أعلنت وزيرة اللجوء والهجرة البلجيكية، أنلين فان بوسويت، إلغاء 700 مكان إيواء ضمن شبكة الإيواء الطارئ في بلجيكا، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا بين الجهات العاملة في المجال الإنساني، خصوصًا في العاصمة بروكسل.
ويأتي القرار بعد أسابيع من إعلان سابق بإلغاء 300 مكان إيواء في نهاية يونيو، ما يعني أن إجمالي الأماكن التي تقرر إلغاؤها وصل إلى 1000 مكان من أصل 2000 كانت ممولة ضمن ما يُعرف باتفاق بروكسل.
وتخشى منظمات غير حكومية أن يؤدي هذا التخفيض السريع إلى أزمة إنسانية جديدة، في ظل استمرار وجود مئات طالبي اللجوء على قوائم الانتظار، وارتفاع أعداد الأشخاص بلا مأوى في منطقة بروكسل العاصمة.
أماكن الإيواء الطارئ
كانت أماكن الإيواء الطارئ قد فُتحت عام 2022 من قبل الحكومة السابقة ضمن اتفاق بروكسل، وهو تمويل فيدرالي خُصص لتوفير 2000 مكان بهدف إدارة أزمة استقبال طالبي اللجوء الذين لم يجدوا أماكن داخل شبكة فيداسيل، الوكالة المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء في بلجيكا.
وبحسب القرار الجديد، سيختفي نصف هذا النظام تدريجيًا بين 1 أغسطس و1 سبتمبر، وهو ما تعتبره الجمعيات العاملة في بروكسل تقليصًا سريعًا لا يراعي واقع الضغط الميداني على مراكز الإيواء.
وبررت وزيرة اللجوء والهجرة البلجيكية القرار بانخفاض عدد طالبي اللجوء خلال الأشهر الأخيرة، معتبرة أن تراجع الأعداد يسمح باستيعاب مزيد من الأشخاص داخل شبكة الاستقبال المنتظمة التابعة لفيداسيل.
وقالت أنلين فان بوسويت: “بفضل السياسة الواضحة لهذه الحكومة، فإن هذا العدد يتناقص منذ أشهر. ونتيجة لذلك، يمكن استيعاب عدد أكبر من الأشخاص في شبكة الاستقبال المنتظمة التابعة لـ(فيداسيل)، ويتناقص عدد الأشخاص على قائمة الانتظار”.
وبحسب أرقام المفوضية العامة لشؤون اللاجئين وعديمي الجنسية، قدم 34,439 شخصًا طلبًا للحماية الدولية إلى مكتب الأجانب في عام 2025، وهو رقم يقل بنسبة 13% عن عام 2024، وبنسبة 3% عن عام 2023.
وتشير الأرقام الحالية إلى أن نحو 1,300 شخص لا يزالون على قائمة الانتظار للحصول على سكن، مقارنة بنحو 3,000 شخص في عام 2024.
النظام لا يزال مشبعًا
رغم تراجع أعداد طلبات اللجوء، تؤكد المنظمات العاملة في الإيواء أن شبكة الاستقبال لا تزال تحت ضغط شديد، وعقب إعلان القرار، أعربت جهات ميدانية في بروكسل عن استيائها، ووصفت التخفيض بأنه قرار “وحشي” اتُخذ “دون تشاور مسبق مع سلطات بروكسل ولا مع العاملين في الميدان.
وتقول منظمة ساموسيال بلجيكا، إن من بين نحو 1,300 مكان متاح في مراكز الإيواء الطارئ التابعة لها، يتم تمويل نحو 40% بشكل مباشر ضمن اتفاق بروكسل.
وحذّرت المنظمة من أن إلغاء هذا العدد من الأماكن خلال فترة قصيرة قد يؤدي إلى “خطر كبير بوقوع أزمة إنسانية”، مؤكدة أن هياكلها تعمل بالفعل بكامل طاقتها.
