منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هيومن رايتس ووتش: الشراكة الأوروبية تُعزز انتهاكات الأجهزة التونسية بحق المهاجرين والمعارضين

23 يوليو 2026
جانب من احتجاجات المهاجرين في تونس
جانب من احتجاجات المهاجرين في تونس

دخل اتفاق الهجرة المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتونس مرحلة جديدة من الجدل الحقوقي، بعدما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن التعاون الأوروبي مع السلطات التونسية لم يقتصر على الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، بل تزامن مع تصاعد انتهاكات خطيرة طالت المهاجرين واللاجئين، إلى جانب مواطنين تونسيين من معارضين وصحفيين ومحامين ونشطاء في المجتمع المدني.

 وترى المنظمة أن استمرار التمويل الأوروبي لأجهزة الأمن التونسية، رغم توالي التقارير الحقوقية، يثير تساؤلات بشأن التزام الاتحاد الأوروبي بتعهداته المتعلقة بحماية حقوق الإنسان.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في بيان مشترك وقعته مع 46 منظمة حقوقية وإنسانية بمناسبة مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم بين الاتحاد الأوروبي وتونس، أن الاتفاق أسهم في ترسيخ أنماط من الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية التونسية، ودعت الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى إدانة هذه الانتهاكات علناً ووقف تمويل أنشطة ضبط الهجرة التي ترتبط بوقوع تجاوزات موثقة.

انتهاكات بحق المهاجرين

أكدت المنظمة أن هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وثقت منذ توقيع الاتفاق حالات متعددة شملت استخدام القوة خلال اعتراض قوارب المهاجرين في البحر، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، إضافة إلى عمليات طرد جماعية باتجاه الحدود مع دول مجاورة. وأضافت أن بعض هذه الانتهاكات أسفر عن وفيات، في حين واجه كثير من المهاجرين أوضاعاً إنسانية قاسية بعد إعادتهم أو ترحيلهم قسراً.

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن عدداً من الأشخاص الذين تمكنت منظمات الإغاثة من إنقاذهم في البحر قدموا شهادات تحدثوا فيها عن تعرضهم للتعذيب والعنف والعنصرية أثناء وجودهم داخل تونس، كما حذروا من إعادتهم إلى بيئة يواجهون فيها خطر الترحيل إلى مناطق صحراوية أو الاتجار بهم عبر شبكات التهريب.

تضييق على التونسيين

أوضحت المنظمة أن المخاوف لا تقتصر على أوضاع المهاجرين، إذ ربطت بين التعاون الأوروبي في ملف الهجرة وبين تصاعد القيود المفروضة على الحريات العامة داخل تونس منذ عام 2021.

وقالت إن المؤسسات الأمنية نفسها التي تتلقى دعماً أوروبياً لإدارة الحدود والهجرة تواجه اتهامات بتنفيذ حملات استهدفت معارضين سياسيين وصحفيين ومحامين ومنظمات مجتمع مدني عبر الاعتقالات التعسفية والتحقيقات الجنائية والإجراءات الإدارية المقيدة للنشاط العام.

وأضافت أن استمرار هذا النهج يثير مخاوف من توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في ظل غياب رقابة فعالة، الأمر الذي انعكس على مساحة العمل المدني وحرية التعبير داخل البلاد، وفق ما ورد في البيان المشترك للمنظمات الحقوقية.

تمويل أوروبي يثير الجدل

أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء خصصوا نحو 105 ملايين يورو لدعم عمليات اعتراض القوارب ومراقبة الحدود في تونس ضمن ملف الهجرة في الاتفاق، في حين تعاقدوا بالفعل على ما لا يقل عن 65 مليون يورو لتدريب وتجهيز جهات أمنية، منها خفر السواحل التونسي ومركز التنسيق البحري، وترى المنظمة أن استمرار هذا الدعم، رغم التقارير المتكررة عن الانتهاكات، يجعل الاتحاد الأوروبي شريكاً في تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الممارسات.

ولفتت المنظمة إلى أن المفوض الأوروبي لحقوق الإنسان وديوان المحاسبة الأوروبي سبق أن أثارا تساؤلات بشأن مدى التزام المفوضية الأوروبية بالضمانات القانونية المتعلقة باستخدام هذه الأموال، إلا أن المفوضية لم تقدم، بحسب البيان، ما يثبت بصورة كافية توافق استمرار التمويل مع التزامات الاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان.

دعوات لمراجعة الاتفاق

طالبت المنظمات الحقوقية الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في نهجه تجاه تونس، وربط أي تعاون مستقبلي في مجال الهجرة باحترام واضح وقابل للقياس لحقوق الإنسان، مع وقف تمويل الأنشطة التي قد تسهم في وقوع انتهاكات، وإجراء رقابة مستقلة على أداء الأجهزة الأمنية.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أن حماية الحدود ينبغي ألا تأتي على حساب الحقوق الأساسية للمهاجرين أو المواطنين، معتبرة أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تبرر التغاضي عن الاعتقالات التعسفية أو التضييق على المجتمع المدني أو انتهاك كرامة الأشخاص الباحثين عن الحماية.

تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي وقع مع تونس مذكرة التفاهم في 16 يوليو 2023 بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة والحد من الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، مع تركيز خاص على دعم السلطات التونسية في مراقبة الحدود واعتراض القوارب المتجهة إلى أوروبا، وبعد مرور ثلاث سنوات على الاتفاق، قالت هيومن رايتس ووتش و46 منظمة حقوقية وإنسانية إن التعاون الأوروبي أسهم في ترسيخ انتهاكات ضد المهاجرين واللاجئين، كما تزامن مع اتساع حملة التضييق على المعارضين والصحفيين والمحامين ومنظمات المجتمع المدني داخل تونس. وأضافت المنظمات أن الاتحاد الأوروبي أدرج تونس في فبراير 2026 ضمن قائمة ما يسمى بالدول الآمنة، رغم تقارير صادرة عن خبراء الأمم المتحدة ومنظمات دولية تؤكد استمرار المخاطر والانتهاكات الحقوقية داخل البلاد.