أعادت التطورات المتسارعة في إيران ودول إفريقية ملف اللجوء إلى صدارة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل مخاوف متزايدة من اندلاع موجة نزوح جديدة قد تضغط على أنظمة الاستقبال الأوروبية وتختبر مجدداً قدرة الدول الأعضاء على إدارة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.
وتجمع الحكومات الأوروبية بين الحرص على الوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه طالبي الحماية الدولية، وبين السعي إلى تشديد الرقابة على الحدود وتعزيز التنسيق الأمني، في وقت لا تزال فيه آثار أزمة الهجرة التي شهدتها أوروبا عام 2015 حاضرة في السياسات الأوروبية.
وأشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات في تقرير، استناداً إلى موجز صادر عن خدمة البحوث البرلمانية الأوروبية، إلى أن استمرار التصعيد في إيران وبعض الدول الإفريقية رفع مستوى القلق داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن احتمالات نزوح أعداد كبيرة من السكان، الأمر الذي دفع البرلمان الأوروبي إلى تقييم مدى جاهزية الدول الأعضاء لاستقبال موجة لجوء جديدة، مع التركيز على قدرات أنظمة اللجوء وإدارة الحدود وآليات التعاون بين الدول الأوروبية.
تجربة عام 2015
وتنظر مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى تجربة عام 2015 باعتبارها محطة مفصلية كشفت نقاط الضعف في منظومة الهجرة الأوروبية، بعدما استقبلت القارة أكثر من مليون طالب لجوء فروا من النزاعات في سوريا والعراق وأفغانستان، وشكلت اليونان وإيطاليا آنذاك البوابتين الرئيسيتين لوصول المهاجرين واللاجئين عبر البحر المتوسط، قبل انتقال أعداد كبيرة منهم إلى دول أخرى، وفي مقدمتها ألمانيا والسويد اللتان تحملتا النصيب الأكبر من طلبات اللجوء مقارنة ببقية الدول الأعضاء.
وتسعى بروكسل اليوم إلى تفادي تكرار ذلك السيناريو عبر مراجعة سياسات الهجرة واللجوء وتطوير آليات الاستجابة السريعة لأي تدفقات بشرية واسعة، وركزت المراجعات الأخيرة على تقييم قدرة الدول الأوروبية على استقبال اللاجئين، وتحسين إجراءات تسجيل الطلبات، وتعزيز التعاون مع دول الجوار التي تستقبل النسبة الكبرى من النازحين، إلى جانب تطوير أدوات إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
مستوى جاهزية الاتحاد الأوروبي
واستعرضت خدمة البحوث البرلمانية الأوروبية في يونيو 2026 مستوى جاهزية الاتحاد الأوروبي من خلال دراسة شاملة تناولت سياسات اللجوء والهجرة، والشراكات الإقليمية، وإدارة الحدود، وسياسات إعادة المهاجرين، بهدف وضع تصور متكامل لأي استجابة مستقبلية في حال تصاعد موجات النزوح من مناطق الصراع.
وأبرز التقرير أهمية استمرار التعاون مع الدول المجاورة لمناطق الأزمات، باعتباره أحد المحاور الأساسية للحد من الضغوط على الحدود الأوروبية. وفي هذا الإطار، دعا قادة قبرص واليونان وإيطاليا ومالطا خلال أبريل 2026 إلى إعداد خطة طوارئ أوروبية مشتركة تتيح التعامل بصورة منسقة مع أي موجة لجوء محتملة، ومنها توزيع المسؤوليات وتعزيز إمكانات الاستجابة.
استمرار التحديات
ورغم الجهود التي بذلتها عدة دول لتطوير أنظمة الاستقبال، فإن التقرير أشار إلى استمرار وجود تحديات كبيرة داخل عدد من الدول الأوروبية، فقد واجهت أيرلندا ودول البنلوكس ضغوطاً متزايدة على مرافق الاستقبال، في حين استمرت إجراءات البت في طلبات اللجوء لفترات طويلة في النمسا وقبرص وفرنسا وألمانيا واليونان وأيرلندا وإيطاليا وهولندا وبولندا وإسبانيا، الأمر الذي أدى إلى زيادة تراكم الملفات داخل المؤسسات المختصة.
