يعد العمل القسري أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها تعقيدا في العصر الحديث، إذ يمتد تأثيره من مواقع الإنتاج والمزارع والمناجم إلى الأسواق العالمية وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها كبرى الشركات، ولم يعد هذا الملف شأنا عماليا أو اجتماعيا فحسب، بل تحول إلى قضية تتداخل فيها حقوق الإنسان مع التجارة الدولية والاستثمار والقانون الدولي، في ظل تحركات متسارعة من الحكومات والمنظمات الأممية لوقف تدفق السلع المنتجة عبر استغلال ملايين العمال حول العالم.
وأكدت منظمة العمل الدولية أن العمل القسري يشمل أي عمل أو خدمة تفرض على شخص تحت التهديد أو الإكراه من دون أن يقدمها بإرادته الحرة، سواء مارست جهات حكومية أو مؤسسات خاصة أو جماعات إجرامية هذا الاستغلال، وأوضحت المنظمة أن هذا التعريف يستند إلى اتفاقية العمل الجبري رقم 29 لعام 1930، التي تعد المرجع الدولي الأساسي لمكافحة هذه الممارسة، بينما عزز بروتوكول عام 2014 الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الضحايا وتعويضهم وملاحقة المسؤولين.
الملايين تحت ظروف العمل القسري
وكشفت منظمة العمل الدولية، بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية ومؤسسة ووك فري، في أحدث التقديرات العالمية بشأن العبودية الحديثة، أن نحو 27.6 مليون شخص كانوا يعيشون تحت ظروف العمل القسري خلال عام 2021، بزيادة ملحوظة مقارنة بالتقديرات السابقة.
وأظهرت الدراسة أن القطاع الخاص يستغل نحو 17.3 مليون شخص في أنشطة اقتصادية مختلفة، بينما تفرض السلطات الحكومية العمل القسري على نحو 6.3 مليون شخص، في حين يقع قرابة 3.3 مليون شخص ضحية للاستغلال الجنسي التجاري القسري.
وأشارت منظمة العمل الدولية إلى أن النساء والفتيات يمثلن أكثر من نصف ضحايا العمل القسري، بينما يواجه الأطفال مخاطر متزايدة في القطاعات غير الرسمية وسلاسل الإنتاج المعقدة، كما أكدت المنظمة أن المهاجرين يتعرضون للعمل القسري بمعدل يزيد عدة مرات على المواطنين المحليين، نتيجة هشاشة أوضاعهم القانونية واعتمادهم على أصحاب العمل أو الوسطاء في الإقامة والعمل.
معاناة في جميع القارات
وتوضح منظمة العمل الدولية أن العمل القسري لا يقتصر على الاقتصادات منخفضة الدخل، بل يمتد إلى جميع القارات، حيث تنتشر الانتهاكات في الزراعة والصيد والبناء والتعدين والصناعات التحويلية والخدمات المنزلية والنقل وصناعة الملابس والإلكترونيات، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بسلاسل توريد عالمية تخدم أسواقا كبرى في أوروبا وأمريكا وآسيا.
وأكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل ملايين الأشخاص في العمل القسري، مستفيدة من الفقر والنزاعات المسلحة والهجرة غير النظامية وضعف الحماية القانونية، ولفت المكتب إلى أن الجماعات الإجرامية تحقق أرباحا ضخمة من استغلال العمال، سواء في الأعمال الزراعية أو الصناعية أو المنزلية أو التجارية، ما يجعل مكافحة العمل القسري جزءا أساسيا من جهود مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وأوضحت منظمة العمل الدولية أن العمل القسري يختلف قانونيا عن العمل غير النظامي أو تدني الأجور، إذ يقوم على عنصر الإكراه أو التهديد أو تقييد حرية الشخص، بينما يختلف أيضا عن الاتجار بالبشر، رغم وجود ارتباط وثيق بين الظاهرتين، ويشمل الاتجار بالبشر عمليات التجنيد أو النقل أو الإيواء أو الاستقبال بغرض الاستغلال، في حين قد يقع العمل القسري دون انتقال الضحية من مكان إلى آخر.
