تتحرك اليونان نحو إعادة صياغة واسعة لنظام اللجوء والهجرة، عبر مشروع قانون جديد يهدف إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، لكنه في الوقت نفسه يضيف مزيدًا من التشدد إلى سياسة أثينا تجاه الوافدين غير النظاميين وطالبي اللجوء المرفوضين.
ويأتي المشروع في لحظة حساسة، مع تنامي المسار البحري من شرق ليبيا إلى جزيرتي كريت وغافدوس، وتزايد الضغوط السياسية الداخلية على الحكومة لتقديم صورة أكثر صرامة في إدارة الحدود والعودة.
وأعلنت وزارة الهجرة واللجوء اليونانية أن مشروع القانون يندرج ضمن “إصلاح شامل” للإطار الوطني الخاص بإدارة الهجرة غير النظامية واللجوء والعودة، ويشمل الفحص الإلزامي لجميع رعايا الدول الثالثة الذين يدخلون البلاد بطريقة غير نظامية، والتحقق من الهوية، وجمع البيانات البيومترية، وإجراء فحوصات أمنية وصحية، إلى جانب تسريع إجراءات اللجوء على الحدود، وتعزيز إطار احتجاز الأشخاص الخاضعين للإعادة.
وتشير تقارير يونانية إلى أن المشروع طُرح للتشاور العام، ويهدف إلى تطبيق قواعد الميثاق الأوروبي الجديد، مع إدخال عناصر من لائحة العودة الأوروبية الجديدة التي لا تزال قيد التفاوض.
فحص سريع عند الحدود
يرتكز مشروع القانون على نقل جزء كبير من إجراءات اللجوء إلى مرحلة مبكرة عند الحدود أو داخل مراكز الاستقبال، فكل شخص يدخل اليونان بصورة غير نظامية سيخضع لفحص إلزامي يشمل الهوية، والصحة، والأمن، والبصمات والبيانات البيومترية، وهذا يتماشى مع جوهر الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي يضع إجراءات موحدة للفحص والفرز عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وتوضح المفوضية الأوروبية أن الميثاق يمثل مجموعة قواعد جديدة لإدارة الهجرة وبناء نظام لجوء مشترك على مستوى الاتحاد، على أن يبقى “مرتبطًا بالقيم الأوروبية”.
لكن الجانب الحقوقي في هذه المرحلة بالغ الحساسية، فالفحص السريع قد يساعد على تنظيم الملفات، لكنه قد يتحول إلى أداة تصنيف عاجلة إذا لم تتوفر الترجمة، والمساعدة القانونية، والفحص الفردي الحقيقي، وآليات الاعتراض، فطالب اللجوء القادم من حرب أو احتجاز أو رحلة تهريب طويلة قد لا يكون قادرًا فور وصوله على تقديم رواية منظمة، خاصة إذا كان مصابًا أو خائفًا أو تعرض للعنف.
تسريع اللجوء والرفض
يتضمن المشروع تسريع إجراءات اللجوء على الحدود من خلال جداول زمنية صارمة وملزمة، مع تطبيق مسارات أسرع لرفض الطلبات التي تُعتبر “لا أساس لها” أو المقدمة من جنسيات تنخفض فيها معدلات الاعتراف بالحماية الدولية.
وذكرت صحيفة كاثيميريني أن طالبي اللجوء الذين يُعتبر أنهم لا يحتاجون إلى حماية، أو ضللوا السلطات، أو يشكلون خطرًا أمنيًا، سيجري ترحيلهم بسرعة، مع تطوير قاعدة بيانات أوروبية مشتركة للمتقدمين.
هذه المقاربة تعكس اتجاهًا أوروبيًا أوسع نحو فرز سريع للحالات عند الحدود، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للسرعة أن تتعايش مع ضمانات اللجوء العادل؟ فالكفاءة الإدارية مطلوبة، لكن تقصير الوقت قد يضعف قدرة طالبي الحماية على جمع الأدلة، أو الحصول على محامٍ، أو شرح أسباب الفرار، خصوصًا في حالات التعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر، حيث يحتاج الناجون غالبًا إلى وقت وثقة قبل الإفصاح.
الاحتجاز كأداة إدارة
الجزء الأكثر إثارة للقلق في المشروع هو تعزيز إطار احتجاز الخاضعين لإجراءات الإعادة ومراقبتهم إداريًا، فالاحتجاز في سياق الهجرة يجب أن يبقى، وفق المعايير الدولية، إجراءً استثنائيًا وضروريًا ومتناسبًا، لا أداة روتينية لإدارة الحدود، غير أن مسار السياسة اليونانية خلال العامين الأخيرين يميل إلى توسيع الاحتجاز والردع.
ففي سبتمبر 2025، مرر البرلمان اليوناني قانونًا شدد العقوبات على طالبي اللجوء المرفوضين وسرّع إجراءات إعادتهم. وبحسب رويترز، ينص القانون على أن المهاجرين غير المسجلين القادمين من دول ثالثة يعتبرها الاتحاد الأوروبي آمنة، والذين لا يستوفون شروط اللجوء، عليهم العودة أو مواجهة احتجاز قد يصل إلى 24 شهرًا وغرامات تصل إلى 10 آلاف يورو.
كما حذّرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من أن القانون قد يعاقب أشخاصًا يحتاجون فعلًا إلى الحماية، داعية إلى إجراءات سريعة لكنها قادرة على التمييز بين اللاجئين ومن لا يستوفون الشروط.