وتعكس بيانات يوروستات حجم هذا التحدي، إذ ارتفع عدد طلبات اللجوء المعلقة داخل الاتحاد الأوروبي من أكثر من 733 ألف قضية في يناير 2021 إلى نحو 1.22 مليون قضية بحلول نهاية عام 2025، رغم انخفاض أعداد الطلبات الجديدة منذ أواخر عام 2023. ويكشف هذا الارتفاع استمرار الضغوط على أنظمة اللجوء الوطنية وعدم قدرتها على تسريع إجراءات دراسة الطلبات تسريعاً يحد من تراكمها.
تداعيات الحروب والنزاعات
وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الدول المجاورة لمناطق النزاعات لا تزال تتحمل العبء الأكبر، حيث تستضيف نحو 66 بالمئة من اللاجئين والأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية، وهو ما يجعل مستقبل هذه الدول عاملاً مؤثراً في اتجاهات حركة اللجوء نحو أوروبا.
وفي إيران، تشير التقديرات إلى أن أي تصعيد واسع قد يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح، خاصة مع ارتباط مسارات الخروج بتركيا التي تمثل دولة عبور واستقبال رئيسية للراغبين في الوصول إلى أوروبا، كما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن الحرب أدت إلى نزوح مؤقت لنحو 3.2 مليون إيراني، في وقت تستضيف فيه إيران أصلاً ملايين اللاجئين الأفغان، بينهم مئات الآلاف المسجلين رسمياً، إضافة إلى أعداد كبيرة من غير المسجلين.
أما السودان، فيواجه واحدة من كبريات أزمات النزوح في العالم، بعدما أدى الصراع إلى نزوح أكثر من 7.2 مليون شخص داخل البلاد، في حين لجأ نحو 4.2 مليون آخرين إلى الدول المجاورة طلباً للحماية، واستقبلت تشاد وحدها نحو 1.4 مليون لاجئ، في حين تستضيف إثيوبيا أكثر من مليون شخص، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تتحملها دول الجوار مقارنة بالدول الأوروبية.
القدرة على استضافة النازحين
ويرى التقرير الأوروبي أن وصول اللاجئين إلى أوروبا لا يرتبط فقط بحجم النزاعات، بل يتأثر أيضاً بقدرة الدول المجاورة على الاستمرار في استضافة النازحين. واستند التقرير إلى التجربة السورية، حيث اندلعت الحرب عام 2011، في حين لم تشهد أوروبا التدفق الأكبر للاجئين السوريين إلا بعد أربع سنوات، مع تصاعد العنف وتراجع قدرة دول الجوار على استيعاب المزيد من النازحين.
وتشير التقديرات كذلك إلى استمرار وجود أزمات إنسانية معقدة في عدد من دول المنطقة، إذ يستضيف لبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، فضلاً عن موجات نزوح داخلية وخارجية مرتبطة بالتطورات الأمنية، في حين لا تزال سوريا تضم ملايين النازحين داخلياً، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويؤثر في مسارات الهجرة المستقبلية.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن استراتيجيته الحالية تعتمد على حشد الأدوات الدبلوماسية والقانونية والمالية والعملياتية لمنع حدوث موجات هجرة غير منظمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وإدارة الحدود الخارجية بصورة أكثر كفاءة. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أوروبياً بأن التعامل مع أزمات اللجوء لا يقتصر على استقبال الوافدين، بل يبدأ من دعم الاستقرار في دول المنشأ والعبور، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين لتخفيف الضغوط الإنسانية قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.
واجه الاتحاد الأوروبي أكبر أزمة لجوء في تاريخه الحديث خلال عام 2015 عندما وصل أكثر من مليون طالب لجوء ومهاجر إلى أراضيه، معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، وهو ما أحدث انقسامات حادة بين الدول الأعضاء بشأن آليات توزيع اللاجئين وتقاسم المسؤوليات.
ومنذ ذلك الوقت عمل الاتحاد على تطوير منظومة الهجرة واللجوء عبر تعزيز حماية الحدود الخارجية، وإنشاء شراكات مع دول العبور، وإقرار ميثاق جديد للهجرة واللجوء يهدف إلى تحقيق توازن بين حماية طالبي اللجوء وضبط الحدود. ومع استمرار النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط وإفريقيا، تتابع المؤسسات الأوروبية مؤشرات النزوح بصورة مستمرة، استعداداً للتعامل مع أي موجة لجوء جديدة قد تفرض تحديات سياسية وأمنية وإنسانية على دول الاتحاد.