المهاجرين واللاجئين
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن المهاجرين واللاجئين يشكلون الفئة الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات، بسبب اعتمادهم على أصحاب العمل للحصول على تصاريح الإقامة أو العمل، إضافة إلى ضعف قدرتهم على اللجوء إلى القضاء أو الإبلاغ عن الانتهاكات خوفا من الترحيل أو فقدان مصدر رزقهم، كما أشارت المنظمة إلى أن النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية رفعت معدلات الاستغلال في عدد من مناطق العالم خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت منظمة العفو الدولية أن بعض الشركات العالمية لا تزال تواجه اتهامات بعدم بذل العناية الواجبة للتحقق من سلامة سلاسل التوريد، الأمر الذي يسمح بدخول منتجات مرتبطة بالعمل القسري إلى الأسواق الدولية، ودعت المنظمة الحكومات إلى فرض التزامات قانونية على الشركات لضمان احترام حقوق الإنسان في جميع مراحل الإنتاج، وعدم الاكتفاء بالالتزامات الطوعية.
أرباح غير مشروعة بالمليارات
وأظهرت تقديرات منظمة العمل الدولية أن العمل القسري يدر أرباحا غير مشروعة تصل إلى نحو 236 مليار دولار سنويا، وهو رقم يعكس الحجم الاقتصادي لهذه الجريمة العابرة للحدود، وتؤكد المنظمة أن هذه الأرباح تنشأ من حرمان العمال من أجورهم العادلة، وإجبارهم على العمل في ظروف تنتهك الكرامة الإنسانية، بما يمنح الجهات المستغلة ميزة تنافسية غير مشروعة على حساب الشركات التي تلتزم بالقوانين.
التزامات قانونية وأخلاقية
وشددت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على أن مكافحة العمل القسري تمثل التزاما قانونيا وأخلاقيا يقع على عاتق جميع الدول، مؤكدة أن احترام حقوق الإنسان داخل سلاسل التوريد أصبح جزءا أساسيا من أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثامن الذي يدعو إلى القضاء على العمل الجبري والاتجار بالبشر وعمالة الأطفال بحلول عام 2030.
ويرى خبراء منظمة العمل الدولية أن تنامي اهتمام الحكومات بملف العمل القسري يعكس تحولا في أدوات المواجهة، بعدما انتقلت الجهود من ملاحقة الانتهاكات داخل أماكن العمل إلى مراقبة حركة السلع عبر الحدود، وربط التجارة الدولية باحترام المعايير الحقوقية، وهو ما مهّد لظهور تشريعات جديدة تمنع استيراد المنتجات المرتبطة بالعمل القسري، وتلزم الشركات بالتحقق من سلاسل التوريد والإفصاح عن إجراءاتها الوقائية.
التجارة تتحول إلى أداة لمواجهة الاستغلال
لم تعد مكافحة العمل القسري تعتمد فقط على ملاحقة المنتهكين داخل الدول، بل انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مجال التجارة الدولية، حيث بدأت حكومات وتكتلات اقتصادية كبرى في استخدام قوانين الاستيراد وسلاسل التوريد للحد من دخول المنتجات التي تعتمد على استغلال العمال.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن هذا التحول يعكس إدراكا متزايدا بأن المستهلكين والأسواق العالمية يمكن أن يصبحوا جزءا من منظومة حماية حقوق الإنسان، من خلال منع الاستفادة الاقتصادية من انتهاكات العمال.
الولايات المتحدة تفرض قيوداً على الواردات
تعد الولايات المتحدة من أكثر الدول التي طورت أدوات قانونية لمنع وصول منتجات العمل القسري إلى أسواقها، وأوضحت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية أن قانون التعريفة الجمركية لعام 1930 يمنحها صلاحية منع دخول أي شحنة يثبت ارتباط إنتاجها بالعمل القسري، سواء تعلق الأمر بسلع زراعية أو صناعية أو مواد خام.
