوضع تغيّر بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تشديد الإجراءات الداخلية وتدخل المنظمات النسائية لمنع أي وصول غير منظم إلى داخل هذه المراكز.

وأكدت بهار علي، أن الملاجئ في إقليم كردستان تعتمد اليوم سياسة صارمة تقوم على منع إدخال أي جهة خارجية، سواء كانت إعلامية أو حتى بعض الجهات غير المختصة، مضيفة أن “لا توجد أي تدخلات مباشرة داخل الملاجئ حاليًا، ولا يتم تزويد أي جهة بمعلومات تفصيلية عن المقيمات داخلها، سواء أسماؤهن أو أعدادهن أو أوضاعهن”، مشددة على أن هذه المعلومات “محصورة فقط لدى الجهات المختصة داخل قسم حماية النساء والأطفال وإدارات الملاجئ”.

ونبّهت إلى أن هذه الصرامة في حماية البيانات والخصوصية تهدف إلى منع أي تهديد محتمل للنساء المقيمات، لكنها في الوقت نفسه تعكس حساسية الملف وصعوبة إدارته في بيئة اجتماعية وأمنية معقدة، خصوصًا في ما يتعلق بقضايا العنف الأسري والنزاعات العائلية.

وقالت إن الوضع في العراق خارج إقليم كردستان يختلف بشكل واضح، موضحة أن “الملاجئ الآمنة هناك غالبًا ما تكون تابعة لمنظمات نسائية أو لمبادرات مجتمع مدني، وليست جزءًا من منظومة حكومية مستقرة وموحدة”، الأمر الذي يضعف، بحسب تعبيرها، مستوى الحماية المؤسسية واستمرارية الخدمات.

وأوضحت أن التمويل يشكل أحد أبرز التحديات، إذ أكدت أن “الدعم المالي المخصص لهذه الملاجئ محدود جدًا”، سواء في العراق أو حتى في إقليم كردستان، رغم وجود أربعة ملاجئ رئيسية تابعة للحكومة في الإقليم. وأضافت أن استمرار هذه المراكز يعتمد بشكل كبير على دعم المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، محذرة من أنه “في حال توقف هذا الدعم، ستتراجع جودة الخدمات بشكل كبير، بما في ذلك خدمات الحماية والدعم النفسي والإيواء”.

وفي ما يتعلق بآليات الرقابة، أكدت أن الملاجئ في إقليم كردستان تخضع لإشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى لجان رقابية متخصصة، فضلًا عن متابعة من المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان، إلى جانب تقارير دورية تصدرها بعض المنظمات الحقوقية، مشيرة إلى أن هذا الإطار الرقابي يسهم في تحسين مستوى الخدمات داخل بعض المراكز، لكنه لا يلغي التحديات المرتبطة بضعف الموارد وتفاوت الإمكانيات.

وتطرقت بهار علي إلى البعد الاجتماعي للأزمة، مؤكدة أن “العقلية المجتمعية ما تزال تشكل أحد أبرز العوائق أمام لجوء النساء إلى الملاجئ”، حيث يُنظر إلى المرأة التي تغادر منزلها بسبب العنف الأسري على أنها “تخالف الأعراف وتتحمل وصمة اجتماعية”، ما يضعها تحت ضغط عائلي ومجتمعي شديد.

ونبّهت إلى أن هذا الضغط في بعض الحالات قد يتصاعد ليأخذ أشكالًا خطيرة، تصل إلى التهديد أو العنف أو حتى القتل تحت ذريعة “الشرف”، مشيرة إلى أن بعض التفسيرات الاجتماعية والدينية التقليدية ما تزال تمنح الذكور داخل الأسرة سلطة ممارسة “التأديب”، وهو ما يخلق بيئة غير آمنة للنساء ويحدّ من قدرتهن على الوصول إلى أماكن الحماية.

وأضافت أن القوانين تختلف بشكل واضح بين العراق وإقليم كردستان، إذ أوضحت أن “قانون إقليم كردستان يجرّم العنف الأسري ويمنع استخدام العنف كوسيلة تأديب داخل الأسرة، ويصل في بعض الحالات إلى تشديد العقوبات لتصل إلى الإعدام في جرائم القتل العمد”، بينما في المقابل “لا يزال القانون في العراق الاتحادي يفتقر إلى حماية متكاملة ومباشرة للنساء، ما يترك فراغًا قانونيًا واضحًا”.

وأكدت أن هذا التباين القانوني ينعكس بشكل مباشر على واقع الملاجئ، إذ يحدّ من قدرتها على توفير حماية مستدامة، خاصة في ظل غياب قانون اتحادي شامل يجرّم العنف الأسري بشكل واضح وفعّال.

وفي سياق متصل، نبهت إلى أن واحدة من أبرز الإشكالات تكمن في اعتبار العنف الأسري “شأنًا عائليًا” لا يحق للدولة التدخل فيه في بعض مناطق العراق، وهو ما يحدّ من دور المؤسسات الرسمية، باستثناء بعض الحالات التي تعتمد على الشرطة المجتمعية، والتي وصفتها بأنها “لا تمتلك بنية إيواء أو قدرات حماية فعلية”.

وفي ختام تصريحها، أكدت بهار علي أن الفجوة بين إقليم كردستان وبقية مناطق العراق ما تزال واضحة في ما يتعلق بتوفير الملاجئ، حيث توجد في الإقليم أربعة مراكز رئيسية رسمية، إضافة إلى ملاجئ مؤقتة في بعض المناطق، بينما لا توجد في العراق الاتحادي منظومة رسمية متكاملة ومعلنة للملاجئ الحكومية، مع اعتماد واسع على منظمات المجتمع المدني.

وشددت على أن هذا الواقع، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والعشائرية، يخلق بيئة معقدة تجعل من وصول النساء إلى الحماية الآمنة أمرًا صعبًا في كثير من الحالات، مؤكدة أن “الحماية ليست فقط مكانًا آمنًا، بل منظومة متكاملة من القانون والتمويل والوعي المجتمعي”، محذرة من أن استمرار الفجوات الحالية يبقي النساء في دائرة الخطر بدل دائرة النجاة.