مراكز جديدة في كريت
يأتي مشروع القانون بالتزامن مع تحركات عملية في كريت، حيث أعلنت الحكومة اليونانية خططًا لإنشاء مرافق جديدة للمهاجرين، بينها مركز دائم ومركزان مؤقتان للاحتجاز في خانيا وهيراكليون، بهدف التعامل مع ارتفاع الوافدين عبر جنوب اليونان، وتقول الحكومة إن الهدف هو تنظيم التدفقات وردع من لا يملكون أسسًا قانونية لطلب اللجوء.
لكن تجربة مراكز الاستقبال في اليونان تثير مخاوف حقوقية قديمة. فقد تحدثت تقارير دولية عن تحول بعض مراكز التسجيل والاستقبال إلى نماذج شديدة الانغلاق شبيهة بالسجون، مع قيود على الحركة، وأوضاع معيشية صعبة، وضغط نفسي واسع، خصوصًا على الأطفال والقاصرين غير المصحوبين.
ووصفت تغطية لوموند عام 2025 مركز ساموس بأنه مثال على انتقال النموذج الأوروبي من “الغابة” إلى “السجن”، في ظل احتواء شديد واحتجاز عملي داخل مراكز ممولة أوروبيًا.
مسار ليبيا- كريت
لا يمكن فهم التشدد اليوناني الجديد بعيدًا عن تغير طرق الهجرة. فبيانات مركز الهجرة المختلطة لشمال إفريقيا للربع الأول من 2026 تظهر أن مسار ليبيا–كريت ظل نشطًا، رغم تراجع طفيف مقارنة ببداية 2025.
وحتى 29 مارس 2026، سجلت كريت 2024 وافدًا، مقارنة بـ2168 بحلول 30 مارس 2025، أي انخفاضًا بنحو 7%، وفي فبراير 2026 كان الوافدون إلى كريت أساسًا من السودانيين بنسبة 39% والمصريين بنسبة 31%.
الأهم أن عام 2025 شهد تحولًا كبيرًا، فقد سجلت كريت 19,857 وافدًا غير نظامي، بزيادة 285% مقارنة بأكثر من 5 آلاف بقليل في عام 2024، مع انتقال تدريجي للمسارات بعيدًا عن غرب ليبيا نحو الشرق، خاصة طبرق، بسبب جهود الاعتراض على المسارات التقليدية باتجاه إيطاليا.
هذا التحول يعني أن كريت وغافدوس لم تعودا هامشًا في خريطة الهجرة، بل أصبحتا جزءًا من مسار متنامٍ يربط شرق ليبيا بجنوب أوروبا.
خطر الإعادة غير الآمنة
تنص الاستراتيجية اليونانية على “الحماية لمن يستحقونها حقًا، والعودة الفورية والفعالة لمن لا يستوفون الشروط”، من حيث المبدأ، هذا خطاب منسجم مع نظام اللجوء؛ لكن الخطر يظهر في التطبيق.. فالإعادة السريعة قد تصبح انتهاكًا إذا لم يجر تقييم فردي دقيق لمخاطر التعذيب أو الاضطهاد أو الإعادة المتسلسلة.
ويشدد خبراء الهجرة الأوروبيون على أن تنفيذ إجراءات الحدود في إطار الميثاق يجب أن يحترم الضمانات الأساسية ومبدأ عدم الإعادة القسرية، ويشير تقرير للشبكة الأوروبية للهجرة إلى أن الدول الأعضاء مطالبة، بحلول يونيو 2026، بإنشاء إجراءات وقدرات لمعالجة طلبات اللجوء على الحدود، مع ضمان المعايير الإجرائية والحقوق الأساسية.
ومع وجود سوابق اتهامات خطيرة لليونان في ملف “الصد” أو الإرجاع غير القانوني، تصبح الضمانات أكثر أهمية، ففي يناير 2025، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اليونان في قضية تتعلق بعمليات صد منهجية لطالبي اللجوء، في حكم وصفته منظمات حقوقية بأنه سابقة مهمة.
بين الحدود والحقوق
الحكومة اليونانية تقول إنها تنفذ إطارًا أوروبيًا جديدًا وتدير ضغطًا حقيقيًا على الحدود الجنوبية، وهذا صحيح جزئيًا؛ فالدول تحتاج إلى نظام واضح لاستقبال الوافدين، والتمييز بين من يحتاجون إلى حماية ومن لا يستوفون شروطها، وتنظيم العودة لمن صدرت بحقهم قرارات نهائية. لكن إدارة الحدود لا تعفي من الالتزامات القانونية والإنسانية.
المشكلة ليست في وجود فحص أو إجراءات أو قواعد، بل في أن تتحول السرعة إلى استعجال، والاحتجاز إلى قاعدة، والعودة إلى هدف سياسي قبل التقييم القانوني، ومراكز الحدود إلى أماكن عزل لا تتوفر فيها المساعدة القانونية والترجمة والرعاية الصحية والنفسية.
وبما أن مشروع القانون يأتي في إطار تنفيذ الميثاق الأوروبي، فإن المسؤولية لا تقع على أثينا وحدها. فالاتحاد الأوروبي وفر الإطار، ووكالاته مثل فرونتكس ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء ستكون جزءًا من التعاون العملياتي في التسجيل والمراقبة والعودة. وبالتالي، يجب أن تكون مراقبة الحقوق الأساسية جزءًا من التنفيذ، لا ملحقًا ثانويًا.
وقد نشرت وكالة الحقوق الأساسية الأوروبية FRA في أبريل 2026 أدوات وتوجيهات لدعم سلطات اللجوء والفحص والاستقبال وإنفاذ القانون في الدول الأعضاء عند تشغيل الميثاق، مع التركيز على حماية الحقوق الأساسية في “النقاط الساخنة” ومراكز الحدود.