وأكدت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن تطبيق قانون منع العمل القسري للإيغور، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2022، فرض قيودا مشددة على المنتجات المرتبطة بإقليم شينجيانغ الصيني، بسبب مخاوف تتعلق باستخدام العمل القسري في بعض القطاعات، ويلزم القانون الشركات المستوردة بتقديم أدلة تثبت أن منتجاتها لم تعتمد على العمل القسري قبل السماح بدخولها إلى السوق الأمريكية.
كندا تشدد الرقابة على سلاسل التوريد
اعتمدت كندا خلال عام 2024 قانون مكافحة العمل القسري وعمالة الأطفال في سلاسل التوريد، وألزمت الشركات الكبرى بتقديم تقارير سنوية توضح الإجراءات التي تتخذها لمنع الانتهاكات داخل عملياتها التجارية، وأوضحت الحكومة الكندية أن القانون يهدف إلى زيادة الشفافية وتحميل الشركات مسؤولية أكبر عن مصادر منتجاتها.
وأكدت وزارة السلامة العامة الكندية أن التشريع يشمل المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التي تستورد أو تنتج سلعا داخل السوق الكندية، ويطلب منها تقييم المخاطر واتخاذ إجراءات تصحيحية عند اكتشاف حالات استغلال.
الاتحاد الأوروبي يربط التجارة بحقوق الإنسان
أقرّ الاتحاد الأوروبي في عام 2024 اللائحة الخاصة بحظر المنتجات المصنوعة باستخدام العمل القسري، في خطوة تستهدف جميع القطاعات الاقتصادية وسلاسل التوريد داخل وخارج دول الاتحاد. وأكدت المفوضية الأوروبية أن التشريع يمنح السلطات الوطنية صلاحيات للتحقيق في المنتجات المشتبه في ارتباطها بالعمل القسري، ومنع تداولها داخل السوق الأوروبية.
وتستهدف القواعد الأوروبية الشركات التي تعتمد على موردين لا يلتزمون بمعايير حقوق العمال، إذ تلزم المؤسسات بمراجعة مراحل الإنتاج والتأكد من سلامة مصادر المواد الخام والمنتجات النهائية، وترى المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تحمي العمال من الاستغلال، كما تمنع الشركات الملتزمة بالقوانين من مواجهة منافسة غير عادلة من جهات تخفض تكاليف الإنتاج عبر انتهاك حقوق الإنسان.
مسؤولية مباشرة على الشركات
اعتمدت ألمانيا قانون العناية الواجبة في سلاسل التوريد عام 2023، وألزمت الشركات الكبرى بفحص أوضاع حقوق الإنسان لدى الموردين المحليين والدوليين، وأوضحت وزارة الاقتصاد الألمانية أن القانون يركز على منع انتهاكات تشمل العمل القسري وعمالة الأطفال والتعدي على حقوق العمال.
وفي فرنسا، أقرّ البرلمان قانون واجب اليقظة عام 2017، الذي يفرض على الشركات الكبرى وضع خطط لرصد المخاطر المتعلقة بحقوق الإنسان داخل عملياتها التجارية وسلاسل التوريد التابعة لها، وأكدت الحكومة الفرنسية أن القانون يستهدف منع الشركات من تجاهل الانتهاكات التي تحدث لدى الموردين في الخارج.
كما تطبّق المملكة المتحدة قانون العبودية الحديثة منذ عام 2015، الذي يلزم الشركات الكبرى بنشر بيانات سنوية حول الإجراءات التي تعتمدها لمنع العمل القسري والاتجار بالبشر داخل سلاسل الإنتاج، وأوضحت وزارة الداخلية البريطانية أن الهدف من القانون تعزيز الشفافية ودفع الشركات إلى تحمل مسؤولياتها الحقوقية.