وقالت المنظمة في بيانها: هياكلنا تعمل بالفعل بكامل طاقتها، كل يوم، وبسبب عدم توفر الأماكن، يضطر الأشخاص للبقاء بدون حلول إيواء، على الرغم من تقديمهم طلبات للحصول على خدماتنا.
طلبات إيواء مرفوضة
كشفت ساموسيال أن الضغط على خدمات الإيواء قائم بالفعل قبل تنفيذ التخفيض الجديد، ففي يوم 17 يوليو وحده، اضطرت المنظمة إلى رفض استقبال 78 رجلًا عازبًا من أصل 132 طلبًا، وست نساء من أصل 42 طلبًا، و55 شخصًا ضمن عائلات من أصل 83 طلبًا.
وتقول الجمعيات إن هذه الأرقام تثبت أن الأزمة لم تنتهِ، وأن تقليص أماكن الإيواء قد يدفع مزيدًا من الأشخاص إلى الشارع، خصوصًا الفئات التي لا تجد مكانًا في شبكة الاستقبال الرسمية أو الخدمات البلدية.
وتخشى المنظمات غير الحكومية في بروكسل أن يؤدي إلغاء أماكن الإيواء إلى عودة المخيمات العشوائية والخيام في أحياء العاصمة، خصوصًا أن التدابير الحالية في بروكسل لا تستطيع تعويض هذا التخفيض الكبير.
وتشير آخر عملية تعداد جرت في نوفمبر 2024 إلى وجود 9,777 شخصًا بلا حلول إيواء في منطقة بروكسل العاصمة، بزيادة قدرها 25% خلال عامين.
وتحذّر منصة بيل ريفيوجيز، وهي شبكة مدنية لدعم اللاجئين، من أن بقاء 1,300 شخص على قائمة الانتظار دليل على أن الشبكة لا تزال تحت الضغط.
وقالت المنصة: “نحن لا نمول 2,000 مكان لمدة أربع سنوات لنقوم بإلغاء نصفها خلال 15 يومًا دون مراعاة واقع الميدان”.
تحذير من أزمة
حذّرت ساره دو ليامشين، المديرة العامة لمنظمة ساموسيال، من التداعيات المباشرة للقرار على الوضع الإنساني في بروكسل.
وقالت: “نحن نخاطر بمواجهة أزمة إنسانية في قلب العاصمة الأوروبية، وبرؤية الخيام والمخيمات العشوائية تظهر من جديد في الفضاء العام”.
ويضع القرار البلجيكي ملف استقبال طالبي اللجوء مجددًا في قلب الجدل السياسي والإنساني، بين حكومة ترى أن انخفاض الطلبات يبرر تقليص الإيواء الطارئ، ومنظمات تعتبر أن الواقع الميداني لا يزال هشًا، وأن أي خفض سريع في الأماكن قد يدفع مئات الأشخاص إلى الشارع.
تكشف القضية أن تراجع أعداد طلبات اللجوء لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الاستقبال، فوجود 1,300 شخص على قائمة الانتظار، وارتفاع أعداد المشردين في بروكسل، ورفض طلبات إيواء يومية بسبب نقص الأماكن، كلها مؤشرات على أن شبكة الحماية لا تزال غير قادرة على تلبية الاحتياجات القائمة.
وبينما تراهن الحكومة على عودة طالبي اللجوء إلى شبكة الاستقبال العادية التابعة لفيداسيل، تحذر المنظمات الإنسانية من أن إلغاء نصف منظومة الإيواء الطارئ خلال فترة قصيرة قد يعمق الهشاشة بدل أن ينهي الأزمة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام بلجيكا هو تحقيق توازن بين إدارة أعداد طالبي اللجوء من جهة، وضمان الحد الأدنى من الحماية الإنسانية والسكن الطارئ من جهة أخرى، خصوصًا في العاصمة الأوروبية التي تخشى منظمات الإغاثة أن تشهد عودة الخيام والمخيمات إلى فضائها العام.
