منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رفضت زواجاً قسرياً.. مقتل طفلة يفتح ملف العنف القائم على النوع الاجتماعي بالعراق

01 يونيو 2026
الطفلة العراقية كوثر بشار الحصيجاوي

كشف مقتل الطفلة العراقية كوثر بشار الحصيجاوي، البالغة من العمر 15 عامًا، عن أبعاد جديدة لأزمة العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج القسري في العراق، بعدما تحوّلت قصة فتاة رفضت الزواج من ابن عمها إلى قضية أثارت غضبًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول حماية الفتيات وحقهن في التعليم والاختيار والحياة الآمنة.

وروت إحدى قريبات كوثر، في شهادة نشرتها صحيفة “الغارديان”، تفاصيل الجريمة التي قالت إنها انتهت بمقتل الفتاة بعد رفضها الزواج من أحد أقاربها، فبحسب الرواية، أطلقت على كوثر عشر رصاصات، كما تعرضت لإصابة بالفأس قبل دفنها في حفرة ضحلة، فيما ظهر أفراد من القبيلة في مقاطع مصورة وهم يحتفلون بالجريمة.

عاشت كوثر في منطقة النهروان جنوب شرقي بغداد، وأخرجت من المدرسة وهي في سن مبكرة، وأشارت الرواية المنشورة إلى أنها أجبرت على الزواج وهي في الثالثة عشرة من عمرها من رجل يكبرها سنًا ويعاني إدمان الكحول، قبل أن تتعرض، وفق الشهادة، لسوء معاملة وعنف استمرا عامًا كاملًا.

عادت كوثر لاحقًا إلى منزل عائلتها بعد هروبها من زوجها، لكنها واجهت ضغوطًا متواصلة للعودة إليه، وبعد تهديدها بالانتحار، انتهى الأمر بطلاقها رسميًا أمام المحكمة أواخر عام 2025.

رفضت الفتاة بعد ذلك الزواج من ابن عمها الذي تقدم للارتباط بها عقب خروجه من السجن، بسبب ما وصفته الرواية بمعرفة العائلة بتورطه في تجارة المخدرات والكحول، لكن اعتراضها لم يغير قرار الأسرة التي وافقت على الزواج، استنادًا إلى أعراف اجتماعية ترى أن الفتاة لا يجوز أن تتراجع عن وعد قدم للرجل.

غادرت كوثر منزل عائلتها مطلع مايو الماضي مع اقتراب موعد الزفاف، بعدما رأت في الزواج المرتقب بداية مرحلة جديدة من العنف الذي كانت تخشاه، ولم تكن تملك، بحسب الشهادة المنشورة، سوى ملابسها وغطاء رأسها بعد أن حرمت من استكمال تعليمها أو اكتساب مصدر دخل مستقل.

من الاختفاء إلى القتل

أفادت قريبة الضحية بأن كوثر اختطفت بعد فرارها لثلاثة أيام على يد أحد الجيران، مؤكدة أنها أخبرت عائلتها لاحقًا بأنها لم تغادر معه طواعية، وأضافت أن تسجيلات كاميرات المراقبة دعمت روايتها بشأن تعرضها للجر بالقوة، إلا أن أفراد أسرتها رفضوا تصديقها.

استجوب والد الفتاة وعمها وخطيبها كوثر بشأن الأيام التي قضتها بعد اختفائها، قبل أن تنقل إلى منطقة مفتوحة على أطراف بغداد، حيث قتلت لاحقًا، بحسب الرواية ذاتها.

أظهرت مقاطع فيديو تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي احتفال بعض أفراد القبيلة بعد الجريمة، وهو ما أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار.

وأكدت قريبة الضحية أنها كانت تتوقع تدخل السلطات لمحاسبة المتورطين، لكنها تحدثت عن محاولات للتلاعب برواية ما حدث، كما أشارت إلى أن نساء من العائلة الممتدة بدأن، بشكل منفصل، إرسال اسم الضحية وصورها وصور المتهمين إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أملاً في منع إغلاق القضية أو تجاهلها.

ومن جانبها، ذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن منظمة حقوق المرأة العراقية وعددًا من المنظمات النسوية قالت إن كوثر قتلت بعد رفضها زواجًا مرتبًا من ابن عمها، وإن الجريمة نفذت بذريعة ما يعرف بـ”غسل العار”، وهو الوصف المستخدم للإشارة إلى جرائم الشرف.

وأضافت الصحيفة أن منصة “شريكة ولكن” النسوية المستقلة نقلت عن سكان محليين أن الفتاة هربت من منزلها لرفضها الزواج من قريبها الأكبر سنًا، وأن أسرتها اعتقدت أنها غادرت مع شاب، ووفق المعلومات المنشورة، اختفت كوثر مساء الأربعاء، قبل العثور عليها مقتولة في اليوم التالي بمنطقة نائية.

وأشارت الصحفية العراقية آية منصور، بحسب ما أوردته الصحيفة، إلى أن والدة الضحية تقدمت ببلاغ أكدت فيه صحة الروايات المتعلقة بالجريمة، بينما لم تصدر السلطات أي تعليق رسمي على القضية في ذلك الوقت.

جدل قانوني وحقوقي

سلّطت القضية الضوء على أوضاع الفتيات المعرضات للزواج المبكر والعنف الأسري في العراق.

وأشارت “جيروزاليم بوست” إلى أن منظمات نسوية ربطت بين القضية والتعديلات التي أدخلت عام 2025 على قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، والتي قالت إنها تسمح بزواج الأطفال ابتداءً من سن التاسعة وتحد من الحماية المتاحة للأطفال.

كما لفتت الصحيفة إلى أن المادتين 128 و409 من قانون العقوبات العراقي تتيحان الأخذ بما يسمى “الدوافع الشريفة” كعذر مخفف في بعض الجرائم، بما فيها جرائم القتل، وهو ما قالت منظمات حقوقية إنه قد يؤدي إلى تخفيف العقوبات في بعض القضايا.

ومن جانبها، رصدت منصة “كردستان أو فيمينان” المتخصصة في قضايا المرأة، ردود الفعل الغاضبة التي أعقبت مقتل كوثر، مشيرة إلى أن القضية أعادت إشعال النقاش حول جرائم قتل النساء التي توصَف غالبًا بجرائم الشرف.

وأكدت المنصة أن وثائق وصورًا نشرت عقب الجريمة اتهمت أفرادًا من عائلة الضحية وقبيلتها بتدبير عملية القتل، فيما أثارت مقاطع مصورة لأقارب يحتفلون بالجريمة موجة استنكار واسعة.

وأشارت المنصة إلى أن ناشطين وصفوا ما جرى بأنه عملية قتل مدبرة شارك فيها عدة أشخاص، أعقبها احتفال علني أثار صدمة واسعة.

وأعادت القضية، بحسب المنصة، تسليط الضوء على استمرار العنف المرتبط بمفهوم الشرف في بعض المناطق الريفية والقبلية، حيث تبقى الأعراف الاجتماعية مؤثرة بقوة، كما نقلت عن منظمات نسوية انتقادات تتعلق بتطبيق القانون والتعامل مع هذه الجرائم، ودعوات إلى محاسبة جميع المتورطين وتعزيز آليات حماية النساء والفتيات من العنف العائلي والقبلي.

واختتمت المنصة العراقية للدفاع عن حقوق المرأة مطالبها بالدعوة إلى تقديم جميع المسؤولين عن مقتل كوثر إلى العدالة، في قضية تحولت من مأساة شخصية لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها إلى اختبار جديد لقدرة المؤسسات على حماية حق الفتيات في الحياة والأمان والاختيار.