سريلانكا تدخل سباق حماية سلاسل التوريد
أعلنت الحكومة السريلانكية في يوليو 2026 حظر استيراد السلع التي يجري استخراجها أو إنتاجها أو تصنيعها كليا أو جزئيا باستخدام العمل القسري، وفقا للوائح نشرتها في الجريدة الرسمية، وأفادت وكالة بلومبرج للأنباء أن القرار منح الوزير المختص صلاحية تحديد السلع أو الجهات أو الدول التي يشملها الحظر، مع مراعاة قرارات منظمة العمل الدولية.
وجاء القرار السريلانكي بعد ضغوط تجارية دولية، حيث اقترح مكتب الممثل التجاري الأمريكي خلال يونيو 2026 فرض رسوم على بعض الواردات من سريلانكا بسبب مخاوف مرتبطة باستخدام منتجات مصنعة في ظروف عمل قسري، وأكد السفير الأمريكي جيميسون جرير أن السماح بدخول هذه السلع يخلق منافسة غير عادلة بين العمال والشركات التي تلتزم بالمعايير القانونية.
المنظمات الحقوقية تطالب بمزيد من الرقابة
تؤكد هيومن رايتس ووتش أن القوانين التجارية الجديدة تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للقضاء على العمل القسري، لأن الشركات تحتاج إلى آليات أكثر شفافية لمراقبة الموردين، خاصة في القطاعات التي تعتمد على شبكات إنتاج معقدة تمتد عبر عدة دول.
وقالت منظمة العفو الدولية إن الحكومات مطالبة بضمان عدم تحول مكافحة العمل القسري إلى مجرد إجراءات تجارية، بل يجب أن ترافقها حماية فعلية للضحايا، تشمل الوصول إلى العدالة والتعويض والدعم القانوني، مع ضمان عدم معاقبة العمال الذين تعرضوا للاستغلال.
القانون الدولي يضع التزامات واضحة
تستند الجهود الدولية لمكافحة العمل القسري إلى مجموعة واسعة من الاتفاقيات، أبرزها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29 بشأن العمل الجبري، واتفاقية رقم 105 بشأن إلغاء العمل الجبري، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الدول تتحمل مسؤولية حماية الأفراد من الانتهاكات التي ترتكبها الجهات الحكومية أو الشركات الخاصة، كما تدعو مبادئ الأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان الشركات إلى احترام الحقوق الأساسية وإجراء تقييمات مستمرة للمخاطر داخل عملياتها.
تحديات مستمرة رغم التشريعات
ترى منظمة العمل الدولية أن القوانين الجديدة تمثل تطورا مهما في مكافحة العمل القسري، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب تعقيد سلاسل التوريد العالمية، وصعوبة اكتشاف الانتهاكات داخل الاقتصاد غير الرسمي، وضعف آليات التفتيش في بعض الدول.
كما تشير منظمة الهجرة الدولية إلى أن المهاجرين سيظلون من أكثر الفئات عرضة للاستغلال ما لم توفر الدول مسارات قانونية آمنة للعمل، وتحسن الرقابة على أصحاب العمل والوسطاء، وتضمن وصول العمال إلى الحماية القانونية دون خوف من فقدان الإقامة أو الترحيل.
بدأ الاهتمام الدولي بالعمل القسري منذ تأسيس منظمة العمل الدولية عام 1919، لكنه اكتسب زخما جديدا خلال العقدين الأخيرين مع توسع الاقتصاد العالمي وتشابك سلاسل الإنتاج بين القارات.
وأصبح ملايين العمال في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات مرتبطين بصورة غير مباشرة بالأسواق العالمية، ما دفع الدول الكبرى إلى إدخال معايير حقوق الإنسان ضمن السياسات التجارية.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن القضاء على العمل القسري يحتاج إلى تعاون بين الحكومات والشركات والمنظمات الدولية، لأن الظاهرة لا ترتبط بدولة واحدة أو قطاع محدد، بل تمثل مشكلة عالمية تتطلب رقابة مستمرة وتشريعات ملزمة ومحاسبة فعالة للجهات التي تحقق أرباحا من استغلال العمال.
